الهروب الكبير

26-5-2020 | 14:30

 

استعرت العنوان من الفيلم الأمريكى الشهير لأنه يجسد جزءًا من الحالة العامة التى يشعر بها مئات الملايين فى أنحاء العالم، ولقد سيطرت على فى أسابيع الحظر والتواجد فى المنفى الاختيارى داخل المنزل أن أفكر طويلًا فيما كنا عليه وما سوف نؤول إليه، يبدو أننا كنا نتمتع بحد أدنى من السعادة فى ظل الحياة الطبيعية قبل أن يهل علينا هذا الوباء المدمر ولكننا لم نكن نشعر بذلك تمامًا، فقد كنا نشكو وننتقد ونحزن فإذا ذلك الفيروس شديد الضآلة يغير حياتنا مائة وثمانين درجة فى الاتجاه الآخر، وقد حاول بعضنا الهروب إلى الماضى بأن يعيش حياته الطبيعية كما لو أنه لا يعبأ بالفيروس ومخاطره فكانت النتيجة قاسية وموجعة، والبعض الآخر توهم أنه يمكن أن يهرب إلى المستقبل مفترضًا أن الوباء اللعين فى طريقه إلى الزوال السريع وأن على الإنسان أن يمارس حياته الطبيعية أيضًا، وكأنما يؤدى الهروب الكبير فى الاتجاهين الماضى والمستقبل إلى نفس النتيجة ولكن تمزقها معاناة الحاضر ومخاوفه وحالة القلق التى تسيطر على الجميع، ثم تذهب السكرة وتأتى الفكرة فإذا المرء يصطدم بالواقع مكتشفًا أن الدنيا تتغير حوله وأن البشر أشد بؤسًا وأكثر قلقًا فى ظل صراعات دولية كبرى وحسابات علوية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية على نحو يحمل مخاطر جديدة لا تقف عند حدود الوباء ولكنها تتجه أيضًا إلى أعلى درجات العداء، وفى ظنى أن الاختلافات الثقافية بين القوى المحتشدة على المسرح الدولى تمارس تأثيرها الخطير على المستقبل، فالثقة المفقودة والمخاوف المتبادلة تلعبان دورًا حاسمًا فى تشكيل رؤية الناس ل مستقبل الجنس البشرى على هذا الكوكب، ومهما قيل من عبارات التفاؤل أو صدمات التشاؤم فإننا فى النهاية أمام حصاد واحد وهو الشك فى كل شيء وإعمال نظرية المؤامرة عند تحليل كل موقف مع غموض يصاحب بداية ظهور الوباء ويلازمه حتى الآن، ولذلك فإننى أطرح ثلاث أفكار رئيسة فى هذا السياق:


أولًا: إن مستقبل الجنس البشرى مستقبل مشترك، ولن يحمل المستقبل القريب مثل ذلك الذى حمله بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية بين منتصر ومهزوم بل ستكون النتيجة هى البقاء المستقر رغم احتمالات الحديث عن الفناء القادم فقد بلغت البشرية شأوًا كبيرًا على طريق التقدم العلمى والبحث المعملى فى المختبرات العلنية والسرية حتى أصبحت المعرفة أحد الأسرار الكبرى والأسلحة الخفية لكل دولة فى مواجهة غيرها، لم تعد قضية التسليح ولا قوة العتاد ولا التباهى بالأعداد هى الفيصل وإنما أصبحت هى الدرجة التى بلغتها الدول ووصلت إليها القوميات فى سباق محموم من أجل الإمساك بآليات التكنولوجيا الحديثة والعلم المتقدم والمعرفة الشاملة، وفى ظنى أن الصين - تلك الدولة المغلقة سياسيًا، المنفتحة اقتصاديًا - تدرك ما نشير إليه جيدًا من رغبتها فى السيطرة على آسيا وإفريقيا وربما أوروبا فى مواجهة النفوذ الأمريكى على الجانب الآخر من المحيط وتأثيرها فى الحياة السياسية والثروة الدولية فى العقود الأخيرة.

ثانيًا: إن مخاطر الأوبئة ليست جديدة على البشرية ولكنها تراجعت فى العقود الأخيرة بمنطق التقدم الصحى وتفوق الطب الوقائي، وها هى تطل من جديد على البشر لتذكرهم أن الكوارث الطبيعية من زلازل وبراكين، وفيضانات وسيول لا تقف وحدها خطرًا أمام الإنسان ولكن تشاركها عوامل أخرى مثل الاحتباس الحرارى ونتائج اختلاف المناخ مع ندرة مصادر الطاقة وشح المياه وتلوث البيئة وغير ذلك من مظاهر الأخطار التى تحيط بنا، ولم يقف الأمر عند هذا الحد من كوارث طبيعية ومشكلات يعانى منها الكوكب الذى نعيش عليه ولكن امتد الأمر أيضًا إلى مخاطر أخرى تتصل بتوليد جراثيم جديدة وتخليق فيروسات لم تكن معروفة فى تهديد مباشر للحياة على الأرض بعد أن قطعت الإنسانية شوطًا طويلًا إلى الأمام حتى تصورنا أنه لن يأتى علينا يوم نواجه ما واجهناه فى عام 2020.

ثالثًا: إن معدلات الزيادة السكانية على كوكب الأرض تنذر بانفجارات متوالية قد لا تتوقف أبدًا، فالصراعات مستمرة والحروب الإقليمية قائمة والمواجهات العالمية محتملة ولذلك فإنه من العسير التنبؤ بشكل قاطع بما يمكن أن نصل إليه، فهل تحتمل الأرض والفضاء والأنهار والبحار والمحيطات تلك الزيادة التراكمية بمتواليات هندسية فى أعداد البشر من كل الأجناس وكافة القوميات، ليست الإجابة سهلة لأن موارد الأرض لن تظل متجددة كما نتوهم، وسوف يواجه العالم على مستويً أممى حالة من العجز عن الوفاء بالالتزامات المطلوبة للشعوب المختلفة، وإذا كانت دورة الحياة بين الكائنات قد سمحت عبر ملايين السنين باستمرارها إلا أن الاختلال فى التوازن البيولوجى لا يقل خطورة عن الصراع الأيديولوجى بين الأمم والشعوب، ونعود فنقول إن صراع الحضارات لم يكن وهمًا مطلقًا ولكنه كان إنذارًا حقيقيًا لحروب خفية تقوم بحق على صراع الحضارات ونزاعات البشر وصدام الأفكار.

إن الهروب الكبير الذى نتحدث عنه يكون فى البداية نوعًا من محاولة الدخول فى شرنقة فردية يتصور المرء أنه يعيش فيها بعيدا، بينما الواقع يقول لنا صباح مساء إن حياتى وحياتك مرتبطان وأنه لن يعيش أحدنا على حساب الآخر، فليكن التضامن الإنسانى والتعاون البشرى صمامين للأمن فى المستقبل على نحو يكفل الغذاء والكساء والمسكن بل ويستدعى مظاهر رفاهية عند حد معين.. لن تعيش أمة على حساب غيرها، ولن تنتصر حضارة على سواها، فالتواصل والتعاون، وتبادل الخبرات، والمعارف والمعلومات هو الأمل الوحيد لكوكب متماسك على أرض نعيش فيها وسوف نستمر عليها حتى لو خرج منا من يتآمر ضد الجنس البشرى ويدبر له أسباب التهلكة ومقدمات الفناء، أقول ذلك وأنا لست أسير التفسير التآمرى للتاريخ ولست أيضًا حبيس الإطار التقليدى للأوهام مهما كانت التفسيرات ومهما تضاربت المعلومات ومهما ترددت الأقوال حول المؤامرات!

نقلا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]