بدأت منذ مئات السنين.. كيف توقفت طقوس الدُّوْرة في الصعيد بسبب كورونا؟| صور

25-5-2020 | 20:24

طقس الدورة

 

محمود الدسوقي

شهد عيد الفطر المبارك ولأول مرة توقف "الدُّورة" (بتشديد الدال وتسكين الواو)، وهو الطقس التراثي الشعبي الذي تشتهر به قرية كوم بلال التابعة لمركز نقادة جنوبي قنا بصعيد مصر منذ مئات السنين بسبب الإجراءات الاحترازية بسبب جائحة كورونا ، فيما تظهر صور العام الماضي للدورة قبل الجائحة باقية لتدل على تراثها الكبير الذي تشارك فيه القرية كإرث قديم من الأجداد.


اسم الدُّورة مشتق من الفعل دار/ يدور أي: لفّ/ يلف، كما يؤكد الباحث حمدي مهدي عمارة مؤلف كتاب "مأثورات شعبية من محافظة قنا.. قرية كوم بلال نموذجًا"، وقرية كوم بلال من قرى جنوب الصعيد، تربض في حضن هضبة جنوب محافظة قنا، والتي مازالت تقبض على مفاتيح أختام ومغاليق موروث الأجداد والآباء الشعبي، ومن ذلك طقوس العيدين عندهم: " عيد الفطر ، وعيد الأضحى"، ما يسمونها بـ"الدُّورة" كما يؤكد الباحث.


توقفت كل هذه المظاهر الثقافية الشعبية هذا العيد، وذلك حرصًا من أهالي القرية على تنفيذ ما اتخذته الدولة من قرارات لمواجهة تداعيات جائحة فيروس كورونا ، حيث لم يخرج من بيته أحد بالقرية صباح عيد الفطر هذا العام، حيث صارت الدُّورة مثلها مثل الظواهر الشعبية الثقافية بالصعيد كالتحطيب، وسباقات الخيول وطقوس الجنائز الشعبية، متوقفة لأجل غير مسمى حتى رحيل فيروس كورونا المستجد.

ولكن كيف كان يقام طقس الدورة أحد أهم المورثات الثقافية الشعبية في الصعيد وبالأخص قرية كوم بلال؟


يؤكد حمدي مهدي عمارة، عضو اتحاد الكتاب في تصريحات لــ"بوابة الأهرام"، أنه حين يفرغ المجتمعون من صلاة العيد وبعد الاستماع إلى خطبته حتى تراهم يتسربلون فرادى وجماعات من الباب الرئيس للمسجد العمرس العتيق إلى حيث الساحة التس تقع خارج المسجد، ومن حيث انفرطت جماعتهم منذ قليل ولمرة ثانية ينتظمون كل ينظر إلى منكبي صاحبه، لا يتزحزح عن خط سيره قيد أنملة، كيف لا وقد سلك هذا طريقه إلى طابور يتطاول ليأخذ شكل الدائرة المتعاظمة القطر لا يخلص إلى نهايتها حتى تتشكل دائرة أخرى أصغر من سابقتها، وهكذا يتوالى تشكيل الدوائر المتداخلة حتى تثبت قدمًا آخر مصل كان قد خرج توا من باب المسجد، وقد صافحت كل كف يمنى مجمل الأكف.

ويضيف "تستمر الطقوس عندها تدعو حناجر أكابر القوم، داعية كل حكيم وكل شيخ وقور وكل موفور حظ من الشهرة من وجهاء القرية وممن شهد لهم بأعمال الخير، ليخرج من بين الصفوف المتراصة، وليقفوا في منتصف الدوائر المتشابكة التي تقف كأنها بناء أسطواني الشكل مرصوص، وقد لبس الجميع ملابس العيد، وطار عنهم شذى أصناف العطور، فطافت به نسمات الصباح، وعمت به الآفاق، فأخذ كل خطيب، اطمأن به موقفه بين الجموع في إلقاء كلمته مهنئًا وداعيًا ومسترحمًا، ثم تلاه حكيم ناصحًا ومحذرًا ومستبشرًا فتلاه شيخ مطمئنًا ومستنهضًا للهمم، والجميع لنصائحهم يستمعون، ولمواعظهم يتدبرون، ولدعائهم يؤمنون.


- إذا ما انتهوا من أول طقوس الدورة، زحفوا جماعات إلى حيث "الديوان"، المندرة الملحقة بمسجد الشيخ عزاز، الذي يقف مقامه شامخًا وسط القرية، لإبداء واجب التهنئة لأصحاب المكان، الذين كانوا قد أعدوا سلفًا مائدة وجبة الإفطار للمهنئين، والتي تتكون على أى حال من الأسماك والفطائر، ثم يبدأ الموكب عقب الفراغ من وجبة الإفطار في الزحف ثانية – وقد انضوت إلى جموعه طوائف أخرى – قاصدًا كل عائلة في ديوانها "مندرة العائلة" ليستقر بالجمع المقام عند أهل آخر ديوان من دواوين القرية، وذلك قرب صلاة الظهر، وقد أعدّ هؤلاء وجبة الغداء من اللحوم، ومتى فرغوا من وجبة الغداء، أخذ روّاد "الدُّورة" كل طرق عودته إلى داره.

-ويوضح الباحث حمدي مهدي عمارة، أنه على آثار خطا المتابعة، يزحف الصغار وشباب الطرق الصوفية وعلى رأس هؤلاء ، "خليفة الطريقة الخلوتية" التي ينتسب إليها معظم إن لم يكن كل متصوفة البلدة، إلى حيث ساحة المسجد العمري والتي شهدت قبل ساعة أو أقل لوقفة المصلين في أول طقوس الدورة، حيث يبدأ عرس جديد من أعراس العيد، ألا وهو: "لفّة الدُّفّ"، وقد حملت الأعلام والرايات الخضر والسود تحمل أسماء أعلام الطرق الصوفية واسم النبى عليه الصلاة والسلام وخلفائه الراشدين، وقد تقدم حملة الأعلام الصفوف ومن خلفهم الضاربون على "الدُّفّ" وهو نوع من الطبول الكبيرة الحجم وحملة الصاجات الكبيرة وحملة السيوف، وقد بدأوا في ترديد الأناشيد، ومن خلفهم جوقة الشباب والصبية، ثم تبدأ المسيرة زحفها من شارع إلى شارع، متوقفة للحظات أمام كل ضريح ولي من أولياء الله، بل وأمام كل عتبة بيت، وقد خرج إليهم أصحاب الدور موزعين عليهم الحلوى والكعك والفول السوداني، وهم فى مسيرتهم لا يتركون شارعًا أو زقاقًا إلا ومروا به، وهكذا حتى موعد صلاة الظهر.


وأكد حمدي عمارة، أنه لأول مرة تتوقف طقس الدورة بسبب جائحة كورونا والإجراءات الاحترازية للفيروس منذ مئات السنين في هذا العيد، مؤكدًا أن الإرث الثقافي الشعبي الذي عاش مئات السنين سيعود ثانية ولكن حين تنتهي الجائحة التي تسببت في إيقاف التراث الثقافي الشعبي لأول مرة في التاريخ.

                                     ر

مادة إعلانية

[x]