«امتلاك القدرة» والخروج من نفق العشوائيات

24-5-2020 | 14:27

 

«امتلاك القدرة»... شعار يرفعه الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ توليه مسئولية السلطة فى مصر، وهو شعار ببساطة يعنى أنه لابد من أن تمتلك الدولة كل مقومات القوة فى كل المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية والتعليمية والصحية والتكنولوجية، والعمرانية، لأن الدولة العصرية الحديثة لا تبنى بغير امتلاك القدرة على البقاء والتحدى ومجابهة كل السيناريوهات المحتملة.

تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مسئوليته فى وقت كانت فيه أقصى الأمانى والطموحات الحفاظ على الدولة المصرية من الانهيار، وتجنب مخطط تقسيم الدولة بعد أن تتحول إلى دولة فاشلة يتحكم فى مصيرها الإرهابيون، والقتلة وبارونات تجارة السلاح ، كما حدث فى ليبيا وسوريا واليمن.

كان التحدى الأكبر هو الحفاظ على كيان الدولة ومؤسساتها وعودتها أقوى مما كانت، ونجح التحدى، وعادت الدولة أقوى مما كانت عليه، وانتهت خرافة ولاية داعش فى سيناء، ونجحت العملية الشاملة فى مطاردة الإرهابيين فى كل مكان، واستئصال شأفتهم من كل بقاع الأراضى المصرية، لتنخفض العمليات الإرهابية إلى أدنى معدلاتها، ولم تعد هناك سوى عمليات لبعض الذئاب المنفردة التى تؤدى رقصة الموت الأخيرة بالنسبة لها، كما يحدث فى معظم دول العالم.

أصبح الجيش المصرى الآن واحدا من أقوى عشرة جيوش على مستوى العالم طبقا للمعايير والمواصفات العالمية، واستردت الشرطة «عافيتها» وقوتها، وأصبحت لها اليد العليا فى مواجهة الإرهابيين والمجرمين على السواء.

«امتلاك القدرة» فى المجال العسكرى والأمنى أعاد الأمن والاستقرار إلى ربوع مصر، وانتهت معه كل مظاهر الفوضى والانفلات إلى غير رجعة، وعادت مصر آمنة مطمئنة كما كانت، وهو ما كان الدافع الأكبر لعودة حركة الصناعة والإنتاج والاستثمار.

خاضت مصر تجربة الإصلاح الاقتصادى، وكانت تحديا صعبا ومؤلما، بعد الانهيار الشامل الذى لحق بالاقتصاد المصرى عقب ثورة 25 يناير.

كانت الأمور قد وصلت إلى درجة سيئة ومعقدة، وكانت الأزمات هى الشعار الدائم فى المجال الاقتصادى، بدءا من أزمة توفير العملة الصعبة «الدولار»، مرورا بالأزمة فى السلع والخدمات، وانتهاء بارتفاع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار بشكل جنونى.

وصل سعر الدولار إلى ما يقارب العشرين جنيها، وكانت طوابير البوتاجاز والخبز سمة يومية فى حياة المواطن المصرى، ووصل الانهيار فى قطاع البترول، والطاقة إلى الذروة، وكان مشهد انقطاع التيار الكهربائى يوميا بالساعات أمرا طبيعيا فى كل مناطق الجمهورية بما فيها العاصمة.

فى المناسبات والأعياد كانت مستودعات البوتاجاز هى التى تستحوذ على النصيب الأكبر من وقت معظم المواطنين، خاصة المناطق الشعبية من أجل الفوز بأسطوانة بوتاجاز.

نجح تحدى «امتلاك القدرة» فى تحويل كل هذه الوقائع إلى تاريخ، وشريط ذكريات سيئ فى عقل المواطن المصرى، بعد نجاح الإصلاح الاقتصادى فى زيادة إجمالى الإيرادات خلال الفترة من 2013 حتى 2018، بنسبة 80% لتصل إلى 821.1 مليار جنيه بموازنة 2018/ 2019، وكانت الحكومة تستهدف الوصول بهذه الزيادة إلى 1067 مليار جنيه بموازنة 2019/ 2020 رغم أزمة كورونا وتداعياتها على الاقتصاديات العالمية كلها.

تحقق فائض لأول مرة فى موازنة 2017/2018، وانخفض العجز الكلى إلى أقل من 10% من الناتج الإجمالى، ولأول مرة خلال العام الماضى يتم تدبير المصروفات من الإيرادات الفعلية للدولة، وسجلت مصر المركز الثانى عالميا بعد الإكوادور فى الفائض الأولى بنسبة 2%، ونجحت فى خفض معدل الدين من 108% من إجمالى الناتج المحلى إلى 90%، وكانت الموازنة الجديدة تستهدف وصول خفض معدل الدين إلى 79% من إجمالى الناتج المحلى، إلا أن كورونا ربما تقلل من هذه التوقعات.

عموما فإن نجاح الإصلاح الاقتصادى هو الذى أدى إلى صمود الاقتصاد المصرى فى مواجهة «كورونا» وتقليل آثارها المدمرة إلى أدنى حد ممكن، ولولا الإصلاح الاقتصادى لحدثت مشاكل ضخمة يصعب التنبؤ بها.

رغم كل تداعيات كورونا فقد احتفظ الجنيه المصرى بقوته أمام الدولار، وحافظ على مكتسباته التى حققها خلال الفترة الماضية لتستقر أسعار العملة الصعبة ويفقد الدولار أكثر من 3 جنيهات من قيمته خلال فترة وجيزة.

نجحت السياسة النقدية التى اتبعها البنك المركزى فى السيطرة على الضغوط التضخمية، وأصبحت مصر واحدة من أفضل الأسواق الناشئة، مما جعل مصر تقفز عدة مواقع فى تقرير التنافسية، الذى أشاد بالإصلاحات الاقتصادية المصرية.

ظل الجنيه المصرى صامدا أمام ضغوط أزمة كورونا، فى وقت هبطت فيه الليرة التركية إلى ما دون مستويات أزمة 2018 بعد أن انخفض سعر الليرة بنسبة 1.1%، ليصل إلى 6.89 مقابل الدولار، وقد وصلت خسائر الميزانية التركية إلى أكثر من 15% خلال العام الحالى، بعد أن بلغ انخفاض الليرة التركية خلال الشهور الاثنى عشر الماضية أكثر من 20%.

نجاح تحدى الإصلاح الاقتصادى المصرى جعل وكالتى التصنيف الائتمانى العالميتين «موديز» و«ستاندرز آندبورز» تبقيان على تثبيت التصنيف الائتمانى المصرى عند مستوى «B» مع نظرة مستقبلية مستقرة فى الشهر الماضى، وهو المستوى الأفضل خلال 8 سنوات، ليظل محتفظا بمستواه نفسه قبل أزمة كورونا.

أيضا فإن نجاح الإصلاح الاقتصادى هو الذى ساعد فى مواجهة أزمة «كورونا» وتداعياتها السلبية الخطيرة على الاقتصاد، ليقوم البنك المركزى بالعديد من المبادرات لدعم القطاع الصناعى والشركات المتعثرة، بقيمة 120 مليار جنيه على مرحلتين من أجل إنقاذ هذه الشركات والمصانع، وإعادة دوران عجلة الإنتاج بها من جديد.

هذا بالإضافة إلى قيام البنك المركزى بإصدار ضمانات بقيمة 100 مليار جنيه للبنوك لتحفيزها على إقراض القطاع الخاص من خلال مبادرات دعم الزراعة والصناعة و(المقاولات) وذلك ضمن إجراءات البنك المركزى لدعم الاقتصاد المصرى ومساندة القطاع الخاص والشركات فى مواجهة أزمة كورونا.

يوم الخميس الماضى كان تحديا آخر من تحديات مفهوم «امتلاك القدرة» التى يؤمن بها الرئيس عبد الفتاح السيسى، ولكن فى مجال مختلف،وهو مجال القضاء على العشوائيات تماما فى مصر، وهو تحد خطير وصعب، لكن إيمان الرئيس بضرورة القضاء على هذه الظاهرة يجعله مصرا على السير فى معالجة تلك الكارثة التى هى نتاج مراحل زمنية تمتد إلى أكثر من 5 عقود كاملة دون أن يتراجع رغم كل التكاليف والأعباء لتحقيق هذا الحلم.

يعمل الرئيس فى معالجة كارثة العشوائيات على مسارين متوازيين، الأول يقوم على تطوير المناطق العشوائية الحالية لتتحول إلى مناطق حضارية راقية تحافظ على كرامة وآدمية المواطن المصرى.

المحور الثانى يقوم على اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع إقامة عشوائيات جديدة حتى لاتصبح تلك الدائرة الجهنمية مستمرة إلى مالانهاية، لأنه لافائدة من أن يتم القضاء على منطقة عشوائية، فى حين تولد مناطق عشوائية أخرى فى أماكن مختلفة.

هذه الدائرة الجهنمية يعمل الرئيس على وقفها لتنتهى العشوائيات إلى غير رجعة وتصبح جزءا من التاريخ، وليست واقعا متجددا.
لهذا كله كانت توجيهات الرئيس بضرورة مراجعة جميع مراحل إصدار التراخيص بحيث يتحول الترخيص إلى مايشبه التعاقد بين طالب الترخيص والدولة، وبموجب هذا التعاقد لايجوز أن يخالف طالب الترخيص هذه الشروط والمواصفات وإلا تعرض لعقوبات قاسية، ولحين الاستقرار على هذه المواصفات، فقد طالب الرئيس بأن يكون هناك إيقاف مؤقت للبناء الفردى فى القاهرة والجيزة والإسكندرية باستثناء المشروعات القومية التى يتم الترخيص لها.

الرئيس يريد تطبيق مفهوم «امتلاك القدرة» فى التخطيط العمرانى والتنمية العمرانية بشكل عام وفى كل مبنى على حدة بشكل خاص، بحيث تكون هناك اشتراطات بيئية وعمرانية وإنشائية للمساكن الجديدة تحافظ على حقوق المواطن فى الحياة الإنسانية الحضارية اللائقة، وتخفف من معاناته، وتمنع أساليب الغش والخداع فى مجال المقاولات.

على أرض الواقع تم تطبيق هذا المفهوم فى كل المناطق العشوائية التى تم تطويرها فى القاهرة والجيزة والإسكندرية وباقى المحافظات.

« بشاير الخير » بمراحله الأولى والثانية والثالثة نموذج حى لتطوير المناطق العشوائية وتطبيق مفهوم امتلاك القدرة فى مواجهة العشوائيات.

حينما تطأ قدماك أرض مشروع بشاير الخير لايمكن أبدا أن تتخيل أن تلك المنطقة كانت عبارة عن منطقة عشوائية خطيرة تفتقر إلى أدنى متطلبات الحياة الآدمية الكريمة، والآن تحولت إلى منطقة حضارية بكل ماتحمله الكلمة من معان بدءا من تخطيط المنطقة ومرورا بالعمارات السكنية، وانتهاء بفرش وتأثيث الشقق للسكان.

ولكى ندرك حجم النقلة الحضارية لهذه المنطقة،فقد تم تخصيص 30 فدانا منها كمنطقة استثمارية تضم مجمع سينمات ومجمع بنوك، وقاعات متعددة الأغراض، ومنطقة مطاعم، ومحلات تجارية، وكافيهات.

باختصار ماحدث فى « بشاير الخير » وكل المناطق العشوائية التى تم تطويرها ليس فقط تغييرا فى شكل المنطقة ولاتغييرا فى نوعية السكن، وإنما امتد أيضا إلى تغيير فى نمط الحياة، ليصبح معيار جودة الحياة بمفهومه الشامل هو المعيار الرئيسى فى تطوير كل المناطق العشوائية فى مصر.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]