"الاختيار" .. وقيم الولاء والانتماء

26-5-2020 | 05:50

 

يقول الله سبحانه وتعالى في الآية 3 من سورة "يوسف": (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) هذه الآية الكريمة خير دليل وبرهان على تأثير الدراما وأهميتها فى التبليغ الإلهى، وشرح أهداف ومعانى وتوصيل وتوضيح رسالات السماء إلى الأرض من خلال الأنبياء والرسل.

وتبين مدى حب الناس وتفاعلهم وتأثرهم ب الأسلوب القصصى طالما كان راقيا وبعيدا عن الإسفاف والابتذال، ولو استقرأنا التاريخ وتمعنا في مسيرته وتناولنا الرسالات السماوية وما أرسل الله جل وعلا من رسل وأنبياء لتبليغ تلك الرسالات لاكتشفنا قدرة البارئ وهو القدير العليم في بناء درامي متسلسل من نبينا آدم ( عليه السلام ) حتى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد (عليه الصلاة والسلام).

ومن الظواهرالمبشرة التى أحدثتها الدرامة التليفزيونية الرمضانية هذا العام، جمع الناس حول حب الوطن والتضحية فى سبيله، وزرع الشعور بالولاء والانتماء فى نفوس وعقول المشاهدين من مختلف الأعمار، وهو ما عجزت عنه الكثير من وسائل الإعلام والتوعية والوعظ وحتى الإرشاد، التى حاولت بكل قواها أن تفضح وتدين الإرهاب والتطرف، وتنظف عقول الشباب من تأثير جماعات التضليل والمتاجرة بالدين، جاء مسلسل واحد ليتفوق على كل هذه الوسائل ويكشف زيف الفكر التكفيرى المضلل، الذى سرق عقول بعض الشباب المتدين، ووجه نزعة التدين الأصيلة فى شعبنا لتحقيق أغراض خبيثة تهدف إلى تدمير الوطن وقتل روح الولاء والانتماء لدى أهم عناصر المجتمع.

لن أتحدث عن الناحية الفنية فى مسلسل "الاختيار" فهذا ليس مجاله، وإنما ما يهمنى هنا هو تأثير الدراما الهادفة والملتزمة فى المجتمع بوصفها من أكثر القوى الناعمة تأثيراً فى اتجاهات الناس عامة وخاصة الشباب، الذين وجدوا فى قصة البطل العقيد الشهيد "أحمد منسى" ورفاقه من أبطال الجيش المصرى، وحوش كتيبة الصاعقة البواسل وتضحياتهم، رداً وإجابة عن الكثير من الأسئلة التى كانت تحيرهم، ولم تستطع العديد من وسائل وأدوات الوعظ والإرشاد أن تزيل ما يواجههم من لبس وغموض، فى الوقت الذى كثفت فيه كل الأجهزة المضادة طلقات فكرها إلى عقول الشباب، فنالت من بعضهم، وحولتهم إلى قنابل متفجرة وأصابع ديناميت تخرب فى بنية المجتمع، فجاءت قصة "منسى" لتنسف هذا الفكر التكفيرى، وتكشف أهداف هذه الجماعات الخبيثة. جاء هذا العمل خطوة مهمة في غرس قيم الولاء والانتماء لدى الشباب وتعزيز معاني الوطنية، وتحصين عقولهم من الأفكار الهدامة.

استطاع مسلسل "الاختيار" بما جسده من شخصيات الأبطال الحقيقيين، تفعيل دور الفن الحقيقى في المجتمع المصرى ودوره الهام في تربية النشء على الوطنية وتخليد قصص وحكايات هؤلاء الأبطال في عقولهم، وبينت دورقواتنا المسلحة وتضحيات جيشنا المصرى مصدر فخرنا جميعاً، وتضحيات أمهات وأرامل الشهداء، الصامدات اللواتى ضربن أروع الأمثلة فى الصبر ومد الوطن بنهر الشهداء الذى يؤكد عظمة المصريين المؤمنين بقضيتهم وبوطنهم الذى يتباهى بهم. فرغم الفراق والبعاد ووجع الفقد تواصل الأمهات والزوجات رحلة العطاء.

وهكذا أثبتت الدراما تفوقها فى التأثير فى الرأى العام، وتغيير سلوك الأفراد فى الاتجاه الإيجابى، طالما كانت درما نظيفة خالية من "بهارات" المكسب والخسارة، ولا تهدف سوى الصالح العام، ولأنها تخاطب ضمير المواطن المصرى الأصيل، وترتكز على بطولات حقيقية وقصص من لحم ودم، عاشها الناس وتأثروا بها، لنماذج مصرية إيجابية عشقت تراب هذا الوطن وبذلت كل غال ونفيس فى الزود عنه، وروت دماؤهم أرض سيناء الحبيبة.

تأثير "الاختيار" وردود أفعال المواطنين، وخاصة الأطفال الذين عاشوا أحداث المسلسل بكل حواسهم، وارتباطهم بأحداثه، علمهم الوطنية وتعلموا الدرس وعرفوا قيمة كل حبة رمل فى سيناء وفى أرض الوطن، ناهيك عن تأثيره فى الكبار الذين أعادتهم أحداثه وتضحيات الأبطال من خلاله إلى أيام أمجادهم وذكرى حروبهم ومعاركهم الوطنية وتضحيات المصريين على مر التاريخ، ضد أعداء الوطن سواء الإسرائليين او التكفيريين، كل ذلك يجعلنا نطالب بمزيد من هذه الأعمال الجادة والهادفة حتى نغير مفهوم الفن عند الناس ويكون دليلا للدولة حتى تدعم وتفعل دور الفن الحقيقي الذى يؤثر في الوجدان.

مرة أخرى نؤكد أن الدراما الوطنية سلاح مصر لمواجهة القوى الظلامية، ومن هنا تظهر أهمية استثمار الدراما وتجييشها لهزيمتهم، وتنقل صورة شاملة وواقعية للشباب عن الأحداث والقضايا المعاصرة التي تشهدها بلادنا، فلا أحد ينكر أهمية الفن والدراما في تشكيل وعي وعقول المجتمع.

وللأسف، جاءت فترة افتقدنا فيها كثيرًا الدراما الوطنية الهادفة مثل "رأفت الهجان" و"الطريق إلى إيلات"، والتي تغرس المعاني الوطنية، وتخدم قضايا المجتمع، وتواكب همومه وتطلعاته، وتعزز من ثقافته وهويته، لتكون بحق فنا مؤثرا ذات رسائل وأهداف نبيلة، وتلقى كل احترام واهتمام من الجماهير، وتلمس وجدانهم، وتكشف لهم زيف أعداء الوطن من أصحاب التنظيمات التي تريد الشر بالبلاد والعباد، وقد نجح مسلسل «الاختيار» في أن يستحوذ على اهتمام المشاهدين، لأنه تضمن أهدافا وطنية.

وحتى نسير على طريق "الاختيار" الصحيح، يجب أن تتعاون الأقلام والأفكار في صناعة الدراما الوطنية التي تقدم قضايا الوطن وتواكب هموم المجتمع وترسم بحرفية قوة انتماء المواطن إلى وطنه.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

الإعلام وجسور الثقة بين الشعب وقيادته

الإعلام الحقيقي والموضوعي هو الإعلام الذي يرى بعين الجماهير ويتحدث بلسانها، ويعبر عن طموحاتهم، ويجسد آمالهم وتطلعاتهم نحو المستقبل، وفى ذات الوقت الذى

ضرورات التعايش مع "كورونا"

بعد الاتجاه لعودة الحياة إلى طبيعتها، ليس في مصر وحدها وإنما في غالبية دول العالم بعد فترة الحظر والإجراءات الاحترازية إثر جائحة كورونا، أصبح من الضروري

عندما هدد ثروت أباظة بالاستقالة من "الأهرام"

خلال رحلة عملي في جريدة "الأهرام" التي بدأت عام 1976، تعلمت وعملت مع مجموعة من كبار المفكرين فى مصر، ورواد مهنة القلم، تأثرت بهم وتعلمت منهم خلال العديد

"الاختيار" .. وقيم الولاء والانتماء

يقول الله سبحانه وتعالى في الآية 3 من سورة "يوسف": ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ

"كمامة" لكل مواطن!!

نعم" كمامة" لكل مواطن،أعتقد أن ذلك أصبح أمراً واقعاً وضرورياً بعد أن أكد رئيس الوزاء أن ارتداء الكمامة سيكون إجباريا في كافة المنشآت بالدولة والمواصلات العامة، ولن يسمح بدخول أي مكان بالدولة دون ارتداء كمامة، وسيتم فرض عقوبات على المخالفين ممن لم يرتدون الكمامات.

"فاروق هاشم" .. الجنرال الزاهد

يقول الدكتور طه حسين: "ديوان الحياة المصرية المعاصرة" هذا أصدق وصف يمكن أن توصف به "الأهرام"، كما أن أصدق وصف وصِف به الشعر العربي القديم هو أنه ديوان العرب.

بين "الزعيم".. و"حروب الهوانم"

وسط حصار " كرونا" الإجبارى لأصحاب مهنة البحث عن المتاعب أمثالي، وجدت نفسي مقسماً بين قراءة القرآن الكريم ، الذي أتعلم منه يوميا ودائما كل جديد، فالقراءة

كل عام وأنتم رمضانيون قلبا وقالبا

الحمد لله لقد بلّغنا رمصان.. هلت لياليه الجميلة الحافلة بالرحمة والتراحم العامرة بالمغفرة والود والتسامح، وإن كنا نذوب شوقًا إلى الركوع فى المساجد وأن

رسائل على جناح "كورونا"!!

ما زالت معاناة الناس مع "كورونا" مستمرة، لا توجد أسرة مصرية أو عربية إلا وذاقت ألم هذا الفيروس؛ إما فقدًا أو فرقة أو تشتتًا أو تعطيل حال وزيادة نسبة البطالة،

حتما .. سترحل يا "كورونا"!!

برغم أننا جميعًا نعانى من" كورونا"وبرغم هجومه الكاسح وأن "الفيروس" لا يفرق بين غنى أو فقير، وبين بلد متقدم وآخر نام، وبرغم أنه أكد فشل النظام العالمى الحالى،

كلنا في خندق واحد

"كورونا" أزمة أفراد قبل أن تكون أزمة جماعات ودول، ومن هنا حتى نتجاوزها لابد أن ننشغل بها كلنا، هي أزمة الإنسان مع الحياة من حوله، مع ذاته ومع القوى المحيطة

تصالحوا وتصارحوا مع أنفسكم ومع الله

أزمة "كورونا" التى نمر بها حاليًا، وبعيدًا عن استعدادات الحكومات، وجهود المكافحة والحماية والرعاية، يجب ألا تمر هكذا دون أن نُحاسب أنفسنا جميعًا؛ لأننا

[x]