جارا .. ونيرودا

23-5-2020 | 15:09

 

ليس ذنب التاريخ أن يزيد حضور اسم شخص أكثر من آخر بعد رحيلهما رغم أنهما أديا أعمالا متساوية فى قيمتها، نوقشت مسألة صدقية التاريخ كثيرا. وكنت غالبا مع الاجتهاد الذى يذهب إلى أن هناك رواية أصدق فى معظم الأحيان، ولكن ليس فى كلها، وأن تزوير التاريخ يصمد لبعض الوقت، ولكن ليس طول الوقت.


ومع ذلك، نجد مفارقات مثيرة للتأمل فى هذا المجال، وقد تذكرتُ إحداها عندما وجدت فى أحد المواقع الالكترونية تسجيلا نادرا لحفلة غنى فيها الفنان التشيلى الكبير الراحل فيكتور جارا ، مع ترجمة إلى العربية. أسهم جارا بدور محورى فى تطور الفن الحديث فى تشيلى، سواء فى المسرح أو الموسيقي، وألف وغنى عددا من أهم الأغانى التى رفعت وعى قطاعات واسعة من الشعب، وأسهم فى تأسيس قاعدة شعبية متينة لليسار مكنت سلفادور الليندى من الفوز فى انتخابات 1973، قبل أن يدمر التدخل الأمريكى الديمقراطية فى تشيلى.

كان دوره الثقافى، والسياسى، أكبر وأكثر أهمية من الشاعر التشيلى الكبير أيضا بابلو نيرودا . ولكن اسم جارا لا يُذكر إلا قليلا أو نادرا، بخلاف نيرودا الأكثر شهرة. دفع كلاهما ثمن إيمانهما بمبادئهما، وانتمائهما إلى حركة اليسار. ولكن جارا قُتل فى قلب الميدان. قُتل فى ملعب تشيلى الوطنى بعد أيام قليلة على إطاحة حكم اليسار. قُتل وهو يغنى لآلاف من أنصار اليسار المطارد من أتباع واشنطن. كان التجمع الذى غنى فيه حتى الرمق الأخير وداعا لمرحلة، بل للحظة مرت كأنها حلم.

سجل التاريخ ذلك المشهد المهيب والمروع فى آن، لكن معظم قارئى التاريخ لا يقفون أمامه إلا قليلا، بخلاف مشهد رحيل نيرودا على سرير فى المستشفى، ربما لأنه حصل على جائزة نوبل فى الآداب عام 1971، ويتحمل اليسار فى العالم المسئولية عن هذه المفارقة0 فنادرا ما يذُكر اسم جارا فى أنشطته، بخلاف نيرودا الذى تغنى به مثلا الراحل عدلى فخرى فى أغنية بديعة للشاعر الكبير سمير عبد الباقى ( بابلو نيرودا .. صوتك فوق موج البحور لقلوبنا ساري/ زى ابتسامة الطفل فى القلب اليساري).

نقلا عن صحيفة الأهرام

الأكثر قراءة

[x]