عُدتَ يا عيدُ

22-5-2020 | 04:57

 

ما كنت عيداً إلا لأنك تعود؛ بوعد البهجة، بقدرة الطفولة على هزيمة تجاعيد الزمن، وبقدرة الكهل على استعادة الطفولة ، ولو لنصف يوم. ما كنت عيداً إلا لأنك تَعِدنا بفرحة قديمة كانت لنا، وتعيدنا لذلك الصباح، حيث كانت ترن ريالات الفضة، وتستدير دوائر الكعك المرشوشة بالسكر، لنستعيد القدرة على الفرح لأتفه الأسباب.

من قال إن النسيان علامة الشيخوخة؟ بالعكس، إن الطفل هو من يملك موهبة نسيان كل شيء؛ كل ما يكدر، إزاء ريال الفضة والكعكة المرشوشة ببودرة الهناء الأبيض، ونزول السلم مسرعين إلى حيث الشارع يزدحم بمهرجان السرور.

العيد هو العادة، عادة الفرح الموسمية، و الطفولة المستعادة هى القدرة على أن ننسى وعينا المثقل بالتجارب المُرة، فى ذلك اليوم المعدود الموعود من كل عام. العيد هو الرضا بالبخت، الذى يهبك مليماً أو قطعة حلوى رخيصة، والإحساس أنك امتلكت العالم إذ تفض ورقة بختك فتجد نصيبك الصغير فى انتظارك؛ هو القدرة على البهجة وإن صغرت أسبابها حتى تكاد أن تنعدم. هذه قدرة الصغار ومملكتهم؛ أما نحن الكبار، فنستعيد تلك القدرة المفقودة حين نتأمل أطفالنا، الموهوبين بمَلَكة السرور وإرادة اللعب، لتفرقع فى أعماق ذاكرتنا ووجداننا السحيقة أصوات البُمب، وتزدان قلوبنا بالزينة الورقية للدراجات التى اعتليناها فى صباح العيد القديم.

العيد هو أن ننظر فى المرآة، فنبصر آباءنا وأمهاتنا وجدودنا وجداتنا، بعد أن أصبحنا نحن هُم. فقد مرت من السنوات عقود، مشغولة بالأفراح والأوجاع والذكريات الحلوة والمُرة، وصار لنا أطفال وأحفاد، هم نحن من خمسين عاماً أو يزيد، وصرنا نحن من يهب العيد ية وهم من يتلقونها فرحين، لتتردد فى وجداننا نحن أيضاً إيقاعات الضحكات الجذلى و الفرحة القديمة ب العيد .

العيد هو عودتنا إلى الطفولة ، وعودة طفولتنا إلينا، ونحن من لنا اليد العليا المعطاءة واهبة الفرحة و العيد ية، إلا أن اليد السفلى - التى تتلقى - هى أيضاً يدنا، يدنا الناعمة النضرة الصغيرة التى تفرح ب العيد وهداياه. فقد عادت فى صورة أيدى أحفادنا وأبنائنا.

العيد إذن هو العودة، هو دورة الزمان، الذى شاءت رحمة الله وحكمته أن يجعله دوّاراً، فلا موسم الهمّ ولا مهرجان السرور يستمر إلى الأبد؛ فمثلما تشرق الشمس كل صباح هى أيضاً تغيب فى آخر كل يوم، ليشرق قمر أو لا يشرق، وتتألق نجوم أو لا تتألق. كذلك البرد يذهب ليعود، والحر يحرق بعض حين ثم يرحل بعد حين، و الطبيعة تزدان وتتعطر وتتغندر ثم تشيخ وتتعري.

فلا بأس أن نتألم ونتوجع ونخاف ونحزن هذه الأيام، لأنها ستمر، ويعود الزمن الهانئ، كما يعود العيد كل عام.

وربما كان موقعنا، هنا فى موضع القلب من العالم، يتسبب فى أن يكون نصيبنا من الألم أوفر من غيرنا وأمرّ، لكن حكمة الزمن الدّوار ورحمته تتيح لنا أيضاً نصيبنا من الهناء، ولو بعد حين. سيمر الوباء وتمر الحروب والأزمات، كما مرت من قبل الأوبئة والمجاعات، وسيعود الرخاء والسلام، كما يعود العيد كل عام.

عيدٌ، بأية حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟ قالها المتنبى ذات يوم، وكان تساؤلاً مُراً، لأنه كان أسيراً ممنوعاً رهين محبسه.. لكنّ الشمس، كما تغيب، تطلع من جديد، ودفء الربيع وعبقه يعودان كل عام فى موسمه الموعود.. وإذا شخنا نحن وملأنا الهم نعود فى هيئة أحفادنا.

وفى آخر الصوم كعك السكَّر. وفى آخر زماننا تعود براءتنا حين نلعب مع أحفادنا، ونستعيد معهم قدرتنا على الفرح لأسباب صغيرة جداً، وعلى البهجة والضحك لأتفه الأسباب.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

أريد أن أتنفس

لا أستطيع التنفس، قالها جورج فلويد، الأمريكى الأسود الذى زوّر شيئاً ما فقُبِض عليه فى الخامس والعشرين من مايو الماضي، قالها وركبة رجل إنفاذ القانون الأبيض تضغط بلا رحمة على عنقه، وظل يكررها حتى فقد الوعي.

شاعر يمشى كأنه يتذكر (2)

«أصطاد أعضاءها بصوتى»: عنوان القصيدة الذى توقفنا بذكره عن الكلام المباح لاعتبارات المساحة فى آخر مقالتنا السابقة عن أحدث عمل شعرى صدر للكاتب والصحفى الزميل البهاء حسين بعنوان «يمشى كأنه يتذكر».

شاعرٌ يمشي كأنه يتذكر

إيقاع المشى يستجلب إيقاعات الشعر، وكثير من الكُتّاب يحبون التمشى لأنه يستحضر الإلهام، ويبدو أن الشاعر والكاتب الصحفى الزميل البهاء حسين واحد من هؤلاء، لأنه فى ديوانه الجديد: «يمشى كأنه يتذكر»، يشير إلى هذا بشكل غير مباشر.

ألمٌ خفيف (2)

نستكمل هذا الأسبوع الحديث عن رواية ألم خفيف كريشة طائر تتنقّل بهدوء من مكان لآخر, للشاعر والكاتب علاء خالد الصادرة 2009 وبعدها صدرت له روايتان, فترسخت

تأملات أدبية فى زمن الوباء

كنت أقرأ أخيراً باستمتاع رواية صوت الغراب للكاتب المصرى المبدع عادل عصمت، التى صدرت عام 2017. ورغم أن الرواية مكتوبة ومنشورة منذ سنوات، فقد قرأت فيها معنيً

الأكثر قراءة

[x]