شفافية الموازنة واحتياجات المواطنين

20-5-2020 | 16:54

 

فى خضم الانشغال العالمى بانتشار وباء فيروس كورونا وتداعياته، جاء تقرير مسح شفافية الموازنة الدولى، وبالتالى لم يأخذ حقه من الدراسة والتحليل رغم اهميته القصوى خاصة فى هذا التوقيت.


إذ إنه يتزامن مع تزايد المطالب بزيادة الإنفاق العام خاصة على الجوانب الاجتماعية كالصحة والتعليم، فضلا عن البدء فى مناقشة مشروع الموازنة العامة للدولة عن العام المالى 2020/2021 داخل البرلمان المصرى.

ويهدف التقرير الى قياس ثلاثة امور تتعلق بالشفافية وإتاحة القدر الكافى من المعلومات عن الإنفاق العام ومصادر تمويله، بما يضمن المشاركة الفعالة من المجتمع فى النقاش وتحديد اولويات هذا الانفاق.

هذا فضلا عن انه يحقق نوعين من الرقابة، الأولى دستورية حيث تعد الموازنة وثيقة سياسية وقانونية تخدم أهداف الرقابة الدستورية وتضمن المشاركة الفعالة من جانب جميع فئات المجتمع والثانية اقتصادية ومالية، وهو ما يتطلب بدوره المعرفة الكاملة بالأوضاع المالية.

وبالتالى الشفافية المطلقة فى عرض بنود الموازنة ليس فقط للأغراض الاقتصادية، ولكن وهو الأهم من أجل المزيد من المساءلة السياسية أمام السلطات الرقابية والتشريعية والشعبية، حيث تعد الرقابة على المال العام أحد الأدوار الأساسية المميزة لجميع المجتمعات الحديثة، بل إن نشأة البرلمانات أساسا جاءت لتحقيق هذه العملية.

ولذلك كان من الضرورى العمل على تدعيم وتعزيز الرقابة المالية بصورة تجعلها قادرة على الحيلولة دون العبث بالمال العام أو إهداره، من هنا تأتى أهمية شفافية الموازنة باعتبارها من العوامل الضرورية التى تمكن مجلس النواب والمجتمع بوجه عام من مراقبة الحكومة ومحاسبتها.

ويستلزم تحقيق الشفافية توضيح أهداف الموازنة وكذلك توزيع الإنفاق على البنود المختلفة بالإضافة إلى توفير بعض المؤشرات التى تساعد على متابعة الموازنة، فضلا عن ضرورة نشر المعلومات حول ما تم تنفيذه من أهداف الموازنة.

وهذه الأمور تتحقق عند صنع الموازنة وكذلك عند التنفيذ الفعلى لها. ففى المرحلة الأولى تطرح عدة تساؤلات عن مدى الاستجابة لاحتياجات المجتمع؟ ومدى العدالة فى الإيرادات والنفقات؟ ومدى المساواة فى الأعباء؟ وأخيرا مقدار الشفافية التى تتمتع بها؟ من هذا المنطلق تبرز أهمية الفهم التام والإدراك الكامل لهذه الأمور جميعا.

ولهذا تشترط الشفافية توافر المعلومات الدقيقة فى مواقيتها وإفساح المجال أمام الجميع للاطلاع عليها، ولذلك يجب أن تنشر بعلنية ودورية من أجل توسيع دائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة ومحاصرة الفساد من جهة، والمساعدة على اتخاذ القرارات الصالحة فى السياسة العامة من جهة أخرى.

وجدير بالذكر ان هذا هو المسح السابع فى سلسلة هذه البحوث والتى تتم كل عامين منذ عام 2006 وحتى الآن، واصبح يمثل مرجعا اساسيا لدى جهات التمويل الدولية والاسواق العالمية، ولذلك ارتفع عدد الدول المشاركة من 40 دولة عام 2006 الى 117 دولة عام 2019. ويحتوى على 145 سؤالا تشمل تقييم مدى توافر المعلومات المتعلقة بالموازنة للجمهور وتقييم فرصه فى المشاركة فى صنع الموازنة ودور الهيئات التشريعية والمؤسسية العليا لمراجعة الحسابات.

ومن الملاحظ ان هناك تقدما ملحوظا لوضع مصر فى هذا التقرير فبينما حصلت على 16 نقطة من 100 عام 2006 ارتفعت الى 49 نقطة عام 2010، وهو اعلى مستوى وصلت اليه حتى الآن، إذ إنها حصلت على 43 نقطة عام 2019 ويرجع السبب فى ذلك الى تأخر نشر البيان التمهيدى وموازنة المواطن فى التوقيت المناسب. وهى مسألة يمكن تلافيها خلال الفترة المقبلة، خاصة فى ظل التقدم الملحوظ فى صنع الموازنة وميكنتها مع تطبيق نظام الميكنة الجديد GFMIS، هذا فضلا عن انشاء وحدة الشفافية والمشاركة المجتمعية وتتبع وزير المالية مباشرة، والتى تعمل على نشر المفاهيم والثقافة المالية والإفصاح ومد جسور التواصل والمشاركة المجتمعية عن طريق إطلاق موقع إلكترونى تفاعلى خاص بموازنة المواطن وغيرها من الجهود فى هذا الصدد.

ورغم هذه الجهود فإنها تحتاج إلى بعض الأمور الإضافية منها إعادة النظر فى عملية صنع وتخطيط وإعداد الموازنة وتنفيذها، مع ضرورة التحديد الواضح للأدوار لكل من السلطتين التشريعية والتنفيذية. على أن تتسم هذه العملية بالشفافية الكاملة فى جميع مراحلها. وهو ما لن يتم إلا عبر إنشاء «مجلس موازنة مستقل» ككيان وسيط بين السلطتين التشريعية ممثلة فى مجلس النواب ، والتنفيذية ممثلة فى الحكومة، يناط به مراجعة المشروع كاملا قبل عرضه على البرلمان، واقتراح ما يلزم من تعديلات وإجراءات. وهى الفكرة المطبقة منذ عقود فى العديد من البلدان، حيث أنشئ اول مجلس فى هولندا عام 1945 وفى الدنمارك عام 1962 وفى النمسا عام 1970 وفى الولايات المتحدة الامريكية عام 1974 إلا أن العدد الأكبر تم إنشاؤه عقب الازمة المالية العالمية عام 2008 وتوسعت البلدان فى إيجاد هذا المجلس. وبعبارة اخرى فالأمر لا يقتصر على مجرد تحسينات فى صنع الموازنة، وهى مهمة وضرورية، ولكن الامور اعقد من ذلك. إذ إنه يسهم فى تحديد أولويات الإنفاق العام وفقا للخطط التنموية وبما يعكس مصالح السواد الأعظم من المجتمع. وهى مسألة غاية فى الأهمية فى ضوء الواقع المصرى المعاش، حيث إن مناقشة مشروعى الموازنة العامة للدولة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، داخل البرلمان يشوبها العديد من أوجه القصور، بل ولا تحظى إلا بالنذر اليسير من المناقشات، التى تقتصر على المناقشة بين ممثلى الوزارات المختلفة مع وزارة المالية فيما يعد تكرار لما تم عند إعداد المشروع، ولذلك فإن مساهمة البرلمان فى مناقشتها أو تعديلاتها محدودة للغاية. ويرجع السبب فى ذلك إلى آليات صنع القرار داخل البرلمان، حيث لا يتم عقد جلسات استماع للخبراء والجهات المعنيّة، مثل اتحادات العمال والصناعات والغرف التجارية وضعف مشاركة المجتمع المدنى والمنظمات الأهلية فى النقاش والحوار حولها.

من هذا المنطلق يجب الحرص على إنشاء المجلس المستقل للموازنة بحيث يتبع البرلمان مباشرة الأمر الذى يساعد على توسيع قاعدة المشاركة فيها بما يضمن له تحقيق الأهداف المنوطة به وعلى رأسها كفاءة السياسة المالية، والمتابعة الدقيقة للسياسات المطبقة لتقويم آثارها الاجتماعية والاقتصادية وتضمن المشاركة الفعالة من جانب جميع فئات المجتمع.

مقالات اخري للكاتب

الأجور والمعاشات.. وبينهما كورونا

وافق مجلس الوزراء فى جلسته الأخيرة على مشروع قانون بشأن المساهمة التكافلية لمواجهة بعض التداعيات الاقتصادية الناتجة عن انتشار فيروس كورونا، يقضى بخصم نسبة

عجز الموازنة وأزمة كورونا

كيف ستتعامل الموازنة العامة للدولة مع الأعباء والتكاليف الناجمة عن حزمة السياسات والإجراءات التي أعلنتها الحكومة المصرية للحد من الآثار السلبية المترتبة

الأكثر قراءة

[x]