تكنولوجيا زمن الكورونا

21-5-2020 | 11:53

 

يبدو أن التكنولوجيا التى طالما واجهت اتهامات بالمسئولية عن التباعد الاجتماعي ، وجدت في كورونا فرصة لتبييض وجهها، بعدما دخلت على الخط بقوة لمحاربة عدو لم يكن في الحسبان، وباتت وسيلة الناس الأكثر أمنًا وآمانًا في استعادة التواصل الاجتماعي المفقود في ظل أطول حجر صحي عرفه العالم..

ففور تفشي فيروس كورونا وتخطيه مرحلة الوباء إلى حد الجائحة، وبعد اتخاذ كثير من القرارات للحد من انتشار هذا الفيروس مثل الحظر والحجر والعزل بدأت الأفكار التكنولوجية تؤتي أكلها..

ويبدو أن الرعب الذى صاحب ظهور وتفشي فيروس كورونا قد أوجد مناخًا مواتيًا لدى بعض الشعوب بالتخلى عن خصوصياتهم في مقابل نجاتهم من شبح الكورونا، وهو منطق لا يختلف كثيرًا عن شغف الناس لتلقي لقاح كورونا، بغض النظر عن تبعاته أو من يقف وراءه، حتى وإن ظن البعض وروج أن في الأمر مؤامرة.. فالمهم هو الخلاص من هذا الكابوس..

فالصين على الرغم من كل سهام الاتهامات التى يصوبها ترامب والغرب من خلفه بمسئوليتها عن تفشي الفيروس، لكنها صدّرت للعالم تقارير متلفزة تُبيض وجهها التكنولوجى الواضح في التصدى للوباء، شغل فيها الروبوت الخطوط الأمامية في المواجهة؛ حيث شاهدنا روبوتا يؤدى أكثر من مهمة، فهذا يتجول في الشوارع لإيصال الاحتياجات الطبية إلى مستشفيات ووهان، وآخر ينقل الأدوية والطعام إلى غرف عزل المرضى، وثالثا يتولى مهمة تعقيم أروقة المستشفيات لحماية الطواقم الطبية، وروبوتا يتجول في الشوارع، هدفه الكشف المبكر عن الفيروس من خلال الأشعة فوق البنفسجية خلال 40 دقيقة بدلًا من 3 ساعات..

وفضلًا عن تجربة تايوان التى تعد الأنجح في العالم في التصدي المبكر للفيروس، رغم التصاقها بالصين، لكن تظل تجربة كوريا الجنوبية في التصدى للفيروس من النماذج التى لها خصوصيتها وتميزها، فهى تجربة لم تراهن فقط على وعي الشعب، وهو واع بطبعه، بل اعتمدت في محاذاة المسوح الميدانية الواسعة، على تقنيات الذاكرة الرقمية، واستخدام أجهزة تتبع المواقع  GPS، لاقتفاء أثر المصابين.

وللوقوف على مدى دقة وكفاءة استخدام هذه التقنيات هناك، نجد أنه عندما يتم تأكيد إصابة شخص بفيروس كورونا، يتم في خلال 10 دقائق فقط، بعدما كان يتم في خلال 48 ساعة عندما تفشى فيروس سارس وميرس قبل عدة سنوات، لأنهم استفادوا من التجارب السابقة في سرعة تعديل التشريعات..

وإذا تأكدت إصابة شخص ما، يتم فورًا إدخال رقم هاتفه المحمول ورقم بطاقة الائتمان، وسيظهر من خلالهما موقعه قبل يومين على الأقل، وكم المدة التى قضاها في كل موقع ومدى ازدحام تلك المنطقة، ويتم إرسال تحذيرات على الهواتف المحمولة بعدها في تعقب دقيق لحالات العدوى، قد تصل أحيانًا إلى 6 أو 7 تحذيرات، لإطلاع أى شخص على الحالات في منطقته، والمواقع التى ذهب إليها هذا المريض تحديدًا، وحتى الباب الذى استخدمه للدخول إلى البطاقة، بل وحتى أنواع السلع التى اشتراها باستخدام بطاقته الائتمانية..

ولكن، هل يمكن استخدام هذا النموذج في أماكن أخرى؟..من المؤكد أنها ليست تكنولوجيا متقدمة، والاختلاف هو: هل سيكون لدى الدول الأخرى قوانين تسمح لهم باستخدام هذه المعلومات الشخصية؟! .. ورغم النجاح الظاهر والمطلوب في مثل هذه الظروف لمحاصرة الفيروس، لكنه قد ينتهى إلى تقنيات تنتهك الخصوصية، ما يعنى أن العالم قد يخرج من بعد تكنولوجيات مواجهة كورونا أقل حرية..

ففى حين نجحت دول آسيوية، كالصين وهونج كونج وتايوان وكوريا الجنوبية في السيطرة على المرض اعتمادًا على التقنيات الكاشفة للخصوصية، فإن الدول الأوروبية التى تفشى فيها الفيروس، فضلًا عن أمريكا، لم تستطع اللجوء لمثل هذه التقنيات؛ لأن ذلك يستلزم تشريعًا يسمح باستخدام المعلومات الشخصية وفق ضوابط قانونية صارمة تضمن الحفاظ على الخصوصية، وهو ما لم يتم حتى اليوم، رغم تضامن شركتى Google  و Apple في توفير تطبيق لتنبيه المستخدمين إذا كانت هواتفهم قريبة من هواتف الأشخاص المصابين..

إنها بلا شك معضلة في حال استمرار تفشي هذا الفيروس وتأخر اكتشاف بروتوكول علاجى محدد لعلاج الضحايا، ولقاح يضمن سلامة الآخرين..

ومن بين التقنيات التى برزت في مواجهة تفشي جائحة كورونا، طائرات الدرونز المسيرة ، التي تعددت مهامها، ومنها بث تعليمات الوقاية صوتيًا، وتعقيم الأماكن العامة التي تحتاج تطهيرًا منتظمًا، ونقل عينات المرضى بين المختبرات.

وهناك تقنيات تم ابتكارها خصيصًا بعد تفشي وباء كورونا، إنها حافلات تيسلا المعقمة ، التى من المتوقع أن يتم استخدامها في بداية 2021، وبها العديد من المقاعد المنعزلة عن بعضها بحيث لا تسمح بانتشار أى نوع من الأمراض، ويتم تعقيمها ذاتيًا بمجرد دخول الركاب إليها.

كذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي يمكن اعتمادها لتشخيص حالات فيروس كورونا في 20 ثانية بدقة تبلغ 96٪، من خلال التصوير المقطعي الحاسوبى للصدر، بالإضافة إلى تحديد المدن الأكثر احتمالاً لمواجهة تفشي فيروس كورونا.

وكما تنبأ الكثيرون بأن عالم ما بعد كورونا لن يكون كسابقه في كل مناحى الحياة، كذلك الحال مع التكنولوجيا؛ حيث سيجد الناس تقنيات مستجدة في حياتهم لمراقبة الفيروس وتقليص معدلات ضحاياه، سواء في المواصلات والأماكن العامة والمطارات وأماكن العمل، وبالطبع سيصحبها تبدّل وتغير واضح في العادات والتقاليد، حتى يطوي العالم تمامًا هذه الصفحة السوداء من تاريخه، إن بالعلاج أو اللقاح ..

مقالات اخري للكاتب

سينما الفيروسات والأوبئة!

إن من يمتلك التكنولوجيا يحكم العالم، فالإمبراطورية البريطانية التي لم تغب عنها الشمس كانت بفضل عصر الاستكشاف الأوروبي الذي بدأ مع الاكتشافات البحرية العالمية، وأمريكا بسطت سيطرتها على العالم مع تفجير أول قنبلة نووية عام 1945..

إنسان 8 جيجا؟!

ربما يكون "اللمبى 8 جيجا" الفيلم المصرى الوحيد الذى يمكن اعتباره ـ إلى حد ما ـ من أفلام الخيال العلمى، حقيقة فى خلال 5 سنوات من الآن!!

عودة مشروطة للحياة!

ما أشبه الليلة بالبارحة فى التصدى لوباء كورونا مقارنة بما فعله العالم قبل مائة عام فى تصديه لجائحة إنفلونزا 1918..

في الثقافة الغذائية

رمضان شهر الطاعات والعبادات، بدل أن يكون فرصة للاقتصاد في النفقات، بات مصريا وعربيا شهرا لالتهام الطعام ومتابعة الفوازير والمسلسلات.. هكذا حولنا رمضان،

ماذا بعد كورونا؟!

يبدو أن حديث المؤامرة الذى سيطر فى بداية ظهور فيروس كورونا وتنحى قليلا مع تفشى الفيروس، عاد إلى الواجهة من جديد، فكلما ازدادت وطأة تفشى الفيروس فى أمريكا،

صوم رمضان في زمن الكورونا

رمضان هذا العام، ليس ككل عام، فالعالم كله يستقبله وفي فمه غصة شديدة مشوبة بالألم بطعم وباء كورونا.. وإذا كان كثيرًا من الناس في السنوات الماضية، ممن تقهرهم

الأكثر قراءة

[x]