السؤال الأخطر فى أزمة سد النهضة؟

20-5-2020 | 16:38

 

س : لماذا تتهرب إثيوبيا من مسار التفاوض في أزمة سد النهضة ، وتواصل التهديد بالمضي نحو ملء السد في يونيو المقبل دون موافقة مصر والسودان؟ وما هي أوراق القوة التي تمتلكها أديس أبابا حتى تتحدث بهذا اللهجة وتتبع منطق "اضربوا دماغكم في الحيط"؟


ج : المؤكد أن أديس أبابا حين تتملص من مسار تفاوضي له مرجعية قانونية؛ ممثلا في اتفاق المبادئ الثلاثي الذي تم توقيعه عام 2015؛ فإن ذلك يعنى أن موقفها ضعيف وسندها هزيل, وأوراقها محروقة، وعندما ضاق الخناق عليها في واشنطن؛ حيث جرت مفاوضات واضحة وشفافة تحت سمع وبصر الوسيط الأمريكي، وبحضور خبراء من البنك الدولي انسحبت من المفاوضات بزعم أنها تحتاج إلى مزيد من الوقت لدراسة الاتفاق الذي كان قد اكتمل ولم يتبق سوى التوقيع عليه, إلا أنها نتيجة حسابات سياسية داخلية رفضت العودة للتفاوض، وأعلنت الانسحاب والمضي في خطتها والتهديد بملء السد في الموعد الذي حددته.

أعراض الضعف في موقف إثيوبيا واضح، ولعل تمسكها بالتحرك المنفرد والتشدد في المواقف ومحاولتها الفاشلة قبل أسابيع لاستقطاب السودان؛ للتوقيع على اتفاق ثنائي بعيدًا عن مصر يعكس تحركاتها البائسة اليائسة لإجهاض اتفاق المبادئ والانحراف عن المسار التفاوضي خصوصًا أن مصر - نجحت في حشد المجتمع الدولي؛ لدعم موقفها في أزمة السد، وتمكنت الدبلوماسية المصرية من كشف ألاعيب الجانب الإثيوبي وتهربه من استحقاقات ملزمة؛ سواء في تشييد السد أو قواعد الملء والتشغيل - أمام العالم الذي أصبح على قناعة تامة بسلامة الموقف المصري وحق مصر المشروع في الدفاع عن حصتها التاريخية في مياه النيل
.. ومن أعراض الضعف في الموقف الإثيوبي أيضًا ازدواجية المواقف وافتقاده لرؤية واضحة في التعامل مع هذه القضية، وكذلك بدا أيضًا غياب الوعي لدى ساسته بقواعد القانون الدولي وأسس ومبادئ الأعراف الدبلوماسية؛ إذ إنه قبل أيام خرج وزير خارجية أديس أبابا بتصريحات مليئة بالمغالطات، ولا تعكس فهمًا واضحًا يفترض أن يتحلى به دبلوماسي مبتدئ لأبسط قواعد العمل الدبلوماسي؛ إذ إنه قال إن بلاده غير مهتمة بموافقة مصر والسودان على ملء السد وتشغيله وستمضي قدمًا في هذا الطريق، وإن الاتفاقية التي تتمسك بها مصر في حصتها وضعت أيام الاستعمار، ولم تعد لها قيمة، كما أن شكوى مصر مؤخرًا لمجلس الأمن لن تقدم ولا تؤخر"!!

ولعل هذه اللغة بهذا الأسلوب المتغطرس تؤكد عدم فهم وجهل دبلوماسي وتاريخي؛ بل هي تدين أديس أبابا وتكشف ازدواجية خطابها وضعف موقفها, فكيف تكون اتفاقية توزيع حصة مياه النيل التي تحدد حصة مصر منذ عشرينيات القرن الماضي ليس لها قيمة، وهي أساس اتفاق المبادئ الموقع بين الدول الثلاث عام 2015, ولو افترضنا أنها كذلك - كما تزعم إثيوبيا - فلماذا لم تلتزم أديس أبابا ببنود اتفاق 2015 الذي لم يوقع في ظل استعمار؟

وما يثير السخرية أيضًا في الموقف الإثيوبي الذي يشكك في اتفاقية تاريخية لتوزيع حصص المياه فإنه في ذات الوقت يتهرب من نصوص اتفاق لم يمر عليه سوى 5 سنوات ويتصمن 10 بنود، وهنا أعرض لبند واحد فقط؛ وهو البند الخامس في اتفاقية المبادئ الذي وقعت عليه إثيوبيا بكامل إرادتها الحرة، وهذا نصه كما ورد في الاتفاق :

البند الخامس:- مبدأ التعاون في الملء الأول وإدارة السد:

- " تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية، واحترام المخرجات النهائية للتقرير الختامي للجنة الثلاثية للخبراء حول الدراسات الموصي بها في التقرير النهائي للجنة الخبراء الدولية خلال المراحل المختلفة للمشروع.

تستخدم الدول الثلاث، بروح التعاون، المخرجات النهائية للدراسات المشتركة الموصى بها في تقرير لجنة الخبراء الدولية والمتفق عليها من جانب اللجنة الثلاثية للخبراء، بغرض:

* الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد الملء الأول لسد النهضة والتي ستشمل كافة السيناريوهات المختلفة، بالتوازي مع عملية بناء السد.

* الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي لسد النهضة، والتي يجوز لمالك السد ضبطها من وقت لآخر.
* إخطار دولتي المصب بأية ظروف غير منظورة أو طارئة تستدعي إعادة الضبط لعملية تشغيل السد.

- لضمان استمرارية التعاون والتنسيق حول تشغيل سد النهضة مع خزانات دولتي المصب، سوف تنشئ الدول الثلاث، من خلال الوزارات المعنية بالمياه، آلية تنسيقية مناسبة فيما بينهم.

- الإطار الزمني لتنفيذ العملية المشار إليها أعلاه سوف يستغرق خمسة عشر شهرًا منذ بداية إعداد الدراستين الموصى بهما من جانب لجنة الخبراء الدولية."

تلك هي الوثيقة الإطارية التي تحكم التعامل مع ملف السد, أما شكوى مصر لمجلس الأمن فهي وثيقة أخرى تضيفها مصر في ملف الأزمة وحجة إضافية تضعها الدولة المصرية أمام العالم ليشهد على ما تقوم به إثيوبيا حتى تكون مصر قد استنفدت كل الوسائل التفاوضية السلمية ووضعت المجتمع الدولي أمام مسئولياته ويصبح من حق مصر اتخاذ كافة التدابير التي تحفظ أمنها القومي باعتبارها الطرف الأكثر تضررًا.

..ومما يثير السخرية أيضًا أن أديس أبابا تراهن عبر مسيرة بناء "سد النقمة" وليس النهضة على الأزمات وهو ما يؤكد ضعف موقفها ففي بداية تدشين هذا السد استغلت انشغال مصر بتداعيات أحداث ثورة يناير 2011 وقامت بعمليات البناء وهاهي الآن تستغل تداعيات جائحة وباء كورونا وانشغال العالم به لتشغيل السد دون اتفاق, لكن غاب عن قادتها أن مصر اليوم لن تقبل بأي ضرر يمس أمنها القومي، وواهم من يعتقد غير ذلك, أو تسول له نفسه اختبار قدرة مصر.

مقالات اخري للكاتب

الاستقالة .. خيانة

لا تقل المعركة التى تخوضها مصر بإقتدار وحرفية ضد وباء كورونا عن أى معركة تقليدية أخرى , بل ربما تكون الحرب ضد فيروس كورونا أكثر تعقيدا لان العدو هنا خفى ويضرب بلا هوداة ولا رحمة حتى أن اقتصاديات الدول الكبرى اصبحت تتهاوى أمام ضرباته ووقف الخسائر والتداعيات بات يفوق قدرة أية دولة .

معركة البناء والوباء

بما أن العالم عجز - حتى الآن - عن إيجاد لقاح فعال يكافح فيروس كورونا، وفشل أيضًا في توفير علاج ناجز يحاصر هذا الوباء اللعين؛ فقد بات العالم أمام خيار وحيد

قرض الضرورة

قبل عدة أشهرفقط لم تكن مصر فى حاجة إلى اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولى وكان ذلك هو الخطاب الرسمى للدولة المصرية فقد حقق الإقتصاد المصرى نتائج ايجابية فى مجمل مكوناته جعلته قادرا على التحرك الذاتى إلى الأمام بمعدل نمو بلغ 5.8 % وكان مستهدفا أن يتجاوز 6 % بنهاية العام الحالى .

إعادة العالقين .. قضية لا تقبل المزايدة

المؤكد أن عملية إعادة المصريين العالقين إلى أرض الوطن هى قضية وطنية إنسانية محسومة لا تقبل المزايدة , ولا تخضع للإبتزاز , والكل يعلم أن مصر كانت فى طليعة

"كورونا" قتلها حية .. والابن اغتالها ميتة!!

قل إنه عار.. إنها خسة ويا لها من ندالة.. سمها ما شئت واستنكرها كما أردت، بأقسى العبارات وأشد الكلمات.. هذا أقل ما يوصف به شاب رفض تسلم جثمان والدته المتوفاة

"كورونا" .. أسقط الأقنعة

ما بين عمليات سطو على شحنات طبية وصفقات غير مشروعة في مستلزمات وقائية سقطت أقنعة أولئك الذين كانوا يزعمون أنهم دعاة الحرية وحماة الاقتصاد الحر وأنصار حقوق الإنسان ..

الأكثر قراءة

[x]