التعايش

18-5-2020 | 14:31

 

نفس الكلمة التى استخدمناها بعد يناير. كتبتها لأضع نفسى بين أحرفها ولأدعو غيرى للالتزام بها. هناك من كان قادرا على اتباع التعامل القديم مع نفس الكلمة. قبل خمسة أشهر كنا نكتب عن التعايش مع العدو. كان هناك سباق محموم للتوصل لمصل وعلاج للوباء. أعلنت شركات الأدوية ومعامل البحث العلمى فى العالم أن ما يفصلنا عنه ساعات أو أيام. ولكن مع مرور الوقت بدأت المسافات تستطيل والزمن يطول. وأصبح المصل والعلاج مثل السراب الذى يبتعد عنا كلما اقتربنا منه.


العدو واحد. لكن مراحل التعامل معه اختلفت. رغم أن خطره من الثوابت التى تستهدف الإنسان. لكنهم لأول مرة تعاملوا مع البنى آدم حسب سنوات عمره. توسعت الصحف فى بداياته الأولى فى الكتابة عن خطره على كبار السن. مما أثر على قطاعات عريضة منهم. وباعتبارى واحدا من العواجيز فقد سبق الوباء بكثير أن حددت موقفى الثابت من الموت. إلا أن تركيز الكلام عن كبار السن - باعتبارهم ضحايا محتملة وجاهزة لما يجرى - أخافني. لا تصدق من يدعى أنه لا يحب الحياة. وليس حريصاً عليها. حتى أكثر الناس يأساً. كل يحب الحياة بطريقته الخاصة. ويحلم بالاستمرار فيها. بل إنه عند المنتحر فإن بعض المنتحرين كانت لديهم حتى لحظات العمر الأخيرة آمال فى مواصلة الحياة.

إن مقولة روائى روسيا القيصرية: ليو تولستوي، والذى يقول عنه معاصروه انه تجاوز المائة من عمره. كتب يقول فى مذكراته: إن للحياة سحرها الخاص الذى يتجدد كل صباح. ونلمسه عندما تأتى الأماسى فى آخر النهار. فى مواجهته قال بعض الفلاسفة: إن الاستمرار فى الحياة نوع من الرفض المستمر طويل المدى الذى يتوقف فى لحظة عندما يدهمنا الموت.

قبل الوباء كنت أتصور أن الحروب هى أكثر اختراعات البشرية تهديداً لحياة الناس. وأنها حصدت ملايين من سكان الكرة الأرضية. ربما لأننى لم يسبق لى أن عاصرت أوبئة من قبل. أو ربما عاصرتها دون وعي. وفى غياب الإدراك كان خطرها بعيداً عن خيالي. لكن الأمر يختلف هذه المرة. أصبح الإنسان يعيش منذ أن جاء هذا الطارئ غير المرغوب فيه وفرض نفسه علينا. وأصبحت أخباره تسبق أى أخبار أخري. على الرغم من أنه عجز عن حصار حروب تجعلنى أتساءل بذهول عن المستمرين فى حروبهم رغم الوباء. ولا أستطيع أن أرى سبباً جوهرياً واحداً للحروب. وحروب العدوان حماقة وعدوان ونهب وسلب. لكن وجودها فى زمن الوباء يطرح أسئلة كثيرة إلى إجابات. الأمر يختلف هذه المرة. لخصت المحنة لنا ثلاثة أنواع من الأرقام. تحاصرنا دائماً وأبداً. وإن تاهت منا نبحث عنها. ولا يقيس الوقت الذى يضيع منا ونحن نلهث وراء سرابها. أول الأرقام من ماتوا. وأحب أن أصفهم بالشهداء. وعندما أسمع كلمة القتلى أو الموتى أصاب بالفزع. فالوباء معركة ومن حصدهم شهداء.

يأتى بعدهم من أصيبوا. وإن كان الرقم الأصم لمن أصيبوا يُغْفِلُ أعمارهم ونوعهم. وفى القليل النادر نعرف أحياناً أن النساء أكثر من الرجال قابلية للإصابة بالوباء. وأن كبار السن الذين يعيشون أيامهم الأخيرة أكثر بكثير من الشباب. يبقى رقم الأمل الكبير عمن أصيبوا وتم شفاؤهم وكُتبت لهم نعمة الاستمرار فى الحياة بعد أن أطلوا على الموت من أقرب مكان له. إن تجربة الوباء جعلتنا نعيش على الحافة بين الحياة واللاحياة. التى حاولت زحزحة فكرة الاستمرار فى الحياة خطوات بعيدة. بعد أن كانت حلماً وأملاً فأصبحت وجعا كل يوم. نسميه الوباء أو الجائحة ولكن هناك من يرونها فرصة نادرة الحدوث. لا بد من استغلالها واستثمارها. إنها الشركات والمؤسسات التى حولت المناسبة لفرص للتجارة. وجنى مليارات الدولارات بعد التوصل للمصل أو الوصول للعلاج. حتى المآسى الكبرى فى التاريخ الإنسانى كانت فيها جوانب مضحكة. وإن كان ضحكا كالبكاء. لأن أخبار سباق وضع اليد على مكونات المصل أو العلاج جعلتنا ننصرف أحياناً عن حجم الوباء ومدى خطره. وهكذا سرقتنا الشركات من الخوف اليومى من الإصابة والحرص الذاتى الزائد عن الحد.

لا أريد أن أكون قاسياً على أحد. وأكتب أنه فى مواجهة أخطار وحكايات الوباء هناك من قال لنفسه هامساً: أنا ومن بعدى الوباء.

ها هى إحدى شركات الأدوية ولن أدون اسمها لأن التدوين يحقق لها أهدافها مما زعمت أنها توصلت إليه. فنحن فى مزاد أكثر من كوننا فى مواجهة جائحة. الشركة تعلن أنها توصلت لكمامة يمكن أن تنبه من يضعها على وجهه إلى اقتراب شخص من الممكن أن يكون حاملاً للوباء منه. حملت وكالات الأنباء لنا أن الكمامة السحرية إن اقترب منك الوباء يمكنها أن تصفر صفيرة إنذار وخطر فتتنبه. ولم يقولوا لنا إن كان فيروس الوباء قد تمكن منا فماذا سنفعل فى مواجهته؟ وعندما تنزل هذه الكمامة إلى الأسواق تخيل كم سيكون سعرها؟ وبأى العملات ستباع وتُشتري؟. كم من الاختراعات التى سنسمع عنها. فى ظل هذا السباق الذى يبدو فى ظاهره علمياً وهو فى باطنه تجاريا صرفا. لا تحركه أى دوافع علمية. وأنا لا أستثنى هنا سوى الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية. أما الشركات والدول التى ترعى الشركات فالمسألة مسألة مصالح قبل أى اعتبار آخر.أعود للإعلانات عن الكمامة التى بشرونا أنا ستصفر. هل الصفير سيكون بمجرد أن يقترب منك الفيروس؟ أو بعد أن يكون قد استقر فى مكان ما فى جسمك. ولم يشرحوا لنا ماذا سنفعل بمجرد أن نستمع إلى صفارة الموت . وأيضاً فاتهم وفاتنا ماذا يمكن أن نفعل مع حامل الوباء الذى ربما لم يجد مستشفى أو مكان للعلاج؟ فجلس فى بيته. ومن شدة ملله نزل يتمشى وسط الناس. ما من لحظة تمر علينا إلا وخبر عاجل يعلن التوصل لعلاج. وأنه تحت الاختبار. وقريباً سيبدأ إنتاجه وينزل إلى الأسواق. ونسأل متى وأين؟ والأهم وبكم؟. أخذنا الوباء من رمضان ومن العيد. وكل رمضان وكل عيد وأنتم طيبون.

نقلا عن صحيفة الأهرام

الأكثر قراءة

[x]