هرم الحياة "المقلوب"...

18-5-2020 | 12:29

 

متاهة يعيش فيها الفأران "سنيف" و"سكوري" والقزمان "هيم" و"هاو"، وجميعهم يبحثون عن الجبن، وفي أحد الأيام ينفصل الفأران عن القزمين في ممرات المتاهة الطويلة، ولكن في يوم ما تجد المجموعتان ممراً مليئاً بالجبن في محطة الجبن (ج).


وفي صباح كل يوم يستمر كل منهما في التردد على هذه المحطة، والتي شعروا معها بالطمأنينة والأمان، معتقدين أنهم يمتلكون من الطعام ما يكفيهم مدى الحياة، وكل منهم لا يعلم أنه يتردد على مصدر الجبن نفسه، ولم يفكروا في البحث عن مصدر آخر.

وفي يوم يصل سنيف وسكوري إلى محطة الجبن (ج) ليكتشفا نفاد الجبن، لكنهما لم يندهشا، فقد لاحظا أن مورد الجبن آخذ في التناقص بصورة يومية، وبالتالي كانا في انتظار هذا المصير الحتمي، ففي اللحظة نفسها ودون تفكير قررا البحث عن مورد آخر للجبن.

أما "هيم" و"هاو" فقد وصلا إلى محطة الجبن (ج) في وقت متأخر من اليوم ذاته ليكتشفا الشيء نفسه، لكنهما لم يتصرفا مثل "سنيف" و"سكوري"، وبعد صراخ وعويل، اقترح "هاو" أن يبحثا عن مصدر جديد للجبن، لكن "هيم" رفض الاقتراح وظل غارقاً في دور الضحية، وانساق "هاو" مع رغبة "هيم"، وعاد الاثنان إلى بيتهما جائعين.

بينما قرر "سنيف" و"سكوري" البحث عن مورد جديد، وبالفعل عثرا على محطة الجبن (ن)، وهنا يقترح "هاو" على "هيم" مرة أخرى البحث عن مورد جديد للجبن، لكن "هيم" يظل رافضاً الفكرة، ومستسلماً للواقع، فيقرر "هاو" البحث عن مورد جديد للجبن، ويترك صديقه "هيم"، بعد أن يكتب له على جدار المتاهة: "إذا لم تتغير، فمن الممكن أن تفنى".

أدرك "هاو" أن الجبن لم يختفِ فجأة؛ بل تضاءل تدريجياً بسبب الاستهلاك المستمر، وكان عليه أن ينتبه لذلك قبل أن يصطدم فجأة بعدم وجود الجبن، وبرغم الخوف الذي ظل يطارده من المجهول إلا أنه تمكن من مقاومته، مشجعاً نفسه فكتب على جدران المتاهة "عندما تتجاوز مخاوفك ستشعر بالحرية".
وبالفعل يصل "هاو" يوماً إلى المحطة (ن) المليئة بالجبن، ويدرك أنه وجد أخيراً ما كان يبحث عنه.

بعد الانتهاء من الأكل يتأمل "هاو" تجربته ويتجه إلى أكبر حائط في محطة الجبن (ن) ويكتب هذه الجمل: التغيير يحدث، قطع الجبن تتحرك باستمرار، توقع دائماً التغيير، استعد للتغيير، راقب التغيير، اشتم رائحة الجبن كثيراً كي تعرف متى يصيبها العطب، تكيف مع التغيير، تغيَر، تحرك مع الجبن، تذوق طعم المغامرة، كن مستعداً كي تتغير بسرعة، قطع الجبن تتحرك باستمرار.

طاردتني تلك الحكاية الرمزية وأنا أتأمل العالم الذي نعيش فيه الآن في ظل أزمة كورونا، نختبئ خلف أقنعة واهية، ونتصل بالعالم من حولنا عبر شاشة الموبايل، ونرتعد من فيروس لا نراه بالعين المجردة، لكنه نجح في أن يقلب حياتنا رأساً على عقب، خلال أيام معدودة، وما يعيشه العالم اليوم في ظل كورونا؛ لأننا على مدار قرون كنا نعيش مثل "هيم"، لا نتعلم من تجاربنا السابقة، وننظر فقط أسفل أقدامنا، منذ أن تعرضنا للطاعون الأنطوني أو الجدري عام 165 ميلادية، مروراً بطاعون "جستنيان" في آسيا وإفريقيا وأوروبا عام 541، ثم الطاعون الأسود الذي راح ضحيته 20 مليون إنسان عام 1348 في أوروبا، وطاعون لندن العظيم عام 1665، والحمى الصفراء بأمريكا عام 1793، والطاعون العظيم بفرنسا عام 1720، و الكوليرا عام 1820، وطاعون منشوريا عام 1910، و الإنفلونزا الإسبانية عام 1918 والتي أودت بحياة 50 مليون إنسان، والإنفلونزا الآسيوية في الصين عام 1957، والإيدز عام 1976 الذي أصاب 36 مليوناً، وإنفلونزا الخنازير عام 2009، وأيبولا عام 2013، وأخيراً كورونا، وعلى مدار كل هذه الأوبئة التي راح ضحيتها الملايين كنا ننظر دائماً أسفل أقدامنا حتى تمر الأزمة، ونعود كما كُنا.

والآن فقط ترصد الحكومات مليارات الدولارات ل تطوير الأبحاث العلمية الخاصة بالفيروسات، وتتسابق لإنتاج أدوية ولقاحات، والآن فقط أصبحنا نُدرك أن الأطباء هم خط الدفاع الأول في عالمنا الجديد، برغم أنهم كانوا دائماً كذلك في كل الأوبئة والكوارث التي واجهت العالم، والآن فقط ندرك أننا نحتاج إلى إعادة النظر في بناء الهرم المجتمعي لنضع كل إنسان في مكانه الصحيح، وسوف نكتشف أن الهرم كان مقلوباً، ومن كانوا يجلسون على القمة هم الآن يسبحون في القاع.

حكاية الفأرين "سنيف" و"سكوري" التي ألفها سبنسر جونسون ونشرها في كتاب يُعد من الكتب الأكثر مبيعاً في العالم بعنوان "من الذي حرك قطعة الجبن الخاصة بي؟"، برغم بساطتها إلا أنها تكشف حقائق عميقة حول التغيرات التي قد تطرأ فجأة على حياة الإنسان، والجبن هنا يرمز إلى ما تريد تحقيقه في حياتك، سواء كان وظيفة أو مالاً أو صحة أو نجاحا، فكلها أشياء متغيره لا يجب أن نستسلم لها أو نفترض دوامها، ويجب علينا طوال الوقت أن نتابع ما يطرأ عليها من متغيرات قبل أن نصطدم بفقدان أي منها، ويجب أن تكون لدينا دائماً الخطط البديلة.

والمتاهة هنا ترمز للحياة التي لا يمتلكها إنسان، وترشدنا الحكاية أننا يجب أن نقرأ ما كتبه غيرنا على جدرانها حتى نتعلم ممن سبقونا، وأن نتعلم من تجارب الحياة، وألا نستسلم للواقع، ونتجاوز مخاوفنا حتى نشعر بالحرية.
كلمة أخيرة:

لا تخف من المتاهة إذا كنت تراقب قطعة الجبن جيداً، ولديك فطنة قراءة جدران الحياة.

mhmd.monier@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

مبقاش ينفع خلاص..

كنت أستيقظ يومياً مبكراً، خلال المرحلة الثانوية، وكنت أراه دائماً وأنا في طريقي لصلاة الفجر في المسجد المجاور للبيت، ملامحه مصرية أصيلة، يرتدي "البدلة

أخلاق بتاح حُتب

كنت لا أزال طفلًا عندما بدأت أرصد وأتابع تلك المشاهد التي كانت تجمع بين جدي ووالدي وبقية أعمامي، وكان فارق السن بين جدي وعمي الكبير 14 سنة فقط، وكنت أحيانًا أرى علاقة صداقة تجمع جدي بأبنائه، وكنت أسأل نفسي كيف نجح جدي في تحقيق تلك المعادلة الصعبة في التربية

المُعذبون في الأرض

رجل مصري بسيط، نشأ وسط أسرة متوسطة الحال، درس وتعلم في المدارس الحكومية، تخرج في كلية طب قصر العيني عام 1967، وعمل طبيبًا في الوحدات الصحية بالقطاع الريفي

هايكلير مصر..

منذ أيام كنت أشاهد فيلمًا وثائقيًا عن واحد من أشهر وأعرق القصور أو القلاع التاريخية في لندن، وهو قصر "هايكلير كاسل" الذي يضم 300 غرفة، وسط خمسة آلاف فدان من الحدائق، والذي تمتلكه عائلة تعود أصولها إلى الطبقة الأرستقراطية البريطانية وهي عائلة كارنارفون.

الجاسوس الذي دافع عنه أينشتاين..

يقول الفيلسوف وعالم الرياضيات البريطاني "بيرتراند راسل": إن أي نظرية علمية يجب أن تقوم على معادلة رياضية تتضمن إرادة إنسانية في مقدمتها وقبل أي عنصر من

الإمارات.. لماذا تبقى مختلفة؟

أثبتت الأيام القليلة الماضية أن كورونا ليس مجرد فيروس اجتاح العالم، وحصد مئات الآلاف من الإصابات، وعشرات الآلاف من الأرواح، بل هو أيضًا فيروس إعادة موازين

الأكثر قراءة

[x]