الماراثون نحو مصل كورونا.. طويل ووعر

14-5-2020 | 15:04

مصل كورونا

 

منال لطفى

السباق لايجاد مصل ضد فيروس كورونا لا يشبه سباقات العدو السريع، بل ماراثون طويل سيكون على الأغلب وعر ومليء بالمطبات. ومع أن جهود دولية تضافرت على نحو غير مسبوق لتجربة عشرات الأمصال المحتملة، إلا أن الأكثر ترجيحاً أن العالم لن يجد مصلاً فعالاً وآمنا للاستخدام قبل نهاية هذا العام وربما منتصف 2021 وربما حتى بعد ذلك بكثير.

البعض، مثل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون مهدوا الأرض أمام أكثر السيناريوهات تشاؤماً وهو عدم تطوير مصل على الإطلاق وبالتالى محاولة ايجاد طرق «للتعايش طويل المدى مع كورونا ».

فقد حذر جونسون قبل أيام من أنه لا يوجد ما يضمن تطوير مصل على الرغم من الجهود الدولية المشتركة، موضحا: «أسمع بعض الأشياء المشجعة للغاية عما يحدث فى جامعة أكسفورد لتطوير مصل، ولكن هذا غير مضمون بأى حال من الأحوال، حتى بعد 18 عاماً ما زلنا لا نمتلك مصلاً ضد مرض سارس»، وهو من فصيلة فيروسات ال كورونا . وتابع جونسون: «قد يكون علينا أن نصبح أكثر مرونة، وأكثر تأقلماً، وأكثر ذكاءً من أى وقت مضى فى الطريقة التى نتعامل بها ليس فقط مع انتشار العدوى حالياً، ولكن أيضاً احتمالات الإصابة فى المستقبل».

تعبئة عالمية للأمل

هناك جهد دولى غير مسبوق للتعاون لايجاد مصل ضد كورونا . وخلال أقل من اسبوعين استطاع تحالف عالمى من الدول والمنظمات والهيئات الدولية جمع نحو 8 مليارات يورو لدعم جهود ايجاد مصل. وخلال قمة عبر الفيديوكونفرانس برعاية الاتحاد الأوروبى شارك فيها عشرات الرؤساء والمسئولين حول العالم، تعهدت المفوضية الأوروبية بالتبرع بـ1.4 مليار يورو. كما تعهدت اليابان والنرويج بالتبرع بنحو مليار يورو لكل منهما. فيما تعهدت بريطانيا بالمساهمة بمبلغ 750 مليون يورو. أما فرنسا وإيطاليا وألمانيا فستتبرع كل منها بـ 500 مليون يورو، مع مساهمات مالية من دول أخرى على رأسها أسبانيا وكندا وكوريا الجنوبية فيما أطلق عليه «ماراثون عالمي» لجمع تمويل ضخم لضمان تطوير مصل وانتاجه على نطاق واسع وبيعه فى الأسواق الدولية بأسعار ملائمة.

وفى هذا الصدد، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لين : «لقد أظهر العالم وحدة استثنائية من أجل الصالح العام. تضافرت الحكومات ومنظمة الصحة العالمية ضد فيروس كورونا . ومع هذا الالتزام، نحن نسير على الطريق الصحيح لتطوير وإنتاج لقاح للجميع، لكن هذه فقط البداية، نحن بحاجة إلى استمرار الجهد، وسيستمر ماراثون التعهد. وبعد الحكومات والمجتمع المدني، فإن الناس فى جميع أنحاء العالم بحاجة إلى المشاركة فى تعبئة عالمية للأمل والعزيمة».

وتمثل مبادرة الاتحاد الأوروبى استجابة لدعوة منظمة الصحة العالمية و»مؤسسة بيل وميليندا جيتس» الخيرية ومجموعة من المنظمات الصحية حول العالم من أجل تعاون عالمى للإسراع بعملية تطوير وإنتاج مصل وتوزيعه عالمياً بطريقة عادلة حتى للدول الفقيرة وبأسعار معقولة، وهو أمر لم يحدث فى تفشى إنفلونزا الخنازير فى عام 2009.

وقال الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون ،الذى شارك فى القمة عبر دوائر الفيديو وألقى كلمة فيها، إن أى لقاح يتم التوصل إليه «لن ينتمى إلى أى شخص».

أما جونسون فقال فى كلمته فى القمة: «البحث عن لقاح لا يجب أن يكون تنافساً بين الدول، سنحتاج إلى جهد عالمى حقيقى لأنه لا توجد دولة واحدة، ولا شركة دواء واحدة، قادرة على القيام بذلك بمفردها».

لكن الجهود الدولية لا تسير بدون عوائق. وأول العراقيل هى «القومية». فدول كبرى فى انتاج الدواء مثل أمريكا والهند والصين وروسيا لم تشارك فى الجهد العالمى المشترك. فمثلاً إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب رفضت المشاركة فى القمة الدولية الافتراضية عبر الفيديوكونفرانس. وبرغم أن وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت بيانا يرحب بالقمة وجهودها، إلا أن البيان وصف الجهود بـ«الأوروبية» برغم البعد الدولى الواضح للمبادرة. وكانت حُجة إدارة ترامب فى عدم المشاركة فى القمة، أن امريكا لديها مشروعاتها الخاصة لإنتاج مصل لل كورونا ، لكن البعض يشكك فى أن لوبى شركات الدواء الأمريكية العملاقة يرى كورونا .aspx'> مصل كورونا المحتمل «ورقة ربح غير مسبوقة» قد تجلب مليارات الدولارات لتلك للشركات الأمريكية إذا سبقت غيرها فى ايجاد مصل.

وقبل رفض إدارة ترامب المشاركة فى القمة التى نظمتها المفوضية الأوروبية، كانت أمريكا قد علقت بالفعل تمويلها لمنظمة الصحة العالمية.

وكل هذا يجسد خطورة التعامل مع أزمة كورونا من منظور قومى ضيق. فهذا النهج له عيوب خطيرة على رأسها تقويض الجهد العالمى للتصدى للمرض، والتنافس غير المبرر بين جهود كان من الأفضل أن تتكامل لا تتصارع، وتهميش البعد الدولى لمساعى ايجاد مصل، وتقليص الاستثمار المالى العالمى المرجو، وأخيراً التحيز للسوق المحلية فى حالة إيجاد مصل.

طريق ملىء بالأشواك

وعادة ما يستغرق تطوير أى مصل ما بين 5 و 10 أعوام على الأقل، لكن بسبب التكلفة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية الفادحة للفيروس، نسق العالم بشكل غير مسبوق للتوصل لمصل بأسرع وقت ممكن. هذا التنسيق انعكس بسرعة على الميزانيات الدولية الضخمة التى توفرت خلال أسابيع قليلة لمساعدة المعامل ومراكز الأبحاث حول العالم التى تعمل على ايجاد مصل، عبر منح حكومية أو تبرعات خيرية. أيضاً انعكس التنسيق الدولى على السرعة الكبيرة التى شرعت فيها بعض المعامل وشركات الدواء الدولية فى تجربة بعض الأمصال على البشر فى فترة زمنية قياسية. وهناك حالياً ما لا يقل عن 90 جهداً دولياً لايجاد أمصال، من بينها 10 بدأوا بالفعل تجربته على البشر أو حصلوا على دعم من إحدى شركات الأدوية الكبري. ومن الجهات التى بدأت التجارب على البشر جامعة أوكسفورد البريطانية التى بدأت مطلع مايو تجربة مصل يتم تطويره حالياً على عشرات المتطوعين.

وعلى رأس الجهات الدولية التى تعمل على تطوير مصل منظمة الصحة العالمية، و«مؤسسة بيل وميليندا جيتس»، و«التحالف من أجل التأهب للأوبئة» ومؤسسة «ويلكام تراست»، إضافة إلى العديد من الحكومات الوطنية وهيئاتها الصحية، وشركات صناعة الأدوية. لكن كثرة عدد المنظمات والدول والشركات التى تحاول تطوير مصل لا يعنى أن المهمة ستكون أسهل بالضرورة. فتطوير أى مصل مهمة حافلة بالتعقيد. وهى ستكون أكثر تعقيداً مع كورونا بسبب صعوبة الفيروس وتحوره، وضغط الوقت.

لكن حتى إذا توافرت الأموال والتعاون الدولى لايجاد مصل، فإن النجاح ليس مضموناً بأى درجة. فهناك عوامل خارجة عن إرادة الإنسان يمكن أن تجعل الطريق نحو اكتشاف مصل لل كورونا وعرا ومليئا بالأشواك ومن بينها «تحور الفيروس» مع الوقت من منطقة جغرافية لأخري. وهناك بالفعل مخاوف من أن الفيروس سيتحور إلى نسخة أكثر خطورة وأكثر قابلية للعدوى ما قد يجعل أزمة فيروس كورونا تسوء أكثر خلال الأشهر المقبلة. فجميع الفيروسات التاجية تتحور على غرار سارس مثلاً. وبالتالى تحور فيروس كورونا ليس استثناء.

ويحدث التحور أو طفرات الفيروس بالصدفة، ومعظمها له تأثير ضئيل، وبعضها حتى يُضعف الفيروس، ولكن بمرور الوقت يمكن أن تتطور طفرات تجعل الفيروس أكثر خطورة، أو أكثر قدرة على الانتقال والعدوي.

وفى منتصف مارس الماضى قام العلماء فى بريطانيا بتحليل نحو 13 ألف عينة من الفيروس لتعلم المزيد عن التركيب الجينى لل كورونا ، ووجدوا أن الفيروس يتحور مرتين فى الشهر بطرق مختلفة. وكلما ازدادت سرعة ومعدل تحور الفيروس كلما كان من الصعب ايجاد مصل سريع له.

وتُظهر الشفرة الوراثية لفيروس كورونا أنه تحور لعدة أشكال بالفعل. وحدد الباحثون فى ألمانيا ثلاث مجموعات وراثية رئيسية للفيروس فى أبريل الماضى أطلقوا عليها (أ) و(ب) و(س)، مشيرين إلى أن (أ) و(س) الأكثر انتشاراً فى أوروبا وأمريكا. فى حين أن (ب) هو الأكثر انتشاراً فى شرق أسيا. وكل هذا قاد العلماء حول العالم لإعطاء أولوية لإنشاء «نظام مراقبة مكثف» للفيروس وأشكال تحوره لتكييف الأبحاث التى تُجرى حاليا للأمصال واللقاحات. الطريق ما زال طويلاً لكن على الأقل بدأت الخطوات الأولى منه، وسيقف العالم منتظراً ومترقباً للنتائج لأن البديل هو «التعايش طويل المدى مع كورونا » وهذا سيناريو لا يريد أحد أن يتصوره.


نقلا عن جريدة الأهرام

[x]