قصة آية من كتاب الله .. "المنافقون"

13-5-2020 | 23:34

.

 

علي شفيق الشيمي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) صدق الله العظيم.


على مدار شهر رمضان الكريم نقدم كل يوم حلقة عن سبب نزول آية من آيات القرآن الكريم لنتعلم الحكمة، ونعرف سبب النزول.

سبب نزول آية من سورة : " المنافقون "

قال تعالي: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ).

أخذت سورة المنافقون اسمها من ذِكر كلمة المنافقون في الآية الأولى من السورة؛ حيث تحدثت الآيات عن المنافقين وأحوالهم وصفاتهم، ونزلت الآيات في حق رأس النفاق "عبد الله بن أُبي بن سلول"، وهو القائل- قال تعالي: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)- وعبد الله بن أُبي بن سلول كان قومه سوف يتوجونه ملكاً على أهل يثرب قبل قدوم الرسول "صلى الله عليه وسلم" إلي المدينة، ولكن تحطمت آماله وانتهت أحلامه عندما أتى النبي وأصحابه المهاجرين إلى المدينة، فأصبح يحمل في صدره الكراهية والحسد للرسول "صلى الله عليه وسلم" و المهاجرين المسلمين.

قال أهل التفسير: لما غزا رسول الله "صلى الله عليه وسلم" بني المصطلق فنزل على مياههم، حيث اختلف رجلان حول الماء أحدهما "جهجاه بن سعيد" مولى عمر بن الخطاب من المهاجرين، والآخر "سنان الجُهني" من الخزرج وتشاجرا فضرب كل منها الآخر، ثم صاح كل أحدهما يا للمهاجرين وقال الآخر يا للأنصار فاجتمع إليهم الناس ووصل الخبر إلى عبد الله بن أُبي بن سلول رأس النفاق وغضِبَ فقال: "ما مثلُنا ومثلهم إلا كما قال القائل: "سمن كلبك يأكلك" وإن والله: "لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ" أي - الأعز منها يعني نفسه، والأذل بقصد رسول الله حاشاه قال "زيد بن الأرقم" رضي الله عنه: "وأنا ردف عمي وكنت غُلاماً فسمعتُ عبد الله بن أبي وهو يقول ذلك، فأخبرت عمي فانطلق فأخبر النبي "صلى الله عليه وسلم" - فأرسل إليه رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟... فقال عبد الله بن أبي: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئاً من هذا قط وإن زيدًا لكاذب.

وكان عبد الله في قومه شريفاً وعظيماً، وقال من حضر من الأنصار يا رسول الله هذا شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام من غلمان الأنصار عسى أن يكون واهمًا في حديثه فلم يحفظ فصدقهُ النبي، وفشت الملامة في الأنصار لزيد وكذبوه وقال له عمهُ: ما أردت "إلا" أن كذبك رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وكذبك المسلمون فوقع في نفسي "الغم" ما لم يقع على أحدٍ قط، فأستحَي بعد ذلك أن يدنو من رسول الله "صلي الله عليه وسلم"، حتى جاء يوم فبينما أنا أسير مع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" – إذ أتانيّ فأمسك بأذُني وضحك في وجهي، فما كان يسرنيّ أن لي بها الدنيا.

فلما ارتحل رسول الله "صلي الله عليه وسلم" لقيهُ أُسيد بن حُضير فقال له: أو ما بلغك ما قال صاحبكم عبدالله بن أُبي؟.. قال: وما قال؟.. قال زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال "أُسيد": فأنت يا رسول الله تُخرجه إن شئت، وهو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله أرفق به، فوالله لقد جاء الله بك وأن قومهُ كانوا سوف يتوجونه ملكاً، وأنه ليرى أنك سلبتهُ مُلكاً.

وبلغ ابنه عبدالله بن عبدالله بن أُبي، وكان صحابي جليل ما كان من أمر أبيه، فأتي رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال إنه بلغني أنك تُريد قتل أبي عبدالله لما بلغك عنه، فإن كنت فاعل فأمرني به فأنا أحملُ إليك رأسهُ، فوالله لقد علمت الخزرج ما بها رجل أبرُّ بوالديه مني، وأنا أخشى أن تأمر به غيري فيقتلهُ، فلا تدعني أنظر إلى قاتل أبي وهو يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" بل نُحسن صُحبتهُ ما بقي معنا.

قال تعالي: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)، أي – أمر الله تعالى رسوله "صلى الله عليه وسلم" - أن يبرأ من المنافقين، ولا يُصلي على أحدٍ منهم إذا مات وألا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له، لأنهم كفروا بالله ورسوله، وماتوا عليه وهذا حكم عام في كل من عُرفَ نفاقه وإن كان سبب الآية عبدالله بن أُبي بن سلول رأس النفاق كما قال البخاري.

عن نافع، عن بن عمر قال: لما توفي "عبد الله بن أبي" جاء ابنه عبدالله بن عبدالله إلى النبي "صلى الله عليه وسلم"، فسأله أن يُعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله "صلى الله عليه وسلم" – ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله عليه الصلاة والسلام – فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تُصلي عليه، فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، إنما خُيرني الله، فقال: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) فصلى عليه النبي وصلينا معه فأنزل الله تعالي: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)

فكان كلام عمر بن الخطاب موافقًا للقرآن الكريم.

[x]