أيام مع نجيب محفوظ (14)

12-5-2020 | 16:43

 

بعد أن أبدى الأستاذ نجيب محفوظ في كلمته إلى الأكاديمية السويدية التزامه بالتفاؤل حتى النهاية، رغم أنات البشر، أومأ إلى ضرورة التماس العذر للإنسان، الذي غالبًا ما يتذكر ما يؤلمه أكثر مما يسره..


واستشهد ببيت من قصيدة شهيرة لفيلسوف الشعراء أبي العلاء المعري ، في رثاء أبي حمزة الفقيه، واعتبر الدكتور طه حسين في كتابه "تجديد ذكري أبو العلاء" أن العرب لم ينظموا في جاهليتهم وإسلامهم، ولا في بداوتهم وحضارتهم، قصيدة تبلغ مبلغ هذه القصيدة في حسن الرثاء.

والاستعانة بالمعري في كلمته، هي امتداد لميراث التقشف والزهد عند نجيب محفوظ نفسه، وكذلك الاهتمام القديم بالفلسفة التي درسها في جامعة القاهرة (فؤاد الأول سابقًا) وسجل فيها للماجستير ثم ألغى التسجيل، بعد أن قرر احتراف الأدب.. كما ذكر الدكتور محمد حسن عبد الله في مقدمة مجموعته "سر الأسرار" الصادرة عن "كتاب اليوم"..

كما أن المعري مر مع عمر الخيام في روايته " حضرة المحترم " (مكتبة مصر 1975) عندما أراد بطلها عثمان بيومي أن يحسم تردده، فإنحاز للخيام: "غادر البيت بتصميم جديد، قال إن الحياة أعظم من جميع آمالها. وإن الخيام أجمل حكمة من المعرى، وأن القلب هو المرشد الوحيد".. ثم يعود نجيب محفوظ في كلمته لينحاز إلى رهين المحبسين.

وأذكر أن كلمة الأستاذ نجيب محفوظ بهرت الحاضرين في الأكاديمية السويدية، وصدرت الصحف في ستوكهولم في اليوم التالي تسجل أن محاضرة محفوظ تميزت بالمطالبة بالعمل من أجل الإنسانية جمعاء، وهذه هي القيمة التي لفتت الأنظار..

ولكن كالعادة أخذت بعض الأوساط اليهودية عليه أنه عندما تحدث عن حق الفلسطينيين في الوجود وفي الوطن والسلام لم يتحدث بنفس الطريقة عن الاسرائيليين. وردت صحف أخري مثل صحيفة expressen بأن الاسرائيليين متمتعون بحياتهم بينما الفلسطينيون هم المحتاجون إلى حقوقهم المشروعة.

وقد سألت أم كلثوم عن انطباعها وإحساسها بالرحلة إلى ستوكهولم قالت: لا أستطيع التعبير حقيقة ولكنني انتبهت يوم وصولي إلى شبان سويديين يعلقون صورة ياسر عرفات التي تملء المدينة الآن، فشعرت بالألفة لهذا البلد الذي أزوره لأول مرة. وقالت لي فاطمة: كنا نتمنى أن يأتي والدنا معنا، ولكنني أشعر بالسعادة لهذا التكريم الرفيع..

أم كلثوم وفاطمة اعتذرتا كثيرًا عن الإدلاء بأحاديث أو إلتقاط صور بحجة أنهما ليس لهما دخل في فوز أبيهم بالجائزة.. ذلك جزء من تواضع نجيب محفوظ الشهير الذي انتقل إلى كريمتيه بالوراثة أو بالغرس.

وقد حرص سفيرا السعودية والمغرب على حضور كافة الاحتفالات المقامة ل نجيب محفوظ طوال الأسبوع الذي أمضيناه هناك، ودعا السفير السعودي عبد الله موسي جميع السفراء العرب على حفل عشاء على شرف كريمتي نجيب محفوظ . وقال لي السفير السعودي إن "فوز نجيب محفوظ بالجائزة فخر للعرب جميعا"، وحمل كريمتيه سلامه وتحيته الخاصة إلى والدهما "الذي فعل لكل العرب عملا عظيما".

وحضرت أم كلثوم وفاطمة حفل الاستقبال الذي أقامته لجنة نوبل للأدب والذي حضره كل الفائزين بجوائز نوبل في ذلك العام 1988. وفيه تحدث رئيس مؤسسة نوبل لارش جيلينستين وهنأ كريمتي محفوظ وأسف لعدم استطاعته الحضور وقال إنه متفهم سبب غيابه.

كانت كلمة محفوظ أمام الأكاديمية السويدية التي ألقاها نيابة عنه الأستاذ محمد سلماوي بالعربية والإنجليزية، طواف بالحضارات وبآلام وأحلام الإنسانية، وهو أتي على ذكر الحضارة المصرية الفرعونية، وهي عشقه الأول.. لقد كان شابا صغيرا في السنة الثانية بقسم الفلسفة في كلية الآداب، وعمره 21 عاما تقريبا، عندما ترجم عن الإنجليزية كتاب جيمس بيكي "مصر القديمة"، وهو الكتاب الذي لم أعثر عليه أبدًا. ولكنني كنت أعرف منه أنه يضم فصولاً روائية من تاريخ الفراعنة، بشكل مبسط.

ويبدو أن محفوظ يمهد من خلال تلك الترجمة أو يحتشد لخطط قادمة. وهو لم يطبع الكتاب مرة أخري أبدًا بعد أن طبعته دار نشر سلامة موسي سنة 1932، على الرغم من أنه على قائمة الكتب الصادرة له والمنشورة في نهاية صفحات أي عمل له.

ولقد عاش جيل التنوير وفيه نجيب محفوظ ، في أجواء وسحر الاكتشافات الفرعونية الكبري، خصوصًا بعد أن أكتشف الإنجليزي هوارد كارتر مقبرة الملك توت عنخ آمون سنة 1922، محدثًا ضجة عالمية.

كل هذا كان كافيًا ليقرر نجيب محفوظ ، بعد قرار احتراف الأدب، كتابة روايات فرعونية.. هو الذي قال للأستاذ رجاء النقاش في مذكراته الصادرة عن مركز الأهرام للترجمة والنشر سنة 1998، إنه في فترة من الفترات خطرت له فكرة أن يكتب رواية عن ثورة 19، تكون الثورة هي البطل فيها: " بل خطر لي أن أكتب تاريخ مصر كله من خلال سلسلة أعمال روائية تاريخية أشبه بما فعله جورجي زيدان"..

ونشر نجيب محفوظ رواية "عبث الأقدار" سنة 1939، ثم رواية "رادوبيس" سنة 1943، و"كفاح طيبة" سنة 1944. و"لكنني توقفت بعدها، لأنني وجدت أنها ستعطلني عن عملي الاصلي، وهو الرواية الفنية، ذلك أن الرواية التاريخية تحتاج إلى جهد كبير، من البحث والدراسة وتجميع المعلومات. وربما عاودني الحنين إلى الرواية التاريخية بعد الأعمال الفرعونية الثلاثة الأولى لمرة واحدة في رواية العائش في الحقيقة التي تناولت فيها شخصية أخناتون" وهي الرواية التي صدرت عام 1985.

ول نجيب محفوظ حلم قديم هو كتابة تاريخ مصر، على شكل راوئي علي نحو ما صنع والتر سكوت 1771ـ 1832، في تاريخ بلاده، و"أعددت بالفعل أربعين موضوعًا لروايات تاريخية رجوت أن يمتد بي العمر حتى أتمها، وكتبت ثلاثة منها بالفعل".

وعاد نجيب محفوظ إلى أخناتون في "أمام العرش.. حوار مع رجال مصر من مينا حتى أنور السادات" سنة 1983 لينصف أخناتون أمام محكمة أوزريس حاكم العالم الأبدي، عندما وقف أمامها مع زوجته الملكة نفرتيتي ليقول: كرست حياتي للدعوة إلى عبادة الإله الواحد.. وجاء حكم أوزوريس: أجلس أنت وزوجك بين الخالدين..

ولاحظت د. فاطمة موسي في كتابها " نجيب محفوظ وتطور الرواية العربية" أن إخناتون حالة خاصة بين سائر ملوك التاريخ الفرعوني، بدعوته إلى الوحدانية التي كانت حدثًا فريدًا، ليس في تاريخ مصر وحدها، ولكن في تاريخ البشرية كله، فلأول مرة يدعو ملك قومه إلى عبادة الإله الواحد.

مقالات اخري للكاتب

القاهرة ـ الخرطوم رايح جاي

أن تستقل قطارًا من محطة مصر في القاهرة يحملك إلى الخرطوم هو حلم صعب ولكنه ليس مستحيلاً.. وهذا الحلم قديم، كما أنه فوق كل مائدة مباحثات بين الحكومتين المصرية والسودانية، حتى تلك الأخيرة في 15 أغسطس الماضي.

سيرة حمدي أحمد .. الفنان والسياسي

حياة الفنان حمدي أحمد تعد نموذجًا لشخصية أسطورية انطبعت على الأيام التي عاشها، ولم تتخل أبدًا عن سماتها المميزة، فهي مزيج من الشخصية المصرية التي تتراوح

أيام مع نجيب محفوظ (26) والأخيرة

لم يكن الأستاذ نجيب محفوظ يجيب أبدًا على سؤال يتعلق بما يكتب، ربما في مرات نادرة قديما وحديثا، ومن بين تلك المرات عندما سألته في مطلع العام 1994، وقبل

أيام مع نجيب محفوظ (25)

في ربيع عام 1992 وفي كازينو قصر النيل، حيث الندوة الأسبوعية لنجيب محفوظ، استغربت وجود شاب أمريكي يتحدث العربية ويدعى ريموند ستوك، وفي جلسات متتالية، وعرفني بنفسه بأنه باحث أمريكي يخطط لإصدار مؤلف عن الكاتب الكبير.

أيام مع نجيب محفوظ (24)

تشبث منتقدو الأستاذ نجيب محفوظ بسبب رواية "أولاد حارتنا" بتفسيرهم الأحادي للرواية، وهو أنها تطعن في الدين.. وكان لنقاد كثر رأيا آخر في الرواية، لأن "الحارة"

أيام مع نجيب محفوظ (23)

بعد جائزة نوبل التي لم يسافر لاستلامها، جاءت إلى الكاتب الكبير نجيب محفوظ جوائز أخرى إلى باب بيته، ففي العام 1995 زاره سفير فرنسا باتريك لوكلي في منزله،

أيام مع نجيب محفوظ (22)

في تلك الأيام من شهر أغسطس 1990 كان الصديق الأستاذ رجاء النقاش يبدأ في مقهى "علي بابا" تسجيل سيرة حياة الكاتب الكبير نجيب محفوظ، واستمر التسجيل حتى الأيام الأولى من ديسمبر 91، لتصدر المذكرات بعد ست سنوات في كتاب بات المرجع الأساسي عن حياة محفوظ.

أيام مع نجيب محفوظ (21)

حصل الأستاذ نجيب محفوظ على جوائز محلية، سرعان ما تبخرت في الصرف على طلبات عائلية، أو في عملية نصب، مثل إعلان عن مشروع سكن فيلات في المعادي على النيل، ودفع لها ألفي جنيه كانت كل قيمة جائزة الدولة التقديرية سنة 1958.

أيام مع نجيب محفوظ (20)

بعد انتهاء حفل الجمعية المصرية باستكهولم، فكرنا أنها الليلة الأخيرة في السويد، وسنكون في القاهرة غدًا، فاتخذت وبعض رفقاء الرحلة قرارًا بالذهاب لرؤية "ملكة النور".. كنا عشية عيد النور، وتوجهنا إلى منطقة إسكانسين (Skansen) لحضور احتفال (سانت لوسيا Santa Lucia).

أيام مع نجيب محفوظ (19)

عشية عودتنا إلى القاهرة أعدت الجمعية المصرية باستوكهولم برنامجًا حافلاً مساء يوم الإثنين 12 ديسمبر تحت اسم "الأمسية الثقافية بمناسبة حصول الأديب المصري الكبير الأستاذ نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب لعام 1988"، وذلك في قاعة الحفلات الموسيقية في ستوكهولم.

أيام مع نجيب محفوظ (18)

سألني الأستاذ نجيب محفوظ بعد عودتي من استكهولم عن رأيي فيما جرى، وعما كتبت في مجلة "المصور" كتغطية للرحلة، وقلت له إن قراره بعدم السفر جعله "الحاضر الغائب"، وأن الاهتمام به من الصحف والإعلام كان هائلاً، وسألني عن الكلمة وتأثيرها وأداء الأستاذ محمد سلماوي فقلت له: إن الكلمة كانت شديدة التأثير..

أيام مع نجيب محفوظ (17)

أخرج الملك كارل جوستاف السادس عشر أم كلثوم وفاطمة نجيب محفوظ من حالة الرهبة في قاعة الكونسيرت في أستكهولم، بمداعبتهما عند تسليمهما وثائق جائزة نوبل في الأدب لعام 1988.

[x]