"فاروق هاشم" .. الجنرال الزاهد

12-5-2020 | 10:44

 

يقول الدكتور طه حسين : " ديوان الحياة المصرية المعاصرة " هذا أصدق وصف يمكن أن توصف به "الأهرام"، كما أن أصدق وصف وصِف به الشعر العربي القديم هو أنه ديوان العرب.


وهذا مايؤكده د. إبراهيم عبده في كتابه " الأهرام تاريخ وفن ": مضت "الأهرام" منذ نشأتها مع الحياة المصرية فى هذه الحقبة الطويلة، لم تتعب ولم يدركها الكلل ولا الملل، ونشأت من حولها صحف كثيرة سابقتها ما استطاعت مسابقتها، ولكن الإعياء أدركها جميعاً، فتعثر منها ما تعثر وتخلف منها ما تخلف، وانقطع منها ما انقطع، وظلت "الأهرام" وحدها مجلية حتى بلغت مع الحياة المصرية المعاصرة غايتها. فإذا قلت إن "الأهرام" ديوان الحياة المصرية الحديثة، يصورها أدق تصوير ويصفها أدق وصف وأبرعه، لم تكن مسرفاً ولامتكثراً.

وكانت "الأهرام" درسًا حيًا للشباب الذين يستقبلون الحياة ويريدون أن يقهروا مصاعبها وينفذوا من مشكلاتها.

تحقق كل ذلك لـ "الأهرام" بفضل المجموعة التي تعاقبت على إنشاء الجريدة، وإحيائها وتنميتها وتقويتها، أتيح لها النجاح وكُتب لها الفوز لأنهم اجتمعت فيهم خصال الذكاء النافد والإرادة القوية والصبر والشجاعة والإخلاص والصدق.

فلينظر الشباب إلى هذا النجاح نظرة الطامع الطامح، ولينظر إلى هذا الفوز نظرة المتأثر المتأسى الذى ينتفع بالقدوة الصالحة ويستفيد من الأسوة الحسنة، وليحب "الأهرام"؛ لأنها تصور هذه الخصال كلها أولاً، ولأنها بعذ ذلك صحيفته إن كان كاتباً، وصحيفته إن كان قارئا، وليتمنى لها خير ما يتمنى الإنسان لمن يحب من اطراد النجاح والفوز".

هذا ما غرسه صُناع الأهرام، وما تعلمه كل من عمل فى هذه الجريدة على مدى 144 سنة، على أيدي رواد وأساتذة "الأهرام" الذين علمونا وتعلمنا منهم، وسرنا على طريقهم، ومن أبناء جيلنا الذين تشربوا هذه المبادئ وأحبوا "الأهرام" وتفانوا في خدمتها، وأعطوها عمرهم، وتوحدوا معها، وأصبحت هي كل حياتهم، يموتون لو لم يستنشقوا حبر مطابعها الزميل الصحفي الكبير " فاروق هاشم ".

تخرج "الجنرال"- وهذا هو اللقب الذى أطلقناه عليه منذ أيامنا الأولى في الأهرام - عام 1976 من كلية الإعلام جامعة القاهرة، فهو من الدفعة الثانية الذين تتلمذوا على يد الأستاذ جلال الدين الحمامصي ، وتعلموا الصحافة في جريدة "صوت الجامعة" على أيدي مجموعة من كبار الصحفيين من الأهرام والأخبار.
وفى عهد الأستاذ يوسف السباعي رئيس مجلس الإدارة والأستاذ علي حمدي الجمال رئيس التحرير عام 1976، استطاع الأستاذ "رائد العطار" الذي كان وقتها يتولى منصب "مساعد رئيس التحرير وضابط الاتصال" استصدار قرار من رئيس مجلس الإدارة بتعيين كل المتدربين في التحرير، وكان منهم " فاروق هاشم " الذي انضم إلى سكرتارية التحرير الفنية فور تخرجه في يونيو من نفس العام، كنا مجموعة من الشباب حديثي التخرج، وأنا منهم برغم أنني أسبقهم بدفعتين من قسم الصحافة بآداب القاهرة.

منذ يومه الأول كان "فاروق" متحمسًا للعمل واشتهر بيننا بالبايب الذي لم يكن يفارق شفتيه، وأناقته، ولذلك أطلقنا عليه "الجنرال" وكان ينافس بهذا اللقب الأستاذ "حسين غانم" محرر الحوادث رحمه الله، الذي كنا نطلق عليه "اللواء"، في مدرسة السكرتارية الفنية، التي كان يديرها في ذلك الوقت الأستاذ ماهر الدهبي، وبها مجموعة من أمهر المخرجين الصحفيين في مصر من تلاميذ "هشام توفيق بحري": سمير صبحي، فريد مجدي، مصطفى سامي، سامي دياب، محمود فايد، سامي فريد، صالح البيك، وسليم مباشر، تشرب "هاشم" والمعينين حديثًا معه (إسماعيل إبراهيم، نبيل سرور، أسامة فرج، ومحمود مخالي) وتعلم كل قيم الأهراميين الكبار، ذاب عشقاً في حب "الأهرام" سيطرت على كل تفكيره ومشاعره، حتى أصبح إن جاز التعبير "سمك أهرامي" إن خرج من بحر الأهرام يموت، عشق الأحبار والرصاص، هام حبًا في الماكيتات والبروفات، وبدلا من أن يعيش شبابه في ضحك ولعب وحب، صاحب المتاريس وصفحات "الرصاص"، و"النيلو برنت"، تحول مكتبه إلى متحف لكل أدوات الطباعة، وأصبح عموداً من أعمدة السكرتارية الفنية، وفى الوقت الذي سافر معظمنا للعمل في الدول العربية، ظل فاروق هاشم بجوار محبوبته، التي لم يطق ولم يفكر يوماً فى هجرها.

كان مكتب "الجنرال" مدرسة لكل طلاب الإعلام يأتون إليه لينهلوا من فيض علمه، وكبر التلاميذ وأصبحوا أساتذة وعمداء كليات ورؤساء تحرير، وهو هو لم يتغير ظل على حبه للجريدة التى عاش بين جدرانها أكثر مما عاش فى بيته، وأعطاها أكثر مما أعطى ابنته آية وابنه جهاد، لم يقتصر عطاء " فاروق هاشم " على العمل فى سكرتارية التحرير الفنية، وإنما شارك بالكتابة فى أكثر من صفحة من صفحات الأهرام وغيرها من الإصدارات في "الأهرام المسائي" و"الشباب" و"نصف الدنيا"، وبرغم وصوله إلى سن المعاش، ظل كالأهراميين الأوائل يتعبد في محراب "الأهرام" لم يتعب ولم يدركه الكلل ولا الملل، لم يفتر حبه، ولم تنل حركات "الجحود" التي تعرض لها من درجة عشقه، وفي الوقت الذي تركنا نحن رفاق الرحلة – رغما عنا - البيت الذي تربينا فيه، رفض فاروق هاشم المغادرة وأصر على البقاء في بيته "الأهرام" ولا زال يعطي بلا مقابل، يتابع بروفات وأعداد الجريدة يوميًا، ويكتب التقارير والملاحظات، على متابعات "الأهرام" ويتركها للمسئولين عن التحرير، سعيًا إلى الأفضل والأحسن، فهو لا يزال حريصًا على أن تكون "الأهرام" متميزة متفردة، كما كانت دومًا.. وبمثل " فاروق هاشم " وجهد الشباب، الذين نتمنى أن يسيروا على نفس الطريق ستظل "الأهرام ديوان الحياة المصرية المعاصرة ".

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

بدون الخبير والأكاديمي سينهار إعلامنا!!

فى تطوير الدراسات الإعلامية تأتى المناهج أو المقررات الدراسية فى المقدمة، والمناهج مرتبطة بلوائح الدراسة فى كليات وأقسام الإعلام، وقد أجمعت آراء كبار أساتذة الإعلام فى مصر على الحاجة الماسة لتجديد هذه اللوائح.

إعلامنا والحاجة إلى فكر واع وإرادة فاعلة

مازلنا نسير على طريق البحث عن إعلام مصري حقيقى يسهم بفعالية في خطط التنمية. في إشارة إلى سلسلة مقالاتى عن الإعلام، قال د. أسامة الغزالى حرب: "على بوابة

كلمتي لوجه الله ومن أجل إعلام أفضل

من واقع خبرتي العلمية والعملية وجمعي بين العمل الإعلامي والعمل الأكاديمي أقول شهادتي لوجه الله سبحانه وتعالى، وسعيًا لمزيد من التطور والرقى للمهنة والرسالة

الخبراء يطالبون برؤية جديدة لكليات الإعلام

الخبراء يطالبون برؤية جديدة لكليات الإعلام

كليات وأقسام الإعلام تخرج أعدادا كبيرة غير مؤهلة

في الأسبوع الماضي بدأنا الحديث عن الخطوات التي يجب أن نسلكها ليكون عندنا إعلام مصري حقيقي يحقق طموحاتنا ويستعيد ريادتنا الإعلامية في المنطقة في ظل التحديات

نحو إعلام مصري حقيقي

كثيرا ما تحدثنا وتحدث الكثيرون عن أهمية الإعلام ودوره المحوري والهام فى بناء جسور الثقة المتبادلة بين الشعوب والحكومات، ودوره في عمليات التنمية وإحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي المنشود.

"أمل" الإمارات .. وجشع المستشفيات الخاصة

تعرضت الأسبوع الماضي لأزمة صحية مفاجئة تؤكد أهمية وضرورة رقابة وزارة الصحة المصرية على المستشفيات الخاصة، وأهمية أن يكون هناك جهة مسئولة عن تنفيذ توجيهات

حق وليست مِنة!!

في الوقت الذي كنا نتحدث فيه عن أهمية الإعلام الحقيقي والموضوعي في إقامة جسور الثقة بين الشعب وقيادته، وأهمية هذا الدور في جعل إنجازات تلك القيادة الرشيدة

الإعلام وجسور الثقة بين الشعب وقيادته

الإعلام الحقيقي والموضوعي هو الإعلام الذي يرى بعين الجماهير ويتحدث بلسانها، ويعبر عن طموحاتهم، ويجسد آمالهم وتطلعاتهم نحو المستقبل، وفى ذات الوقت الذى

ضرورات التعايش مع "كورونا"

بعد الاتجاه لعودة الحياة إلى طبيعتها، ليس في مصر وحدها وإنما في غالبية دول العالم بعد فترة الحظر والإجراءات الاحترازية إثر جائحة كورونا، أصبح من الضروري

عندما هدد ثروت أباظة بالاستقالة من "الأهرام"

خلال رحلة عملي في جريدة "الأهرام" التي بدأت عام 1976، تعلمت وعملت مع مجموعة من كبار المفكرين فى مصر، ورواد مهنة القلم، تأثرت بهم وتعلمت منهم خلال العديد

دراما الغابة!!

بعيداً عن مسلسل "الاختيار" الذى قدم لنا نموذج التضحية والفداء والعطاء لمصر، ممثلاً في بطولة العقيد أركان حرب "أحمد منسي"، وبعض المسلسلات الكوميدية والرومانسية

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]