للأيام الصعبة فوائدها

8-5-2020 | 13:59

 

لم أكن أتخيل أن نمر بأيام صعبة كتلك الأيام، وباء ينتقل بسرعة رهيبة ويضرب معظم دول العالم ويكبد البشر خسائر هائلة، فتنهار بورصات العالم، والخسائر بأرقام تعد بتريليونات الدولارات، والإصابات بين البشر بالملايين، والذعر يعم كل قارات العالم.


كل يوم أتابع ببالغ القلق أرقام الإصابات والوفيات فى مختلف أنحاء العالم، فما يصيب غيرنا يصيبنا، وأستغرب من أن بعض الجهلة يمكن أن يشمتوا فى دولة، وأحيانًا أجد تعليقات غريبة مثل أنه انتقام إلهى من البشرية، لكن كل كلامهم يسقط ويُظهر أنهم عنصريون ضيقو الأفق، فالوباء لم يترك أى مجموعة عرقية بيضاء أو سوداء أو صفراء ولا أى ديانة مهما تكن، فجميعنا فى مركب واحدة، وإن كان ضيق الأفق لم يقتصر على بعض الكتابات، إنما امتد إلى السياسيين فى بلدان نظنها متقدمة تحاول تسييس الوباء أو الاستفادة منه، وتتبادل الاتهامات، مع أنها كانت فرصة لتبدأ البشرية مرحلة جديدة تتجاوز بها الأزمات التى تمر بها، وتبنى علاقات دولية وإنسانية أرقى، والوباء الغامض والقاتل يجعلنا نراجع أنفسنا، ونلاحظ الأخطاء التى وقعنا فيها، وأن ندرك أن سلامة البشر جميعًا مهددة، وأن السلامة من العدوى أصبحت جزءًا مهمًا وضروريًا.

لقد وضع فيروس كورونا البشرية أمام أسئلة واختبار صعب، ولا يمكن تجاهل ما يحدث، والقادم ملىء بمتغيرات مهمة بسبب هذا الاختيار الرهيب، لكن أداء البشر للأسف لم يرتفع إلى مستوى خطورة الوباء، ومازالوا يتناطحون وكأن الخطر لا يحاصرهم، وقادر على الوصول لكل مكان وأى شخص، لذلك ستكون الهزة قوية وبعيدة المدى لا يمكن أن نتنبأ بحجمها، لكنها ستكون بالتأكيد أكبر مما نتخيل وفى عز هذه المأساة العالمية نجد مؤشرات إيجابية تحمل لنا الأمل فى أن نجتاز هذه الفترة العصيبة.

طبعًا لم يكن رمضان هذا العام مثل الأعوام السابقة، فلدينا التباعد والإغلاق للكثير من الأعمال وأغلقت كل أسرة أبوابها على نفسها، وإن كان كثيرون لن يحتملوا أو رفضوا أو تمردوا أو تجاهلوا أو كانوا لا يعلمون أو لا يُقدِّرون حجم الخطر لأنهم لم يروه بأعينهم، لكن معظم الناس كانت ومازالت خائفة واختفت العزومات والخروج إلى المقاهى وزحام الحسين والسيدة زينب وقلب القاهرة والكافيهات، فى كل مكان اختفت الكثير من المظاهر، وجلست معظم الأسر المصرية أمام شاشات التليفزيون وتجمعت أياما طويلة تتابع الفضائيات وتشاهد وتنتقد أو تتحمس لهذا المسلسل أو ذاك، وتَقْوى الروابط بين الأسرة أو تظهر التناقضات والأمور المخفية بسبب التباعد الأسرى، فكثرت المشاجرات أحيانًا، لكنها فى النهاية كانت تكشف عن إصابات مخفية داخل الأسرة، ولم يكن الحظر سوى فرصة لتتعرف على حجم الإصابات ومحاولة علاجها.

لم يتمكن من كانوا يؤدون العمرة من السفر وتوقفت الصلاة فى المساجد، لكن الأسرة كانت الوحدة الأكثر قوة وصلابة بل أصبحت مركز الكون والحائط الرئيسى، وبعدها كان دور الدولة بكل أجهزتها ومؤسساتها، ووضع الوباء الجميع أمام مسئوليات جسيمة، وأدركنا أهمية أن يكون لدينا منظومة صحية أكثر تطورًا واتساعًا، وأنها تستحق أن تكون فى أولويات موازنات الدولة، وبدأت التبرعات تنهال على المستشفيات أو بناء مستشفيات جديدة، وتزويد المستشفيات العامة بأجهزة حديثة، وكان التجاوب متفاوتًا، لكن الغالبية كانت تهتم بالمستشفى والأدوية، وعرفت أن المنظومة الصحية من أهم دعائم الأمن القومى.

الحمد لله أن معدلات الإصابة فى مصر أقل جدا من معظم دول العالم، فنحن نسمع عن إصابات بعشرات الآلاف كل يوم فى بلدان متقدمة، فنشعر بأن مصر محروسة بالفعل، لكن لا يمكن الارتكان إلى هذه المقولة، مهما تكن المؤشرات مطمئنة، بل علينا أن نعمل من أجل حماية أنفسنا وجيراننا وكل من نعرفهم ومن لا نعرفهم، وأن نجعل من النظافة والتعقيم أسلوب حياة، وأن نتخلص من منابع التلوث المادى والمعنوى.

لقد أتاح لى الحظر فرصة مشاهدة أطول لمسلسلات رمضان هذا العام، وبالطبع هناك مسلسلات أعجبتنى جدًا، منها مسلسل «الاختيار» الذى هز قلب كل مصرى، ووضعه أمام أحداث كان يسمع عنها أو يقرأ أرقامًا دون أن يدرك أنها تتعلق بشخصيات من لحم ودم، وأنه جزء منها، وترتبط بحياته ومستقبل بلده وشعبه، وقد استمتعت بالقصة والأداء والشخصيات، وإن كان هناك الكثير من الأعمال الأخرى أقل جودة مما يمكن احتماله، بل لا تستحق تلك التكاليف الباهظة على إنتاجها، وشعرت كأنها لا ترتبط بالمجتمع المصرى، وكثير منها جرى تصويرها فى قرى سياحية أو «كومباوندات»، فلا بناء دراميًا ولا شخصيات مقنعة ومحبوكة يمكن أن تتفاعل معها، ولا قضية حقيقية تناقشها، وتطويل يبلغ حد الملل دون أحداث مهمة أو عميقة، وكأنهم يملأون الوقت فقط، أما الفواصل الإعلانية فمازالت قادرة على فصل المشاهد عن أحداث المسلسل، فتنسى ما حدث قبل الفاصل الإعلانى الطويل، وعلينا أن ندرك أن الدراما تطورت فى مختلف الدول العربية، وأن الدراما المصرية التى شكلت الوجدان المصرى والعربى تتراجع، وأنها تستحق أن نهتم بها ونحل مشكلاتها وأن ننشئ الكثير من ورش الكتابة الدرامية ونطور مدينة الإنتاج الإعلامى ، لتصبح مدينة للسينما، أو ننشئ مدينة جديدة للسينما بمستوى هوليوود أو حتى بوليوود الهند، وهذا ليس صعبًا أمام عراقة السينما المصرية وخبرتها وتأثيرها وسمعتها، ووجدت دولاً مثل سوريا والمغرب وبعض دول الخليج حققت نجاحات مهمة فى الدراما، ولهذا فعلينا ألا نرتكن إلى تاريخنا وسبقنا، بل ننظر إلى المستقبل ونطور من أدواتنا حتى نستعيد للدراما و السينما المصرية مكانتها ورونقها.

الاكتفاء الذاتى من الكمامات

أعتقد أن توفير الكمامات ومواد التعقيم بأسعار رمزية أمر يحتاج لمزيد من الجهود والمبادرات للتوسع فيه، لأنه سيحمينا من نفقات باهظة «جنيه وقاية خير من ألف جنيه علاجا»، لكننا لم نوفر إلا القليل من الكمامات، ويمكن ملاحظة ذلك من إحصاء عدد من يرتدون الكمامات فى الشوارع أو الأماكن المغلقة، مع أن لدينا إمكانات ضخمة لصناعة ملايين الكمامات يوميًا تحقق الاكتفاء الذاتى ونصدر منها لدول عربية وإفريقية حتى لأوروبا، فلدينا الكثير من مصانع الملابس والغزل والنسيج والعطور ومواد النظافة التى يمكن أن تضاعف إنتاجها عشرات ومئات المرات من الكمامات ومواد التعقيم والنظافة، بل إن شركة المحلة الكبرى للغزل والنسيج أو شركات حلوان وكفر الدوار وشبرا و العاشر من رمضان و السادات يمكن أن تنتج ما يكفينا وزيادة، فلماذا لا نحول الأزمة إلى فرصة وننتج الملايين من الكمامات ونحمى أنفسنا ونحقق أرباحًا كبيرة من التصدير.

نقلًا عن صحيفة الأهرام

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]