كفاح "طلعت حرب".. "بوابة الأهرام" ترصد أبرز محطات عملاق الاقتصاد في مئوية بنك مصر | صور

7-5-2020 | 19:06

طلعت باشا حرب

 

مصطفى طاهر

في مثل هذه الأيام من بدايات مايو عام 1920، قبل مائة عام بالتمام والكمال، كان بنك مصر يشهد أول أيامه بعد أن نجحت جهود طلعت باشا حرب في إقامة كيان وطني واقتصادي جديد يساعد على قيام الدولة المصرية ودعم جهودها على الساحة الزراعية والصناعية.


" بوابة الأهرام " تزامنا مع مئوية بنك مصر ، تتذكر محطات من حياة "طلعت باشا حرب" عملاق الاقتصاد وأحد أبرز رموز الوطنية المصرية .

قصة خالدة في دفاتر الوطنية المصرية لرجل خرج من قلب منطقة قصر الشوق بحي الجمالية، لتكتب له الأقدار أن يكون صاحب الإنجاز الأبرز في عملية تمصير الاقتصاد داخل مصر، و تأسيس أبرز المؤسسات الاقتصادية القومية.

ولد محمد طلعت حسن محمد حرب، في 25 نوفمبر 1867م، وهو المفكر الاقتصادي الأبرز في تاريخ مصر، كان عضوًا بمجلس الشيوخ المصري، وكانت أبرز إنجازاته قيامه بتأسيس بنك مصر ومجموعة الشركات التابعة له، ولأنه يعد أحد أهم أعلام الاقتصاد في تاريخ مصر، أطلق عليه لقب "أبوالاقتصاد المصري"، فقد عمل على تحرير الاقتصاد المصري من التبعية الأجنبية، وساهم في تأسيس العديد من الشركات داخل المجموعة الاقتصادية التي رفعت اسم مصر، ومن أبرزها شركة مصر للغزل والنسيج، و مصر للطيران ، ومصر للتأمين، و مصر للمناجم والمحاجر، ومصر لصناعة وتكرير البترول، ومصر للسياحة، وستوديو مصر، وغيرها.

كانت أولى خطوات الطفولة لـ طلعت حرب ، في منطقة قصر الشوق بحي الجمالية، محل ميلاده؛ حيث رحاب مسجد الإمام الحسين، وكان والده يعمل موظفاً بمصلحة السكك الحديدية الحكومية، وينتمي إلى عائلة حرب، بمنطقة ميت أبوعلي، إحدى قرى منيا القمح، وتتبع حاليًا الزقازيق بمحافظة الشرقية، وكانت والدته تنتسب إلى عائلة صقر، التابعة لإحدى قرى منيا القمح أيضاً.

حفظ طلعت حرب القرآن الكريم في طفولته، وبدأت رحلته مع التعليم بالالتحاق بمدرسة التوفيقية الثانوية بالقاهرة، وبعدها الانضمام لمدرسة الحقوق الخديوية في أغسطس 1885م؛ حيث حصل على شهادة مدرسة الحقوق في عام 1889م، وكان من أوائل الخريجين، ولكنه اهتم - بالإضافة لدراسة الحقوق - بالانخراط بدراسة العلوم الاقتصادية، وكان شخصًا واسع الاطلاع، كانت هوايته الإبحار وسط أوراق العديد من الكتب في مختلف مجالات المعرفة والعلوم، كما قام بدراسة اللغة الفرنسية حتى أجادها إجادة تامة، في مرحلة مبكرة من حياته.

أما عن حياته العملية، فقد بدأ مترجماً بالقسم القضائي "بالدائرة السنية"، وهي الجهة التي كانت تدير الأملاك الخديوية الخاصة، ثم أصبح رئيسا لإدارة المحاسبات، ثم مديراً لمكتب المنازعات خلفًا لمحمد فريد، وذلك في عام 1891م، ثم تدرج في السلك الوظيفي حتى أصبح مديراً لقلم القضايا، وكانت كفاءة طلعت حرب في إدارة المشروعات سبباً في استعانة العديد من الأعيان وأصحاب الأملاك به، وكان أبرزهم "عمر سلطان باشا"، الذي كان يعد أحد أغنى أغنياء مصر في ذلك الوقت، والذي أوكل إليه إدارة أعماله بصفة دائمة، ساهمت تلك الأعمال في إكسابه خبرة واسعة في الأمور الإدارية والتجارية، كما تمتع بشهرة جيدة كواحد من أبرز الكوادر الإدارية في تلك الفترة.

في عام 1905 انتقل ليعمل مديراً لشركة كوم إمبو بمركزها الرئيسي بالقاهرة، ثم مديراً للشركة العقارية المصرية، والتي عمل على تمصيرها، حتى أصبحت غالبية أسهمها للمصريين، وفي عام 1910م حاولت الشركة المالكة لقناة السويس تقديم مقترح لمد امتياز الشركة 50 عاماً أخرى، إلا أن طلعت حرب وقف لهم بالمرصاد، وساهم في حشد الرأي العام لرفض ومعارضة هذا المقترح، وأصدر كتابه التاريخي "مصر وقناة السويس"، لتلعب تلك الجهود الوطنبة العظيمة لاحقاً، الدور الأبرز في قيام مجلس النواب برفض هذا المقترح، وواصل بعدها طلعت باشا حرب طريق النضال الوطني، حيث شارك في ثورة 1919م، والتي منها بدأت تتبلور في رأسه فكرة انشاء بنك وطني للمصريين، للتحرر من الإحتكار المصرفي الأجنبي، وساهم في إنشاء "شركة التعاون المالي" بهدف الإقراض المالي للمصريين، ومع انتشار دعوته التف حوله الكثيرون، لينجح الرجل الوطني الكبير في تأسيس " بنك مصر " عام 1920م، لتتوالى بعده العديد من المشروعات الاقتصادية الكبرى داخل وخارج مصر والتي كانت الأعمدة الرئيسية لقيام منظومة اقتصادية وطنية كاملة للمصريين.

في عام 1939م، بعد ما يقرب من 20 عاما على تأسيسه، عانى بنك مصر من أزمة مالية كبيرة، تحت ضغط سلطات الاحتلال الإنجليزي، ورفض البنك الأهلي منحه قروضًا بضمان محفظة الأوراق المالية، وعندما لجأ طلعت حرب إلى وزير المالية، اشترط وقتها أن يترك طلعت حرب منصبه ليتم علاج الأزمة، وهو ما دفع طلعت حرب لتقديم استقالته من البنك، إلا أن خطته الكبرى في تمصير الاقتصاد وإقامة الكيانات الاقتصادية الوطنية كانت قد استقرب في وجدان وقلوب المصريين إلى الأبد.

شارك طلعت حرب في الحركة الأدبية والثقافية، وكان واسع الاطلاع ومثقفا من الطراز الرفيع، كما اشتبك كثيرا في بعض الصراعات الأدبية، ومنها معارضته الشهيرة لكتابات وأفكار قاسم أمين، التي جعلته يصدر كتابين ذلك الوقت، هما تربية المرأة والحجاب، وكتاب فصل الخطاب في المرأة والحجاب، كما قدم طلعت حرب للمكتبة العربية العديد من الإسهامات الأخرى، منها مؤلفاته مصر وقناة السويس و تاريخ دول العرب والإسلام، كما كان من أعضاء الجمعية الجغرافية المصرية، كما كان ل طلعت حرب قبل رحيله، إسهام كبير للحركة الثقافية والفنية في مصر، بدعمه لعملية قيام وانشاء ستوديو مصر، الذي أصبح العمود الفقري للحركة السينمائية المصرية لعدة عقود بعد رحيل طلعت حرب .

إسهامات طلعت حرب ، وأفضاله على الاقتصاد المصري لا تحصى، فقد عمل الرجل العظيم طوال حياته الحافلة كالمواتير الهادرة، لا يكل ولا يمل، ولا يتوقف، وفشلت كل محاولات الاحتلال البريطاني في إيقافه، ولعل الحصر الشامل لإسهامات طلعت حرب يتجلى في قيامه بتأسيس كل من شركة مصر للطباعة، شركة مصر لصناعة الورق، تأسيس شركة مصر لحلج القطن، تأسيس شركة مصر لصناعة السينما "ستوديو مصر"، تأسيس شركة المصرية العقارية، تأسيس شركة مصر لغزل الحرير، تأسيس شركة مصر للكتان، تأسيس بنك مصر سوريا، تأسيس شركة مصر للمستحضرات الطبيّة والتجميل.

بعد انتهاء معركته مع الاحتلال البريطاني، وقيامه بتقديم استقالته من بنك مصر ، واطمئنانه إلى استقرار الأمور داخل البنك، قام طلعت حرب بالانتقال إلى قرية العنانية، في مركز فارسكور بمحافظة دمياط، بعيداً عن كل أشكال النشاط الاقتصادي والفكري، وكل الصراعات التي خاضها طوال حياته من أجل مصر، صانعا لنفسه استراحة محارب أخيرة وسط أرضه، في بيته الريفي، حتى وافته المنية في تاريخ الثالث عشر من شهر أغسطس عام 1941م، عن عمر قارب أربعة وسبعين عاماً، عاشها كلها من أجل مصر والمصريين، وعندما يكون كل منا في طريقه إلى عمله كل صباح، غالبا ما ستقابلك بصمة لابن قصر الشوق، تجعلنا نردد دائما، مر من هنا طلعت حرب .


مئوية بنك مصر


مئوية بنك مصر


مئوية بنك مصر


مئوية بنك مصر


مئوية بنك مصر

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]