عودة مشروطة للحياة!

7-5-2020 | 05:43

 

ما أشبه الليلة بالبارحة فى التصدى لوباء كورونا مقارنة بما فعله العالم قبل مائة عام فى تصديه لجائحة إنفلونزا 1918..

ففى أثناء تفشى وباء الإنفلونزا الإسبانية ، كانت الصحف وسيلة التواصل الأبرز فى حياة الناس، فاعتادت نشر الإرشادات الرسمية يوميا، ومن هذه التحذيرات دعوة الناس للحرص "على أن يظل انتشار المرض تدريجيا كى يكون أمام المستشفيات فرصة لمواكبة تطوره"، وحثهم على التزام أوامر الإبلاغ عن الحالات والفحص والحجر الصحى بصرامة.

وكما نعانى نحن اليوم من أن وسائل التواصل الاجتماعى تعج بالوصفات والخلطات و"عصائر البرسيم"؛ التى يرى مروجوها ـ ممن تنتفى صلتهم أصلا بالطب ـ أنها سحرية فى مواجهة كورونا.. فلم يخل الأمر من وصفات متعددة لمواجهة الإنفلونزا الإسبانية ؛ منها مثلا النصيحة العلاجية التى قدمها الأطباء للمرضى "تناولوا زيت الخروع أو جرعة أملاح لتحريك أمعائكم"!!

وما نصفه اليوم بـ"تسطيح المنحى" وتعتبره كل الدول الموبوءة بالفيروس حلما ومدعاة للفخر والإنجاز فى السيطرة على تمدد حالات الإصابة، كانوا يصفونه قبل مائة عام مع وباء الإنفلونزا بعملية اقتفاء أثر المرض، وهدف كليهما بالطبع تخفيف الضغط عن النظام الصحى.

ويبدو أن بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا كان على حق، فيما ذهب إليه من تصريح قبل تفشى الوباء فى بريطانيا وواجه انتقادات عديدة، حين حذر الناس من فقد الأحباب ونوه إلى مناعة القطيع..

ففى تقرير صدر فى 30 أبريل الماضى عن مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية بجامعة مينيسوتا الأمريكية، يقول الخبراء الذين أشرفوا على إنجاز التقرير، إن وباء كورونا لن ينتهى قبل 18-24 شهرا، لأن المرض جديد، ولا أحد يمتلك المناعة الكافية، وأن تكوين هذه المناعة لدى شريحة واسعة من الناس يتطلب، هو الأخير، وقتا!!.

ووضع التقرير 3 سيناريوهات متوقعة لتطور الجائحة، وفقا لما حدث فى جائحة الإنفلونزا 1918 ، الأول أن تحدث موجات كتوابع الزلازل أقل قوة وتستمر لمدة 18-24 شهرا، والثانى أن تحدث موجة عنيفة فى الخريف القادم، والثالث استمرار وجود حالات بأعداد أقل وبدون موجات لمدة 18-24 شهرا.

وحذر التقرير من أن فكرة الانتهاء من الفيروس خلال الصيف، التى يتحدث عنها البعض من "سياسيين وإعلاميين"، غير واقعية، كما أنها "تعارض بشكل كامل علم الأحياء المجهرى".

فبعد أن كان العالم كله يترقب ساعة الحسم التى يتخلص فيها من الفيروس ويتنفس الصعداء، بدا الفيروس حتى اليوم عقبة كأداء عصية على الكسر.. ولك أن تتخيل أن هذه العقبة يقدر العلماء وزنها فى حال إصابة 3.5 مليون إنسان حتى اليوم بها بنحو 2 جرام إلا ربعا!!!.. تخيل 2 جرام إلا ربعا أصابت حياة 7 مليارات إنسان بالارتباك بكل ما يملكون من قوة سلاح واقتصاد وإمكانات..

برغم أن مراكز البحث العلمى فى دول عدة تواصل الليل بالنهار بحثا عن لقاح لكبح جماحه وإعادة بث الطمأنينة فى نفوس المليارات السبعة، وهناك مئات الآلاف من المرضى الذين يخضعون لتجارب سريرية فى كل دول العالم على أدوية محتملة لعلاج مضاعفات الفيروس، وقد يكون عقار "ريمد يسيفير" المضاد للفيروسات - الذي فشل سابقا كعلاج للإيبولا - طوق النجاة حتى اليوم ضد فيروس كورونا.

ولأن عجلة الاقتصاد فى كل دول العالم لم تعد تحتمل مزيدا من التوقف، وفى حين أن الجهود التى تبذلها فرق بحثية فى عدة دول للتوصل إلى لقاح فعال ضد الفيروس لم تؤت ثمارها بعد، وحتى فى حال التوصل إلى اللقاح الموعود فإن الأمر بحاجة من عام إلى 18 شهرا على أقل تقدير، فكان لابد أن تتغير نغمة المواجهة من "خليك بالبيت" إلى "تعايشوا مع الفيروس" ...

وهذا الأمر لايعنى سوى شيء واحد هو الرهان على وعى الناس، فعندما تصدر وزارة الصحة خطوطا عريضة ونصائح للعزل المنزلى، فهذا يعنى أنها تضع كلا منا أمام مسئولياته، إذ لايمكن لأى دولة أن تستمر فى هذا الوضع من دون أن يتحمل كل مواطن مسئولية حماية نفسه حتى تدور عقارب الساعة، وإن كانت بدقات بطيئة..

فمن الوعى أن يكون ارتداء الكمامة إلزاميا فى كل مؤسسات الدولة ووسائل المواصلات العامة وأى أماكن محتملة للتجمعات.. ومن الوعى أن تظل حملات التوعية عبر كل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعى للناس كما هى، بل وأشد زخما..

ومن الوعى أن تعرف أهمية التباعد الشخصى ، وأن بدء تخفيف الإجراءات لايعنى اندفاع الناس والعودة لممارسة حياتهم الاجتماعية وطقوسهم اليومية وكأن كورونا قد رحل..

لأننا فى الحقيقة لايمكننا التعايش مع الفيروس، لأنه ببساطة عدو لنا، لذا علينا مواجهته بكل ما أوتينا من وسائل متاحة حتى نتمكن جميعا، بوعينا وبما ما ستسفر عنه جهود العلماء والأطباء، من وأده نهائيا، وجعله مجرد ذكرى مؤلمة مرت يوما من هنا..

ولسنا بحاجة للتأكيد من أن إجراءات التخفيف التى تفرضها ضرورات الاقتصاد، لاتعنى أكثر من مجرد عودة مشروطة للحياة ، ويظل أمر تخفيفها أو العودة للمربع الأول مرهونا بسلوكيات الناس، والتى ستنعكس سلبا أو إيجابا فى معدلات الإصابة..

مقالات اخري للكاتب

كورونا تُعيد صياغة الوظائف

كورونا تُعيد صياغة الوظائف

تجارة "بصمات الأصابع".. و"قراءة العقول"!

تجارة "بصمات الأصابع".. و"قراءة العقول"!

لقاح فريق الأحلام!

لقاح فريق الأحلام!

السيد "روبوت" العاطفي!

أصبحنا نُفضفض "أون لاين" ونحكي مشاكلنا "أون لاين" ونبحث عمن "يطبطب" علينا "أون لاين"، مع إن أقرب الناس إلينا في الغرفة المجاورة هم الأولى بذلك، ولولا وسائل

ويسألونك عن القيلولة!

من يعود بالذاكرة إلى مظاهر حياة المصريين قبل عقود مضت، سيجد أن من بين العادات الصحية التي سلبتها دوامة الحياة هي "نوم القيلولة"، فقد كان مشهدا يوميا مألوفا رأيناه في الآباء والأجداد..

ملابس المستقبل .. ذكية!

"ملابسنا تحددنا" مقولة مهمة للأديب عباس العقاد، بمعنى أنها تكشف عنا وتوضح هويتنا، ويؤثر عن أحد الفلاسفة قوله " الملابس تؤثر على مشاعرنا وأمزجتنا"..

مسافر زاده الخيال!

كل إنسان فى داخل عمره، عمر "تانى"، تتراجع معه سنوات عمره للوراء فى لحظات السعادة، وقد يتجاوز سنوات عمره الحقيقى حين تُعجزه مطالب الحياة، أو تصدمه ردة فعل من كان ينتظر منهم فقط حفظ الجميل، وليس رده ..

أول روبوت "صحفي"!

هل تتذكرون "صوفيا"، ذلك الروبوت الذكي الذي يفكر ويتكلم ويجري حوارات مفتوحة.. في إحدى حواراتها سألها مذيع سؤالا، ربما رآه البعض ساذجًا "هل تريدين تدمير البشر؟"، لكن ردها جاء مُفحما.. "نعم .. أريد تدمير البشر!!".

نهاية عصر الهواتف الذكية!

لو عدنا بالذاكرة لـ 30 عاما مضت، سنجد أن التليفزيون والفيديو وكاميرا التصوير التقليدية أو الديجتال والكاسيت والتليفون الأرضي، كانت وسائل التواصل مع العالم الخارجي في البيوت، وفي فترة زمنية قصيرة جدا جمعها الهاتف الذكي في جهاز واحد بحجم كف اليد، وبكفاءة تفوقها مجتمعة.

شريحة تغير دماغك!

قبل أن ينتهي العام الحالي بكل سوءاته، ووسط ركام الدماء والدمار والاستقطابات والتجاذبات، التي صارت مرادفًا لكلمة "نشرة الأخبار"، يأتي الإعلان عن شريحة Neuralink،

مدرسة العلاج بالدموع!

قديما قال الفيلسوف اليوناني أرسطو "إن البكاء ينظف العقل"، كما كتب شكسبير "أن تبكي هو أن تخفف من عمق الأحزان"..لكن فى الشرق نشأنا على حرمة البكاء وبأنه من "شيم النساء"، وهو ما يجافي تماما ما ذهب إليه موروثنا من الشعر والتراث العربى، بل وما ورد ذكره فى مواضع كثيرة من آيات القرآن الكريم.

العالم قبل وبعد 30 عاما!

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كانت هناك شركة عربية ملء السمع والبصر في مجال الكمبيوتر، هي "صخر"، فأين هي الآن؟ رغم أنها كانت صاحبة الفضل في إدخال الكمبيوتر للمنازل العربية، ووصفت بأنها "مايكروسوفت العرب"، لكن لم يشفع لها التواجد على الساحة لأكثر من 20 عاما على البقاء لأنها لم تتطور، فاختفت.

مادة إعلانية

[x]