دماء الشهداء .. والحُزن النبيل!

4-5-2020 | 20:29

 

بادئ ذي بدء.. أنا لست من دُعاة التجهُّم والحُزن وارتداء قناع الكآبة؛ للإعلان عما يعتمل في أعماقي من مشاعر تجاه حادث (ما) جلل؛ يقع على ساحة الشارع المصري الممتد على جسد خريطة الوطن بطولها وعرضها! وربما يتساءل أحدهم: هل الحزن هو مجرد شعور أو موقف فلسفي؟ وهُنا.. قد تتفرق بنا السبُل في تحديد شكل ونمط وأبعاد هذا الحُزن، ولكننا ـ بلا اتفاق ـ نتفق على أن الحزن على دماء شهداء الوطن لامزايدة فيه.. ولا عليه! ولا يحتاج التفسير للارتكان إلى صباغة هذا الحُزن بألوان الفلسفة متعددة الجوانب؛ فهو "الحزن النبيل" الصادق الذي لايأتي إليه الشك من الأمام أو من الخلف!


وعلى هذا الاتفاق الضمني والتفسير العقلي: كلنا حزانى على شهداء الوطن الذين يدفعون شبابهم وحياتهم ثمنًا؛ مقابل حماية الوطن والبشر على أرضه! ولكنني أعتب ـ ولا أملك سوى العتاب ـ على " وسائل الإعلام المرئية" الرسمية التي اكتفت للإعلان عن حزن أمة بأسرها؛ باختزاله في "شريطٍ أسود" على هامش الشاشة! فالحزن في القلوب والمشاعر الفياضة والجوانح المكلومة على "شباب زي الورد" ذهبوا ضحية عصابات الغدر المتربصة بنا ليل نهار في الداخل والخارج . وما عدا هذا الشريط الباهت، فكل شيء يسير على المنوال نفسه من التردي والإسفاف والابتذال في العديد مما يتم تقديمه باستعراض أفخم الأثاث والرياش داخل كومباوندات "الطبقة العلِّيوي" المزوَّد بحمامات السباحة ذات الإضاءة الملونة المتلألئة، وبما أن الشيء لزوم الشيء ـ على رأي نجيب الريحاني ـ ؛ كان لابد أن تظهر آخر صيحات الموضة في ملابس ضيوف البرامج العشوائية الساذجة غير المُجدية ــ وهي تقريبًا الوجوه نفسها التي تحتل المشهد كل عام ـ مع استعراض آخر ما وصلت إليه فنون الماكياج في رسم وتخطيط العيون والحواجب؛ لا تخطيط المدن والإضاءة على مجهودات إعادة بناء العشوائيات التي كانت بمثابة وصمة في جبين الوطن .

ولست ضد استعراض كل تلك المظاهر والمظهريات في صُلب الأعمال الدرامية ـ وبخاصة تلك التي تخدم وتعالج مشاكل وقضايا المجتمع بجدِّية ـ ولم أقل أن تُطل علينا هذه الوجوه "معفَّرة مجفَّرة" وبملابس البيت، ولكني أقول: رفقًا بفقراء الوطن والطبقة المتوسطة ـ بافتراض أنها موجودة ولم تندثـر ـ الذين يتطلعون كبشر إلى الحياة في مثل هذا البذخ والتنعُّم بمباهج لم يرَوْها إلا على هذه الشاشات التي ـ ياعيني ـ تضع شريطًا أسود على جبينها الذي لم يعرف عرق الخجل! وهُم بهذا يزيدون من اتساع فجوة الحقد والحسد في النفوس؛ ويفتحون الأبواب على مصاريعها للسير خلف بعض الدعاة "الأباليس" الذين يقدمون لهؤلاء "الفقارى" كل الفتاوى التي تبيح لهم إثارة القلاقل والتمرد والثورة على أصحاب تلك الكومباوندات بحجَّة الشرع والدين والعقيدة؛ وتأويل مانُسب إلى العارف بالله "أبو ذرالغفاري" عن إنه "إذا بات فقيرٌ بغيرعشاء" .. فإن عليه أن يستل سيفه ليحضر عشاءه!

وتناست تلك الشاشات أننا نخوض حربًا هي حرب الوجود أو الفناء، ولولا وجود ـ بالصدفة ـ ماندر من بعض المشاهد في مسلسل عن الحرب في الدراما الرمضانية، ماكان هناك أدنى أثر على الإحساس الجمعي بأننا في حالة حرب كما يذكِّرنا بهذا دائمًا الرئيس عبدالفتاح السيسي؛ في كل لقاءاته الجماهيرية ب الشعب المصري !

لقد كان من الأجدر اختصار جرعة الدراما التي نشاهدها هذه الأيام؛ والتي تناقش قضايا بعيدة كل البعد عن المجتمع المصري الأصلي والأصيل؛ باستثناء القلة القليلة التي تتصارع على الميراث من أرصدة بالبنوك والعقارات التي تحمل أثمانها العديد من الأصفار على يمين العدد الأصلي، ناهيك عن تصوير تدبير مشاهد تآمر الإخوة للتخلص بالقتل من الأخ الكبيرـ وهو ما لم يفعله أخوة "يوسف" حين تركوه حيًا في البئرـ الذي وهبه "الأب" ثروته في وصيته قبل أن يودع الحياة! ولم أقل أن هذه الصراعات الأُسريَّة المزمنة ليست موجودة، ولكنها ـ أبدًا ـ لاتمثل ظاهرة في أعراف المجتمع المصري المؤمن بشريعة الله وكل العقائد السماوية السمحة!

لقد أعجبتني كلمة تم تداولها ـ بالسخريـة ـ على مواقع التواصل الاجتماعي تقول: إن الملايين التي تُصرف على تصوير مدى تردِّي الواقع في المجتمعات البشرية؛ فإنها كفيلة بأن تقوم بتغيير هذا الواقع إلى الأفضل! ولكنها تجارة "والتجارة شطارة" كما يقول أصحاب رأس المال .. والنفوذ!

تاريخنا حافل بالمئات من قصص البطولة والفداء من أجل الوطن وترابه المقدس؛ حتى تعلم وتتعلم الأجيال الحالية والقادمة المعنى الحقيقي للوطنية والانتماء، وليس بتجسيد الصراعات الدامية من القلَّة المنفلتة أخلاقيًا على المال والشهرة والنفوذ؛ لتكون هذه القلة هي القدوة والمثل السيء لشبابنا، والقيام بتبرير اعتناق تلك المبادئ على أنها ـ من وجهة نظرهم المنفلتة بحكم التأثر بتلك المشاهد والمشاهدات ـ حتمية الظروف الاقتصادية والسياسية الطارئة على مجتمعنا المصري .

إننا في غمرة الحزن النبيل على دماء أولادنا.. نننتظر أن تدور الكاميرات لتصوير بطولات هؤلاء المقاتلين؛ فلولاهم ما كنَّا.. ولا عاشت مصر!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

مقالات اخري للكاتب

"حنو" الرئيس .. و"ثمار" العدالة الاجتماعية

لماذا اختار الرئيس عبدالفتاح السيسي كلمة "الحنو" حين وجه حديث الطمأنة إلى المصريين في وقت عصيب قائلا، إن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه! من يحتاج إلى الحنو

ثورة الفـن .. وثورة يونيو!

أكتب إليكم كلماتي .. مع رشفاتٍ هانئة من فنجان قهوتي المُفعمة بطعم الهيل؛ وأنا بحجرة مكتبي وحولي صحبتي وأصدقائي الأعزاء من أمهات الكتب التي صنعت الوجدان المصري وقوته الناعمة.

شدة الغربال .. ويقظة النخوة الإنسانية؟!

يبدو أن بعض الكلمات المأثورة المتداولة على لسان الشعب المصري وصارت في حكم "الأمثال" المُعتمدة من الذائقة الوجدانية الشعبية؛ يكاد أن يكون لها ظل مؤكد من

..وتبقى مصر عصية .. على بقايا ورثة الخلافة العثمانية

..وتبقى مصر عصية .. على بقايا ورثة الخلافة العثمانية

تسونامي كورونا.. شكرًا!

يجب أن نعترف أننا لم نعطِ اهتمامًا واجبًا وكافيًا لصرخة الأديب الروائي الكبير/يحيى حقي؛ في روايته التي تُعد بمثابة النبوءة والمعجزة في الحياة الأدبية الثقافية

الإعلام .. رسالة والتزام!

أعتقد اعتقادًا راسخًا - وبقناعة تامة - أن المجتمع المصري في المرحلة الحالية - وبخاصة في ظل اجتياح فيروس "كورونا" - أصبح في أشد الحاجة إلى الكوادر المؤمنة

عن الدراما .. والمسئولية الوطنية!

أغلب الظن أن الفنانين من صناع الدراما في التليفزيون المصري؛ سيتوقفون طويلا - بالنقد والتحليل - أمام تداعيات رجع الصدى في الإحساس الجمعي المصري والعربي؛

رمضان (الكريم) .. والتنمر!

في مقولة شهيرة للعارفين ببواطن أمور وأسرار العقلية العربية بشكلٍ عام، والمصرية بشكلٍ خاص إن "الجواب يقرأ من عنوانه"؛ أي أنه ينبئ عن المحتوى قبل فض المظروف!

البالطو الأبيض .. وتأثير الأغنية في الوجدان الشعبي

اعتاد الشعب المصري والعربي في كل العصور؛ أن يلجأ بوجدانه التلقائي إلى ترجمة انفعالاته ومشاعره في الأحداث التي تمر به من تقلبات الحياة اليومية الاجتماعية

ماذا جرى لكم .. يامصريين؟!

رجاءً من القلب.. ألا تقطِّبوا جبينكم دهشةً واستنكارًا لما حدث في مسألة الاعتراض على دفن الطبيبة المتوفاة بـ "فيروس كورونا" بإحدى القرى في محافظة الدقهلية

الضمير الوطني.. الغائب!

قال "فلان" عن "علان": إنه قليل الأدب! وبرغم أن تلك العبارة لا تشكل ما يسمَّي ـ في منطق السلك القضائي ـ بالسب أو القذف، إلا أن "ترتان" انفعل انفعالاً شديدًا،

جهود الدولة المصرية .. وكتائب الشر!

لا نستطيع على الإطلاق أن ننفصل عن الواقع المصري الذي نعيشه في المرحلة الآنية؛ ولا نملك تجاهه إلا الرصد الصادق ـ والمُحايد ـ لحراك وتفاعلات المجتمع تحت

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]