الطبيبة هاجر حسن تروي لـ"بوابة الأهرام" تفاصيل أصعب 45 يوما داخل العزل الصحي

4-5-2020 | 15:13

دكتورة "هاجر حسن "

 

رانيا نور

الدكتورة هاجر حسن:

• أسرتى حولت البيت "لمحزنة " بمجرد استلامى التكليف
• دخلت العزل كطبيبة جراحة فوجدت نفسى فى يوم واحد مسئولة عن علاج 32 حالة بمفردي
• أستمد قوتى من إيمانى بالله وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

ينظر المصريون  إلى الإصابة بعدوى ال كورونا ، في ازدواجية لافتة، ففي حين يرونها دعوة للموت تستدعي التعاطف مع الشخص المصاب، فإنهم يعتبرونها في الوقت نفسه أقرب إلى الوصمة الاجتماعية منها إلى المرض، ويفرون من سيرتها وينكرون وجودها لدرجة تدفعهم إلى نبذ ذويهم وأهليتهم مثل بدا في تصرف أهالي قرية "شبرا البهو" بالدقهلية ورفضهم دفن إحدى الطبيبات المصابات بالفيروس، فإذا كان ذلك هو الأداء العام الحاكم لنظرتنا في التعامل مع الفيروس وعدواه، فكيف قد يتقبل المرء الصحيح أمر تكليفه لمواجهة الفيروس عينا بعين.

قد يبدو الوقوف حد هذه النظرة قصورا في تلقي ظاهرة " كورونا " بكل ما تحتمله من معاني وأداءات، ولكن تلك النظرة على الرغم من ذلك هي ما تشكل علاقتنا اللاحقة بالفيروس، من سبل لمكافحته، وما يمكن تقديمه من دعم للمرضى ومعالجيهم. كيف يبدو في ظلها واقع الذين يواجهون الفيروس مباشرة، وكيف تبدو حالتهم النفسية مع ما يعاينوه يوميا من صور للموت، كيف يفكرون في حياتهم وذويهم، وكيف يفكر ذويهم فيهم، كيف يقاومون المرض وفي الوقت نفسه يحمون أنفسهم أو يضحون بها في سبيل إنقاذ غيرهم، عن تلك الأسئلة وغيرها، كان لـ"بوابة الأهرام"، هذا الحوار مع د.هاجر حسن، أول طبيبة تدخل مستشفى العزل الصحي، كطبيبة معالجة لحالات الإصابة بالمرض.

هل كنت تتخيلين عندما قبلت الانتداب أنك ستصبحين حديث وسائل التواصل الاجتماعى وأن الناس ستنظر لك كبطلة مقاتلة؟
أبدا فأنا أرى أننى قمت بواجبى والحقيقة أننى عندما التحقت بكلية الطب من الأساس، كان هدفى الأول هو مساعدة الناس وتخفيف آلامهم لذا عندما جاءنى التكليف بقضاء أسبوعين فى عزل مستشفى العجمى قبلته على الفور ولكنى لم أتخيل أننى سأصبح حديث وسائل التواصل الإجتماعى وحتى لم أعرف ذلك إلا بعد خروجى من العزل وكان زملائى وأساتذتى هم أول من كتبوا عنى .

وماذا عن رد فعل أسرتك عندما علموا بانتدابك؟
أنا أعيش مع والدى ووالدتى وأنا الوحيدة التى ترعاهم لأن إخواتى خارج مصر وعندما استلمت التكليف كانت صدمة بالنسبة لهم والبيت قلب محزنة وطلبوا منى الاعتذار عنه خاصة أنى كنت أول طبيبة سيدة تدخل العزل ولكنى قررت أن أصلى استخارة وكنا يوم جمعة وبعد الصلاة شعرت بالراحة والطمأنينة فقبلت الانتداب وودعت أبى وأمى وقلت لهم إننى سأبقى دائما فى معية الله طالما أنه اختارنى لهذه المهمة الصعبة.

أنت تخصص جراحة.. فما علاقة تخصصك بعلاج مرضى ال كورونا ؟
لأن أى حالة كورونا قد تحتاج الى تدخل جراحى أو عملية فى أى وقت وهذا يتطلب وجود جراح مقيم لأن الطبيب الذى يدخل العزل لايخرج منه إلا بعد أسبوعين.

كيف جاء تكليفك؟
دخلت العزل كطبيبة جراحة بمعنى أننى لن أتعامل مع مريض ال كورونا إلا إذا احتاج تدخل جراحي، ولكن نظرا للعجز فى الأطباء فتم تكليفي بعلاج الحالات بشكل عام حتى يتم شفاؤهم فقبلت على الفور، وبدأت أستعد لدخول منطقة العزل بالمستشفى، والحقيقة أنها تسمية على مسمى لأنها جزء معزول تمامًا عن باقى المستشفى وعن العالم كله، ومن يدخلها لايخرج منها إلا بعد انتهاء فترة انتدابه، والحمدلله أننى سبق وقد  حصلت على كورس فى مكافحة العدوى عام 2008 بالرغم أن هذا التخصص لم يكن معروفا وقتها فى مصر ولكنها تدابير ربنا فكأن الله كان يعدنى لهذه المهمة .

حدثينى عن شعورك وأنت تستعدى لهذه المهمة الصعبة ؟
لن أكذب عليك .. طبيعى شعرت بالخوف من مواجهة المجهول وأننى أصبحت وجها لوجه أمام هذا الفيروس اللعين ولكن كل هذا لم يثنينى عن أداء واجبى على أكمل وجه ممكن كما أننى شعرت بالمسئولية تجاه الحالات الموجودة بالعزل وكأنهم أهلى أو أخوتى.

هل تعرض أحد زملائك للإصابة أو العدوى؟
للأسف تعرض أكثر من زميل لى سواء أطباء أو طاقم التمريض للعدوى وهذا طبيعى حتى رغم اتخاذنا كل الاحتياطات اللازمة لأننا فى بعض الأحيان نقوم بأخذ عينات تداخلية من منطقة الحلق والتى تعد بيت ال كورونا فى الجسم بالإضافة الى أننا نتعامل مع عدو غير معلوم لأننا حتى الآن ليس لدينا خريطة مؤكدة لأسباب العدوى وبالتالى مهما أخذنا احتياطتنا فهناك يبقى هناك احتمال للإصابة .

وكيف أثرت إصابتهم على روحك المعنوية؟
أنا لا أهاب الموت وبالرغم من أنى شعرت بالخوف الشديد عليهم لأننا كنا عائلة واحدة ومع ذلك تماسكت أكثر لدرجة أننى فى يوم كنت مسئولة عن 32 حالة لوحدي بعدما أصيب الأطباء والتمريض واعتذر البعض الآخر عن الاستمرار من شدة خوفه على نفسه بعد تعرض زملائه للعدوى وقد عقدت لنا دكتورة هالة زايد اجتماعا أون لاين فى هذا اليوم لمواساتنا وطمأنتنا بأن إصابة الطاقم الطبى أمر طبيعى ويحدث فى كل مكان .

هل حدث تناقص أو زيادة فى عدد الحالات التى استقبلتها مستشفى العجمى؟
حدثت زيادة رهيبة فنحن بدأنا ب30 حالة ووصلنا فى آخر يوم لى بالعزل لأكثر من 500 وكلهم حالات حرجة .

هل اضطرتك الظروف إلى إجراء جراحة لأحد المرضى؟
نعم فقد كان هناك مريضة عندها سكر وسبق وتعرضت لعملية بتر فى ساقها، بالإضافة الى أن عمرها كان كبيرا وتطلبت حالتها جراحة خفيفة فقمت بها فى غرفة العناية المركزة لأن حالتها لم تكن تحتمل نقلها الى غرفة العمليات والحمدلله تمت الجراجة بنجاح والمريضة نفسها تعافت.

مدة تكليفك كان أسبوعين فلماذا طلبت مدها لشهر؟
أنا طلبت مد فترة تكليفى بشكل تطوعى بعدما أصيب أكثر من زميل لنا بالعدوى وكان هناك عجز فى الأطباء فشعرت أننى من واجبى أن أستمر في علاج المرضى حتى يتم توفير طاقم طبى جديد.

طول فترة وجودك بالعزل.. ألم يخلق علاقات إنسانية مع المرضى؟
بالعكس لقد أصبحت صديقة لمعظمهم خاصة أنه كان من بينهم طفلة لم يتجاوز عمرها 12 سنة انتقلت لها العدوى من خالها ولأنها صغيرة جدا فى السن لم تكن تدرك حجم الخطر ولا سبب عزلها فى غرفة بمفردها بعيدا عن أسرتها فكنت أحاول أن أقترب منها وأطمئنها بالرغم من أن بعض أفراد أسرتها كانوا فى نفس العزل لكن غير مسموح لهم بزيارة بعض ومن الحالات التى تأثرت بها جدا رجل عمره 75 سنة وكان يشعر أنها النهاية لامحالة لدرجة أننى طلبت له طبيب نفسى بعدما دخل فى اكتئاب حاد خاصة أن الحالة المعنوية لها دور كبير فى العلاج والشفاء وقد نشأت بيننا علاقة إنسانية لأنه لم ير غيرى طوال فترة العزل وهى بالمناسبة فترة قاسية جدا ولا أصف لك فرحتى عندما استجاب للعلاج وتعافى فقد كنت أشعر أن دورى ليس علاج المرضى فقط وإنما التخفيف عنهم لدرجة أني تركت لهم رقم تليفونى للاتصال بى فى أى وقت .

ألم تكن هناك وسائل اتصال داخلي؟
هناك طبعا اتصال داخلى ولكنهم كانوا يتحدثون معى تليفونيا بشكل شخصى للسؤال عن عدد حبات الدواء أو أى شىء أخر لمجرد أنهم يشعرون بالأمان خاصة أننا لم نكن ندخل لهم إلا ثلاث مرات فقط والباب يتم إغلاقه بالمفتاح من الخارج لاستحالة الخروج من الغرفة، لأنه غير مسموح لأى مريض الخروج من غرفته إلا بعد انتهاء فترة العزل، كما أننا كأطباء لايسمح لنا بالخروج من منطقة العزل على الإطلاق، فالأمر أشبه بالسجن.

هل تعرضت أنت نفسك للعزل بعد انتهاء فترة انتدابك؟
طبعا فبعد شهر من وجودى بالعزل كان لابد أن أعزل نفسى قبل التعامل مع الناس أو العودة الى بيتى فقمت باستئجار شقة صغيرة لمدة أسبوعين، وبقيت بمفردى تمامًا، حتى أتأكد أننى لم ألتقط العدوى وقد مرت هذه الفترة على أصعب من عزل المستشفى نفسه.

ولماذا لم تعزلى نفسك ببيتك؟
خشيت على أبى وأمى خاصة أن بعض حاملى العدوى لاتظهر عليهم أعراض ولكن  من السهل جدا أن ينقلوا العدوى لشخص آخر وبالتالى كان لابد أن أبتعد عنهم حتى لا أعرضهم لأى خطر.

لو طلب منك تكرار هذه التجربة مرة أخرى.. تكرريها؟
طبعا فأنا مستحيل أن أتخلى عن مسئوليتى أو الدور الذى كلفت به من الله سبحانه وتعالى فى الأرض.

من أين لك بكل هذه القوة؟
من الله وإيمانى أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.


دكتورة "هاجر حسن "


دكتورة "هاجر حسن "


دكتورة "هاجر حسن "


دكتورة "هاجر حسن "


دكتورة "هاجر حسن "


دكتورة "هاجر حسن "

[x]