المُعذبون في الأرض

3-5-2020 | 17:15

 

رجل مصري بسيط، نشأ وسط أسرة متوسطة الحال، درس وتعلم في المدارس الحكومية، تخرج في كلية طب قصر العيني عام 1967، وعمل طبيبًا في الوحدات الصحية بالقطاع الريفي في محافظة الغربية، إلى أن أصبح مديرًا لمستشفى الأمراض المستوطنة، أسس عيادته الخاصة عام 1975، ولاتزال حتى الآن، في عمارة بسيطة، وتبدو متهالكة، بالقرب من مسجد السيد البدوي، تهالكها يجعلك تعتقد للوهلة الأولى أنها خالية، أو مهجورة، ولا يقطنها أحد، لكن مشهد الناس الغلابة الذين يصطفون أمام العمارة، ويجلسون على درجات السلالم، ويغلقون مدخلها، في انتظار الدكتور محمد مشالي، أو طبيب الغلابة، أو ملاك طنطا، أو أي لقب يلقبونه به أهل طنطا، هو رجل بسيط زاهد في الحياة، لا يفكر في غير الناس الغلابة، وكيف يُساعدهم؟ رغم عمره الذي يُناهز الآن الـ75 عامًا، إلى أنه مازال يعمل بكامل طاقته من أجل الغلابة، من الساعة العاشرة صباحًا حتى التاسعة مساءً بشكل متواصل، وبعد ما يقرب من 11 ساعة عمل، يخرج من عيادته إلى محطة قطارات طنطا متجهًا إلى قرية "محلة روح"، ليصل إلى عيادته الثانية في تمام التاسعة والنصف، وبعد أن يُنهي عمله يستقل القطار مرة أخرى متجهًا إلى عيادته الثالثة في قرية شبشير الحصة، بعدها يعود إلى طنطا حيث يسكن، و الدكتور مشالي يعمل من أجل الغلابة 365 يومًا في السنة بدون إجازات، ومقابل كشف قيمته 10 جنيهات فقط في عيادة طنطا، و5 جنيهات في العيادات الأخرى، ويُجري التحاليل الطبية بنفسه دون أجر إضافي من أجل أن يوفر على الغلابة، وكما يقول الدكتور مشالي : هم لا يملكون قيمة الكشف أحيانًا، كيف يستطيعون إجراء تحاليل طبية.


و الدكتور مشالي لم ينس والده الذي أوصاه بالفقراء وهو في فراش المرض، ولم ينس أيضًا رائعة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين "المُعذبون في الأرض"، التي قرأها عدة مرات من شدة تأثره بها، التي تُجسد الواقع الذي كان يعيشه الشعب المصري خلال فترة الأربعينيات من القرن الماضي، واقع الفقر والمرض والطبقية، واقع حياة المُعذبين في الأرض ، في محاولة لتحريك مشاعر من يملكون قدرًا من الإنسانية لتغيير هذا الواقع.

دروس كثيرة نتعلمها من حكاية الدكتور مشالي مع الغلابة، التي تبدأ بعيادته التي ربما لم يُجدد أثاثها منذ أسسها عام 1975، وربما لم تُطل جدرانها منذ سنوات، لكنها عامرة بحب وامتنان مرضاه، ورغم الحياة البسيطة التي يعيشها، والتي تنحصر في التنقل بين عياداته الثلاث في عمل متواصل لأكثر من 16 ساعة يوميًا، دون إجازات، إلى أنه يشعر بسعادة بالغة، ويقول دائمًا لقد أعطاني الله أكثر مما أتمنى، وأكثر مما أستحق، حالة من الرضا تستحق التأمل، حالة إنسانية تجعلنا نرى أنفسنا أصغر مما نعتقد أمام هذا العطاء الإنساني.

خلال مشاهدتي لمجموعة اللقاءات التليفزيونية التي أجراها الدكتور مشالي ، وبصفة خاصة عندما اغرورقت عيناه وهو يتحدث عن بعض الحالات الإنسانية التي طرقت باب عيادته، تذكرت واقعة مر عليها 20 عامًا، كنت أكتب برنامج "رمضان الخير" لإذاعة صوت العرب، وكان يعرض مشاكل واقعية في شكل درامي، وكنت أزور الحالات بنفسي للتأكد من مصداقيتها، وكان من ضمن الحالات عم عبدالجليل، الذي كان يعيش في بيت مهجور لدرجة أنني راودني الشك في صحة العنوان؛ حيث كان نصف مدخل العمارة مدفونًا في الأرض، نتيجة قدمها، والعنكبوت يُغطي الأسقف والجدران، وقررت دخول العمارة بعد أن أكد لي أحد المارة أنه بالفعل يسكن هنا، لتظهر أمامي فجأة فتاة منكوشة الشعر ممزقة الملابس، يبدو من ملامحها وحركاتها أنها مريضة عقليًا، واشتبكت معي، وأنا أحاول تهدئتها إلى أن ظهر رجل ربما في الستين من عمره، أخذ في تهدئتها، وسألته: إنت عم عبدالجليل، قال لي: نعم، قلت له: احنا من إذاعة صوت العرب، برنامج "رمضان الخير"، فبكى الرجل وكان في حالة لا يرثى لها، واصطحبني للداخل.

في غرفة تطل على الشارع عبر سنتيمترات قليلة باقية من نافذة قديمة دفنها الزمن أيضًا، ورغم اتساع المنزل إلا أنه يخلو من أي نوع من الأثاث فلا يوجد شيء سوى البلاط.

لدينا الآلاف ربما الملايين يعيشون نفس الحياة التي يعيشها عم عبدالجليل، لكن كم دكتور مشالي لدينا؟، وكم نحتاج؟، لهؤلاء المُعذبين في الأرض الذين يعيشون بيننا؟، ف الدكتور مشالي لا يملك أموالًا يوزعها على الفقراء، لكنه يملك عِلْمًا يُداوي به مرضاه، وعلى مدار 50 عامًا لم يفكر في عمل ثروة من عمله كطبيب رغم أنه كان يستطيع، فالطبيب الذي يملك نفس الخبرة والكفاءة والشهرة يتقاضى ربما 300 جنيه أو أكثر وليس 5 أو 10 جنيهات من كل مريض.

ربما يعيش على هذه الأرض من يملكون أدوات إسعاد هؤلاء المعذبين في الأرض، لكنهم لا يملكون ما يملكه الدكتور مشالي من حب للخير والعطاء، ونعمة الرضا والقناعة، وربما أيضًا لا يشعرون بنفس ما يشعر به من سعادة ونفس مطمئنة.

كلمة أخيرة لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في رائعته "المُعذبون في الأرض":

إلى الذين يجدون ما لا ينفقون
إلى الذين لا يجدون ما ينفقون
يساق هذا الحديث،
mhmd.monier@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

مبقاش ينفع خلاص..

كنت أستيقظ يومياً مبكراً، خلال المرحلة الثانوية، وكنت أراه دائماً وأنا في طريقي لصلاة الفجر في المسجد المجاور للبيت، ملامحه مصرية أصيلة، يرتدي "البدلة

هرم الحياة "المقلوب"...

متاهة يعيش فيها الفأران "سنيف" و"سكوري" والقزمان "هيم" و"هاو"، وجميعهم يبحثون عن الجبن، وفي أحد الأيام ينفصل الفأران عن القزمين في ممرات المتاهة الطويلة، ولكن في يوم ما تجد المجموعتان ممراً مليئاً بالجبن في محطة الجبن (ج).

أخلاق بتاح حُتب

كنت لا أزال طفلًا عندما بدأت أرصد وأتابع تلك المشاهد التي كانت تجمع بين جدي ووالدي وبقية أعمامي، وكان فارق السن بين جدي وعمي الكبير 14 سنة فقط، وكنت أحيانًا أرى علاقة صداقة تجمع جدي بأبنائه، وكنت أسأل نفسي كيف نجح جدي في تحقيق تلك المعادلة الصعبة في التربية

هايكلير مصر..

منذ أيام كنت أشاهد فيلمًا وثائقيًا عن واحد من أشهر وأعرق القصور أو القلاع التاريخية في لندن، وهو قصر "هايكلير كاسل" الذي يضم 300 غرفة، وسط خمسة آلاف فدان من الحدائق، والذي تمتلكه عائلة تعود أصولها إلى الطبقة الأرستقراطية البريطانية وهي عائلة كارنارفون.

الجاسوس الذي دافع عنه أينشتاين..

يقول الفيلسوف وعالم الرياضيات البريطاني "بيرتراند راسل": إن أي نظرية علمية يجب أن تقوم على معادلة رياضية تتضمن إرادة إنسانية في مقدمتها وقبل أي عنصر من

الإمارات.. لماذا تبقى مختلفة؟

أثبتت الأيام القليلة الماضية أن كورونا ليس مجرد فيروس اجتاح العالم، وحصد مئات الآلاف من الإصابات، وعشرات الآلاف من الأرواح، بل هو أيضًا فيروس إعادة موازين

ورحل فيلسوف السينما سمير فريد

لم أكن أعرف بمرضه حتى يوم وفاته، ليس تقصيرًا مني في السؤال عنه، ولكنه كان قويًا ومقبلًا على الحياة بدرجة تُشعرك دائمًا أنه الأفضل صحة والأكثر شبابًا ونشاطًا،

هل يمكننا إسكات الأغبياء؟!

منذ أشهر قليلة نشر أحد الأصدقاء على صفحته الخاصة على فيسبوك مجموعة من أبيات الشعر الشهيرة، والتي لا تحتاج إلى التعريف بمبدعها، وأعتقد أن ناشر تلك الأبيات

"قصيرة التيلة" منيلة بنيلة..!

ما زلت أذكر المشهد السينمائي العظيم الذي جَسَّده الفنان محمود المليجي "محمد أبوسويلم" في فيلم الأرض الذي أخرجه يوسف شاهين، والذي تدور أحداثه خلال عام 1933، عندما سقط على الأرض وقيَّده مأمور القسم بالحبال من قدميه في حصانه وأخذ يجره سحلاً، فقط لأنه كان يدافع عن أرضه، وبدا المليجي شارد الذهن،

تنشيط السياحة بالصعق بالكهرباء!

رغم قسوة الواقعة إلا أنني لم أكن مندهشًا من وقوعها، وبرغم كارثية التفاصيل إلا أنني لم أسأل نفسي السؤال التقليدي "هو فيه كده؟!".

لا تتاجروا بتعبي ومجهودي وطموحي

"الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، لكن نحن نحارب الناجح حتى يفشل"، كلمات تشخص الواقع العربي قالها العالم المصري الدكتور أحمد زويل عبر رسالة مُسجلة له من كاليفورنيا..

يا جماعه أنا مسيحي

عشت فترة طفولتي خلال الثمانينيات، وخلالها كان الشارع المصري يتكون من نسيج ثابت لا يتغير من شارع إلى آخر، مع اختلاف الشخصيات التي تمثل هذا النسيج، ولا أتذكر أنني سمعت كلمات من نوعية مسلم، مسيحي، شيعي، سني، فتنة طائفية، كلها كلمات لم تكن ضمن القاموس اللغوي للشارع المصري..

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]