العودة للعمل.. التعايش مع «كورونا» السبيل للخروج من الأزمة

3-5-2020 | 17:19

التعايش مع كورونا

 

تحقيق ــ محمد القزاز

  • هاني توفيق: لابد من تعديل الخطط والمبادرات المطروحة للخروج بأقل الخسائر
  • الدول الأوروبية بدأت تخفيف الإجراءات رغم كثرة الإصابات ووضعنا أفضل كثيرًا
  • فرج عامر: الصناعة هى الأكثر تضررًا.. وعودة العمل يجب ألا تتأخر
  • د. خطاب: الكمامة والتباعد لابد أن يكونا أسلوب الحياة فى الفترة المقبلة.. أطالب بضم المستشفيات الجامعية لمنظومة وزارة الصحة فى الحجر والعزل

وسط عالم مليء بالإحباط والعجز أمام هذا الوباء المتفشي، لم يعد الاستسلام له أمرًا مرغوبًا؛ بل أصبح من المستحيل أن يبقى الناس في بيوتهم رهن الحجر المنزلي ، لا يمارسون أعمالهم أو يتابعون نشاطهم، فالنتيجة هى انهيار اقتصادى يصيب الأسرة والحكومة، وإلى أن يتم إنتاج لقاح أو علاج للفيروس ، لم يبق إلا التعايش معه، والسماح بالعمل ونزول الناس في الأوقات المسموح بها، على أن تنتقل مسئولية الدولة إلى الأفراد، لإلزامهم بالإجراءات الاحترازية، من ارتداء الكمامات والمحافظة على المسافات الآمنة فى التباعد بينهم.

الرغبة فى العودة للعمل أصبحت تجتاح العالم كله، فوجدنا مظاهرات في دول أوروبية عديدة، وفى أمريكا من أجل للعمل؛ حيث كان لسان حال المتظاهرين "نصاب بالمرض ولا نصاب بالبطالة" ولذلك بدأ العالم يتجه تدريجيًا للتعايش مع فيروس كورونا المستجد، من خلال رفع إجراءات العزل بدءًا بالقطاعات الاقتصادية، بعدما تكبدت خسائر لا حصر لها، حيث قرر عدد كبير من الدول السماح لمواطنيها باستئناف جزء من الحياة العادية، بشرط اتخاذ إجراءات التباعد الاجتماعى والوقاية وارتداء الكمامات بشكل إجبارى في الأماكن العامة ووسائل النقل، كما حدث فى ألمانيا على سبيل المثال.

بدورها، وضعت منظمة الصحة العالمية، إرشادات فنية للدول التى ترغب في تخفيف إجراءات مكافحة فيروس كورونا، منها مدى السيطرة على انتشار كورونا من عدمه، وفى حالة الانتشار يجب التعرف على المخالطين وتتبعهم، مع السيطرة على الانتشار بالاكتشاف والاختبار والعزل وتقديم الرعاية وحجز المخالطين، وتقليل مخاطر التفشى على مستوى أكبر، من خلال معرفة أسباب الانتشار والتحكم فيها، مع تطبيق الإجراءات الاحترازية اللازمة، مثل التباعد الاجتماعي، وتقليل خطورة تفش جديد للفيروس باتباع إجراءات مكافحة العدوى داخل المستشفيات، ومسح لكل الفرق الطبية والمرضى ومتابعة الحالات الحرجة، مع منع الانتشار فى الأماكن المغلقة التى يصعب فيها تطبيق التباعد الاجتماعي، مثل السينما والمسارح والمطاعم وصالات الجيم والملاهى الليلية، كما يجب العمل على زيادة التباعد الاجتماعى فى الأماكن المزدحمة، مثل مواصلات النقل العام والمدارس والجامعات والتجمعات الكبيرة والأحداث الرياضية، لتقليل فرص انتقال الفيروس .

خطة للتعايش مع الفيروس

ومن أجل العودة للعمل، والتعايش مع الفيروس فى مصر، كان لابد من وجود خطة وإجراءات للتعايش، وهو ما عرضته الدكتورة هالة زايد وزيرة الصحة، على رئيس الحكومة الأسبوع الماضي، ومن ملامح هذه الخطة وضع إرشادات عامة يكون على الأفراد والمنشآت الالتزام بها، إلى جانب معايير إلزامية يجب توافرها فى القطاعات المختلفة، كالمؤسسات والشركات، والمولات والأسواق، وقطاع البناء والمصانع، وكل وسائل المواصلات.

ولكن هل ما سبق هو فقط الإجراءات المطلوبة للتعايش، أم هناك إجراءات أخرى طبية واقتصادية، الدكتور عادل خطاب أستاذ الأمراض الصدرية، عضو اللجنة العليا للفيروسات التابعة للتعليم العالي، يرى أن التعايش مع الفيروس أصبح واجبًا، فالعالم كله بدأ هذه الخطوة، وبالتالى فإننا فى مصر لابد من اتخاذ هذه الخطوة، لكن، مع أخذ الحذر والحيطة، فارتداء الماسك لم يعد رفاهية بل إلزاما لكل مواطن قرر الخروج من بيته، فلابد أن يكون أسلوب حياة للتعايش الفعلى مع الفيروس، وهذا السلوك لابد أن ينبع من المواطن نفسه، وليس فقط إلزام الدولة به للمواطنين، ويترافق ذلك مع التباعد الاجتماعى فى جميع المنشآت والمصالح الحكومية والخاصة، وهذه تحتاج تنظيما وإلزاما.

توسيع دائرة وعدد المستشفيات

لكن، مع هذه الإجراءات التى يعرفها الجميع، ينبغى كذلك أن تشمل الإجراءات المفترض اتخاذها، أن يتم توسيع دائرة المستشفيات التى تقوم بالحجر والعزل، ولدينا فى مصر 113 مستشفى جامعيا فى مصر، يوجد بها 2800 ج هاز تنفس صناعي ، فضلًا عن مستشفيات القوات المسلحة، وهى بالأساس تستقبل مدنيين، وهنا ينبغى أن تدخل هذه المستشفيات منظومة وزارة الصحة لتقوم بتخفيف الضغط الحادث على مستشفيات الصدر والحميات.

ويستشهد د. عادل بما يطالب به من ضم هذه المستشفيات، بما أصدرته وزارة الصحة مؤخرًا من تعليمات بالعزل لمصابى فيروس كورونا المستجد (كوفيد ـ 19) في حالة عدم ظهور أعراض على المصاب، أو فى حالة ظهور أعراض بسيطة، ويقرر الطبيب المعالج إمكان عزله منزليا، أما فى حالة وجود أعراض متوسطة إلى شديدة يتم حجز الحالة فى المستشفي، بل إنه يجب استغلال ماهو متاح لدينا، ويكون تحت إشراف جهة واحدة فقط وهى وزارة الصحة، وأن تقوم بالتوسع فى المسح أكثر، ووجود هذه المستشفيات يساعدها على ذلك، إضافة إلى أن يكون بكل محافظة خط ساخن للإبلاغ عن الحالات المشتبه فيها، وضم معامل هذه المستشفيات فى اختبارات الفيروس.


عودة عجلة الاقتصاد أصبحت ضرورية

هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، قال إن فكرة وجود إجراءات احترازية في المصانع والشركات هو أمر لا مفر منه، وأن يتم التشديد على التباعد الاجتماعي، وأننا مقارنة بالدول التى اتخذت إجراءات احترازية، فإن أعداد الإصابات والوفيات لا يقارن بما يحدث فى هذه الدول، فضلًا عن أن الفيروس فى منطقة شمال إفريقيا والدول العربية لا يزال ضعيفا، فالخوف الكبير مع بداية الفيروس تلاشى كثيرا، وعليه، فإن العودة للعمل أصبحت مطلوبة، لكن المطلوب على المستوى الاقتصادى والنقدى أن تتم إعادة النظر فى قرار البنك المركزى فى سعر الفائدة، ذلك أن معظم البنوك المركزية فى العالم تسعى الآن إلى زيادة السيولة فى الأسواق، فالسيولة ببساطة تعنى زيادة الاستهلاك وتنشيط الدورة الاقتصادية، وأناسا يعملون وينفقون، وفى حال رفع الفائدة فإن هذا الإجراء يعنى سحب السيولة من السوق، أضف إلى ذلك أننا أيضا فى حاجة إلى إعادة النظر فى المبادرات التى تم إطلاقها خلال الفترة الماضية، وكانت موجهة إلى رجال الأعمال من تأجيل الضرائب ومد أجل سداد القروض وغيرهما، فكان ينبغى أن توجه هذه المبادرات إلى أسر العمالة غير المنتظمة المتضررة، وهؤلاء حين يتم توجيه هذه المبادرات إليهم وإعطاؤهم مبالغ نقدية أكثر مما تم تحديدها مثل الـ 500 جنيه، سوف يتم ضخها بالأسواق وتدور عجلة الإنتاج، فتخفيض سعر الفائدة 3% أدى إلى خفض فى عجز الموازنة نحو 150 مليار جنيه، فكان توجيه هذا المبلغ إلى الأسر الأكثر فقرا أجدى وأنفع.

الأزمة الاقتصادية أصابت العالم كله، وليس مصر فقط، وبالتالى لا تزال أمامنا الفرصة لتعديل الخطط والرؤي، بما يعود بالفائدة على الاقتصاد المصرى مستقبلا، فالولايات المتحدة على سبيل المثال تقوم بدعم أصحاب الأعمال شرط ألا يتم تسريح العمالة، وينبغى أن يرتبط الدعم فى مصر للمصانع والشركات بهذه الرؤية، فالممارسات التى تمت بحسن نية خلال الأزمة نستطيع تعديلها، فتعديل سياسات اقتصادية ونقدية هو أيضا إجراءات احترازية مطلوبة.

الصناعة هى الأكثر تضررا

بدوره يؤكد المهندس فرج عامر رئيس لجنة الصناعة بالبرلمان، أن الصناعة هى الأكثر تضررا من أزمة كورونا، وينبغى الاعتراف بذلك، ومن ثمّ فإن عودة دورة العمل ينبغى ألا تتأخر أكثر من ذلك، مع الحرص والالتزام والتشديد فى الإجراءات الاحترازية، فمع الاعتراف بأن الإجراءات الاحترازية تقلل من كامل الإنتاج بسبب قلة العمالة الموجودة للالتزام بالتباعد الاجتماعي، إلا أننا ينبغى أن نسير فى اتجاه عودة العمل وعدم التوقف عن ذلك، فما حدث خلال الفترة الماضية هو أن جميع الأسواق حدث لها ارتباك كبير، وذلك بسبب الحظر وغلق المحال والأسواق فى مواعيد مبكرة، فضلا عن أن كثيرا من المصانع كثيفة العمالة متوقف عن العمل، ولذا ينبغى عودتها سريعا، واتخاذ الحكومة قرارات تصب فى هذا الشأن من خلال عودة العمل والتعايش مع الفيروس.

ولا شك كما يرى عامر أننا حتى الآن لم نجد لقاحا أو علاجا للفيروس، وبالتالى العالم كله هو فريسة لهذا الفيروس، وعلينا أن نتعامل مع هذا المنطق، بأننا فريسة له، والتعامل هنا ألا يتمكن منا هذا الفيروس من خلال أخذ الاحتياطات اللازمة والمطلوبة، فالاقتصاد متأثر وسوف يتأثر، ولكن ينبغى ألا نستسلم لذلك، فعلى كل مصنع ومصلحة أن يواصل التعقيم باستمرار، وأن يكون هناك كواشف حرارية ولبس الماسكات ووقف الاجتماعات والتجمعات، خاصة أن مصر اكتسبت خبرات جيدة خلال الفترة الماضية للتعامل مع المرض والمصابين، فضلا عن أن الخوف من المرض والإصابة به أصبحا أقل كثيرا من أى وقت مضى لدى المواطنين، وبالتالى أصبح الوقت مناسبا لفتح المصانع والشركات والتعايش مع الوضع الجديد.

الدكتور مدحت نافع، رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات المعدنية، التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام، نظر إلى ما تسعى إليه الحكومة من تعايش مع الفيروس بأن الكثير منه مطبق بالفعل خاصة داخل مناطق العمل، لكن الجديد فيما يتعلق بإجراءات جديدة للتعايش فهو دور خبراء الصحة، ما يهمنا هو أنه عندما تتخذ هذه الإجراءات أن تكون معدلات الإصابة عند مستويات آمنة، أو تكون آخذة فى النقصان، لكن إذا حدث العكس لا قدر الله فلا تملك وقتها إلا مزيدا من إجراءات التباعد، ومزيدا من إجراءات المسح على أكبر عدد يكون معرضا للإصابة، وفى النهاية يكون الاسترشاد بخبراء الصحة فى هذا الطرح.

فالموجة الأولى من تفشي المرض لم تنته بعد، والعالم الآن يتحضر للموجة الثانية، وعليه إذا أراد المواطنون العودة إلى العمل فلابد من الانتباه جيدا، وألا تتم الاستهانة بالمرض واعتباره دور إنفلونزا عادية، بل أخذه على محمل الجد، وعدم الاستهانة بالإجراءات التى توصى بها الدولة وخبراء الصحة.

 

نقلا عن صحيفة الأهرام

الأكثر قراءة

[x]