[x]

كتاب الأهرام

جرائم النت بين غياب الأسرة ومسئوليات الدولة

1-5-2020 | 00:17

من وقت لآخر تطل علينا جريمة من جرائم مواقع التواصل الاجتماعي ما بين خلايا منحرفة وكتابات ساقطة وهجوم يتجاوز كل القيم والأخلاق.. لقد اتسعت دوائر هذا الإخطبوط ووجدنا ملايين الشباب من أبنائنا يسقطون في هذا المستنقع من البذاءات والشتائم والسلوكيات المريضة لقد خرج كل شيء من أيدينا وأصبحت هناك أطراف أخري تدير كل شيء من خارج الحدود ومن وقت لآخر يقفز إلي مقدمة الأحداث موقع من المواقع يشوه كل شيء..


> لا أحد يعلم كيف تدار هذه المواقع ومن يتحكم فيها، ولأنها بالملايين أصبح من الصعب مراقبتها أو معرفة مصادرها ومن يقف وراءها، خاصة أن الكثير من هذه المواقع أصبح الآن تحت وصاية أجهزة حساسة وتديره دول وعصابات وأموال طائلة ولا تستطيع دولة الآن أن تتحكم فيما يصل إليها من القصص والأخبار والمغامرات والأعمال المنافية للآداب.. إن الإنسان يجلس في بيته وهو لا يعلم ما يحدث من أبنائه علي هذه المواقع، إن كل شيء يدور في غرف مغلقة حيث تظهر الصور والعلاقات المشبوهة والكلمات الساقطة، والأب والأم أخر من يعلم وقد تكون المفاجأة أن يجد نفسه مطلوباً أمام أجهزة الأمن والقضاء في أشياء تمس أبناءه وهو لا يعلم عنهم شيئاً..

> أقول هذا وهناك سيل من الأسئلة يدور في الشارع المصري حول ما وصلت إليه مواقع التواصل الاجتماعي من التردي والانحطاط في السلوك والبذاءات والأعراض والجرائم وما أكثر الشواهد التي تؤكد أننا نعيش محنة حقيقية يبدو انه من الصعب أن نجد لها حلولا:

> كلنا يعلم ما حدث فى مواقع النت والفيس بوك وانستجرام والواتس آب من علاقات مشبوهة وصلت إلى وجود شركات عالمية تستخدم الشباب فى أعمال وسلوكيات غريبة فيها الأموال والعلاقات، حتى أصبحت أنشطة عالمية تدار فى عواصم بعيدة ويجتمع حولها الشباب من كل الأجناس لا أحد يعلم كيف يمكن مراقبة هذه الأنشطة وكيف نحمى شبابنا وفتياتنا منها خاصة أنها تدفع أموالا طائلة فى أنشطة مشبوهة..إن ملايين الشباب الذين يجلسون فى بيوتهم بلا عمل يبحثون عن هذه الوسائل حتى لو كانت تعمل خارج نطاق الأخلاق والسلوك السليم..فى كل يوم يظهر موقع جديد وربما اكتشفنا مصادفة انه يدير خلايا ويدمر الشباب ويفتح أمامهم أبواب الانحراف والسقوط..إن مواقع اليوتيوب الذى يرتادها الملايين أصبحت الآن من اخطر أبواب الانحراف لأنها تقدم كل شىء وتعرض ألوانا من الصور الفاضحة والموضوعات الشاذة وهى منصات يومية لإفساد الشباب فى كل مكان حيث أصبح من السهل على أى إنسان أن يفتح قناة ويقول ويفعل فيها ما يشاء..لا اعتقد أن هناك سلطة مهما كانت تستطيع أن تضع حداً لهذه الظواهر الخطيرة أو تتابع مصادر أموالها..

> لم يعد دور مواقع التواصل الاجتماعي مقصورا على العلاقات والظواهر المشبوهة التى تتنافى مع الأخلاق ولكنها تحولت إلى منابر وأبواق سياسية بغيضة وأصبح من حق أي مغامر أن يطلق قذائفه كل يوم من هذه المواقع بكل ما فيها من الأكاذيب والبذاءات والشتائم، وللأسف الشديد أن هذه المستويات المريضة تجد تجاوبا من الناس بل إن هذه المظاهر أصبحت الآن تتمتع بصدى كبير وتجد من يبحث عنها ومن يصدقها، وللأسف الشديد غابت الضوابط تماما فى نشاط هذه المواقع وهى لا تخفى أغراضها وأهدافها ولا تتردد فى أن تعلن من يقف وراءها ويساندها..إن أخطر ما فى هذه المواقع أنها تعمل لحساب أجهزة عالمية وحكومية مشبوهة وتستطيع أن تجند كل يوم من ينفذ برامجها وأهدافها..

> لم يعد خافيا أن الكثير من هذه المواقع يخضع لسياسات وبرامج وقوى خارجية خاصة أن الدول الكبرى التى أنتجت هذه التكنولوجيا مازالت تحتفظ بأسرار كثيرة فى برامج وأساليب هذه المواقع حتى أن البعض يؤكد أن المؤسسات العالمية الكبرى التى تنتج هذه التكنولوجيا الحديثة تستطيع أن تخترق هذه الأجهزة الصغيرة وتحصل على ما تريد من المعلومات بل إنها وصلت إلى مواقع خاصة بالدول وما لديها من الأسرار والبيانات والخطط حتى فى أكثر الأشياء سرية مثل البيانات العسكرية والاقتصادية وما يخص الأمن القومي للدول فى كل المجالات..

> لا نستطيع أن نفصل بين أهداف هذه البرامج والأحاديث القديمة عن العولمة وكيف كان الهدف منها أن تذوب كل الحضارات والثقافات فى وعاء واحد هناك أدلة كثيرة تؤكد نجاح ذلك فى الكثير من المجالات الفنية والثقافية نحن الآن نعيش عصر الغناء الواحد والسينما الواحدة والثقافة الواحدة.. وعلى سبيل المثال فإن تجارب الفن الهابط فى الثقافة العربية وجدت طريقها للناس من خلال قنوات للغناء والأفلام وبرامج الإسفاف والعرى والدعارة وكثير من قنوات العلاقات المشبوهة كانت من خلال مواقع النت للعالم المتقدم ولا يوجد للدول الفقيرة أو المتخلفة دورً فيها بما فى ذلك حماية شعوبها فلا تستطيع دولة أن تحمى نفسها وشعبها وثقافتها من هذا الطوفان..إن العالم العربي على سبيل المثال وأجياله الجديدة لايتحدث اللغة العربية ولم يعد يسمع الغناء العربي ولم يعد يشاهد السينما العربية والأخطر من ذلك انه لا يقرأ الآن شيئا من تاريخه أو ثقافته أو دينه..إن هذا يؤكد أننا نواجه مؤامرة كبرى لتشويه البناء الفكري والثقافي والاجتماعي والإنساني للشعوب..نحن أمام عملية استنساخ تستخدم فيها احدث ما وصلت إليه تكنولوجيا العصر من أجل إنشاء إنسان جديد وأكبر دليل على ذلك نجاح عمليات التشويه التى أصابت الشباب العربي فى ظل العولمة..

> إن كل النماذج الشاذة التى ظهرت فى مواكب الشباب العربي كانت بسبب هذا التحول الخطير الذي جاءت به مواقع التواصل الاجتماعي ابتداء بالشذوذ والإلحاد والعلاقات المشبوهة وأوكار الفضائح فى السياسة والفكر والأخلاق..

> لا أحد ينكر أهمية هذه المواقع فى ثورة المعرفة والمعلومات والثقافة والتكنولوجيا وإننا جزء من هذا العالم ولكن الخطر فيه أننا أخذنا أسوأ ما فيه خاصة عملية التشويه التى تعرض لها الشباب العربي وغيرت الكثير من الثوابت والمفاهيم فى الدين والأخلاق والسلوك..

> لا شك أن الظواهر الغريبة والشاذة كانت تحتاج إلى من يرشدها ويضع من الضوابط ما يحمى شبابنا منها.. يأتي فى مقدمة هذه الضوابط دور الأسرة التى غابت تماما بل إن التكنولوجيا الحديثة لم تسرق الأبناء فقط ولكنها سرقت الأسرة بالكامل وكما يجلس الأبناء فى غرفهم المغلقة والآباء لا يعرفون عنهم شيئا جلس الآباء بعيدا عن الأبناء ولا احد يعلم شيئا عن الآخر..فى زمان مضي كان من الصعب أن تتحدث الابنة فى تليفون البيت مع زميل لها فى الكلية ولكنها الآن لا تتحدث فقط.. وكان الأب يطمئن على أولاده فى غرف نومهم ولكنه الآن لا يعرف عنهم شيئا..إن غياب الأسرة جعل حياة الأبناء مشاعا لا يعرف أحد عن الآخر متى نام وهل عاد إلى البيت وهل مازال يفتح الأبواب بكل قارات العالم قبل أن ينام..إن الخطأ ليس فقط فى استخدام التكنولوجيا ولكن الخطأ الأكبر هو غياب الأسرة وغياب الرقابة وهذه الجزر البعيدة التى أصبحت تحكم العلاقات الإنسانية..

> اعلم أن فى وزارة الداخلية وحدة أمنية وقانونية لمتابعة ما يجرى فى عالم التواصل الاجتماعي وأن هذه الوحدة تتلقى الشكاوى من المواطنين خاصة فى تلك القضايا التى تتعلق بالسلوك والأخلاق ولكن هناك أبواب أخرى يتسلل منها المغامرين من أصحاب النيات السيئة ليس فى الأخلاق فقط ولكن هناك أوكار سياسية تؤدى أدواراً مشبوهة وتحصل على أموال ضخمة وهى تلعب أدوارها بوضوح أمام العالم كله.. مثل هذه الأوكار لا يمكن أن تعامل بأساليب مشابهة ولكنها تتطلب إجراءات أمنية لمعرفة مصادرها ومن يقف وراءها خاصة أن أعدادها كبيرة ولديها إمكانيات ضخمة وتحركها إغراض وأهداف مشبوهة..
> إن الشىء المؤكد أن إيقاف هذه الظواهر امر صعب بل يعتبر مستحيلا والدول الفقيرة لا تستطيع أن تصنع ما صنعته الصين حين فصلت نفسها عن شبكات النت والتواصل الاجتماعي العالمية وأقامت لنفسها شبكات خاصة لأن هذا يتطلب أموالا ضخمة ولكن لا ينبغي أن تترك الدولة الحبل على الغارب ولا تتحرك إلا إذا ظهرت قضية أو فضيحة أو إحدى الجرائم، وهنا لابد أن يتسع نشاط الوحدة المخصصة لذلك فى وزارة الداخلية لابد من إيجاد صيغة لحماية شبابنا..إن أغلب الشائعات والأكاذيب كان مصدرها مواقع التواصل الاجتماعي النت والفيس بوك وإنستجرام والواتس اب وغيرها..أنا لا أطالب بالرقابة عليها لأن ذلك يبدو شيئا صعبا ولكنني أطالب بوضع ضوابط تحمى شبابنا..إن هذه الأساليب الحديثة تفيد فى التعليم وتنمية الوعي والتواصل مع العالم وقراءة لغة العصر ولكن هناك آثار جانبية سيئة يجب أن نحمى شبابنا منها لأنها قد تفسد علينا كل شىء..

ويبقى الشعر

ركبُ الزمان ِ يطوف فى عبراتى
وأنا أراكَ تطل مـن عرفـــــــاتِ
وأمامكَ التاريخُ يسجـــدُ خاشعــــًا
والحقُ حولـَكَ شامـخُ الرايـــــاتِ
وتودعُ الدنيا بوجــهٍ مشـــــــــرقٍ
فيه الجلالُ .. ونبلُ كلِّ صفـــــاتِ
تبكى الجموعُ وأنتَ تهمسُ بينهـــا
قد لا أراكم فى الحجيـِــــج الآتـى
لكننى أودعــــــتُ فى أعناقكــــــــم
قرآنَ ربى .. سيرتى وحيـــاتــــى
لا لن تضلوا إن تمسكتــــــــم بـــــه
فخلاصُ هذى الأرض ِفى آياتى
ويطلُ وجُهكَ خلف ستر ٍ خافــــــتٍ
فترى حشودَ الحق ِ فى الصلـواتِ
وترى الوجوهَ وقد أضاءَ جلالـُهـــــا
والدهرُ يكتبُ أقدسَ الصفحـــاتِ
وتصيحُ فيهم أن غــايةَ ديننـــــــا
طهرُ القلوبِ ورفعة ُ الغايــــــاتِ
فجرُ الضمير رسالتى لا ترجعوا
للكفر بعدى.. فى ثياب طغـــــاةِ
لا تقربوا الأصنامَ بعدى إنـــــــها
بيتُ الضلالِ.. وآفـُة الآفـــــــاتِ
ولتعْبدوا الرحمنَ ربًا واحــــــــدًا
فعلى هداهُ تفجرتْ صيحـــاتـــــى
الله خالقُ كل شىء فاجمعــــــــوا
أشلاءَكم بالحقِ والرحمـــــــــاتِ
وحدتُ أشلاءً .. جمعتُ شراذمـــًا
وجعلتُ من طللِ الشعوبِ بُنـَاتى
الظلمَ فى ركبِ الحيـــاةِ ضلالــــةُ
والعدلُ نورُ اللهِ فى الظلمـــــــاتِ
والذْمُ فى وجهِ الحيــاة جريمــــــة ٌ
وتميمة ٌ للرجسِ واللعنـــــــــاتِ
والحقُ أولى أن تـُصانَ حصـــونـُه
ليظلَ تاجَ الأرض ِوالسمــــــــــواتِ
والأرضُ عرضٌ والدماءُ محــــارمٌ
ونقاءُ مالِ المرءِ بالصــدقـــــــاتِ
حرية ُ الإنسان ِغايـــة ُ ديننـــــــــا
وطريقـُنا فى كل فجـــرٍ آتــــــــى
ونساؤكم فى كل بيتٍ رحمــــــــــةٌ
تاجُ العفافِ وسَــــامُ كل فتــــــــــاةِ
والعدلُ دستورُ الحياةِ فإن مضــى
هَرعتْ حشوُد الظلـــم ِ بالويـــلاتِ
والحكمُ عدلٌ والشرائعُ حكمــــــةٌ
والنفسُ عنــدى أكبـــــرُ الحرمـاتِ
أهلُ الكتابِ لهم حقوقٌ مثلنـــــــا
فى الأمن ِ..فى الأوطان ِ..فى الصلواتِ
اللهُ ساوى الخلق وحد بينهـــــــــم
فى العيش..فى الأنسابِ ..فى الدرجاتِ
أما الحياة ُوديعة ٌفى سرهــــــــــا
هل يستوى الأحياءُ بالأمـــــــواتِ ؟
ويلٌ لأرضٍ ماتَ فجرُ ضميرها
موتُ الضمائِر قمـــــــةُ المأســــاةِ
لكننى أيقنتُ أن رسالتــــــــــــى
فيها الهدى من خالقِ السمـــــــواتِ
بلـّغْتُ يا اللهُ فاشهد أننــــــــــــــــى
لم أنسى حق رعيتى ورُعاتـــــــــى
زوروا المدينةَ.. وأذكرونى عندها
من زار قبرى صافحته حياتــــــــى
أنا لم أكن إلا رسولا ً قد خلـــــــتْ
قبلى رسالاتٌ وهدىُ عظـــــــــــاتِ
بشرٌ انا.. ما كنتُ ربًا بينكــــــــم
بل كنت فجرًا لاح فى لحظــــــــاتِ
وأفاضَ فى الدنيا.. وأيقظ َأهلهـــا
بالحقِ.. والَتـَنزيلِ.. والآيـــــــاتِ
فإذا بدا فى الأفقِ غيـــمٌ عابــــــثٌ
صلوا على.. وأكثروا الصلــواتِ

«من قصيدة على باب المصطفى سنة 2010»

نقلا عن صحيفة الأهرام

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة