الإمام الطيب .. والأيام العجاف

30-4-2020 | 21:22

 

ما كان ليصمت وقت أن اشتد الوجع، وزاد الألم، في وقت اشتغل فيه الجميع بالأزمات الطاحنة، التي باتت الشغل الشاغل، ليس لدولته فقط، بل لعالمه، من ظهور فيروس" كورونا "، الذي يضرب البشرية في مقتل، لم يفرق بين مسلم ومسيحي، أو يهودي وبوذي، ولا بين أبيض وأسود، ولا بين كبير أو صغير، ولا بين رجل أو امرأة، ولا بين غني أو فقير، "الكل بات فى الهم سواء".


نكبات وصروف ألقى بها الدهر، تدمي القلوب، وتقشعر منها الأبدان ، من معاناة الفقراء، وإغلاق المساجد والكنائس والمدارس والجامعات، وتعطل مصالح البلاد والعباد، واستقبال الشهر المعظم " شهر رمضان "، بالتباعد والتوجس، رغم أنه خير شهر لصلة رحم، نهاية بمخاوف اقتصادية فرضتها الأحداث الراهنة.

تلك الأيام العجاف التي تعاقبت فينا تعاقب الليل والنهار، كادت تقضي على روحانيات شهر كريم هو خير شهور الله، ينتظره المسلمون حول العالم من العام للعام، نتيجة غياب بريق حفاوته، وتعطل عاداته وطقوسه، التي تعودنا عليها على مر الأزمنة والعصور، فلم نكد نشعر بوجود رمضان الرحمات بيننا، بعد أن أغلقت المساجد أبوابها دون إعمار، وبعد أن ضاقت الساحات ذرعا من غير رواد، وبعد أن اختفت موائد الرحمن التي كانت تزين الطرقات والشوارع، فقد تلاشت طقوس كانت تبث الطمأنينة والسكينة في نفوسنا، وتطرح الخير والأجر في ميزان أعمالنا، وتجعل لنا بابا مواربا نلقى به ربنا فى قابل أيامنا، وها نحن قد امتلأت قلوبنا أحزانا وحسرات نتيجة فقدانها وافتقادها، بسبب أزمة أوقد شرارتها فيروس " كورونا "، نسأل الله أن يطفئ لهيبها، وأن يجعلها بردا وسلاما على العالمين.

لكن لا يدوم السواد طويلا، طالما يوجد رب الظلام والنور، يدبر لنا ويسخر لنا من خلقه، من يخفف الأوجاع، ويطبب الجراح، ويصف السبيل لمن يضل طريق الفلاح، فبين هذه الأيام العجاف، شاءت إرادة الله أن يقيض الله لنا رجلا من أهله، فكان الإمام الطيب ، شيخ الأزهر، الذى طل علينا ببرنامجه السنوي" الإمام الطيب "، يبحر بنا بعيدا عن المغالاة والتشدد يأخذنا بوسطيته التي تميز بها الإمام الفيلسوف إلى إعمال العقل والمنطق والاستعانة بالحجج المنطقية، يبحث معنا في غاية ومقاصد الأشياء مع المحافظة على تراث المسلمين وثوابت دينهم، تميز بانفتاحه على الحضارات المختلفة مع تمسكه بالأصول، إيمانا منه بأن تقدم الأمم مبني على مدى تواصلها مع الحضارات المختلفة مع تمسكها بأصولها.

لم يكتف الإمام الطيب كعادة برنامجه - الذي وصل عامه الرابع - بتناول مجموعة من القيم التي يجب أن يتحلى بها كل إنسان، بشكل يضمن السعادة للجميع، وإنما حمل هموم الناس وراح يحدثهم بما هو أكثر شغلا لهم، فكان حصنا منيعا ضد من يستغلون حاجة الناس وقت شقائهم، للتغرير بهم وتدمير عقولهم، وتفريقهم لفرق وجماعات، ففي عام ناقش قضية فلسطين وعروبتها، وفي عام آخر عالج قضايا الأسرة ، وما يتعلق بها من أحكام الطلاق والزواج ، وبين حقوق الطفل ، ودافع عن دور المرأة ومكانتها، وفي هذه المرة يخاطبنا في واقعنا المعيش، ليذهب ظلام أيامنا، فكانت كلماته صيحة حق، ولسان صدق تخفف عن الناس شقاء أيامهم وترد عليهم شرود أفكارهم التي ذهبت بها الأيام بعيدا، فأضاء للناس طريقهم في ذروة ظلام الأيام.

تساؤلات عديدة تدور في عقول الناس، نتيجة المستجدات التي نعيشها، حالة من الارتباك، وتضارب في الآراء عن كيفية التعايش مع هذا الوباء، وكيف يمارس العباد شعائرهم الدينية في ظل هذه الظروف الغريبة التي حلت بنا؟ ناهيك عن حالة العزلة هذه التي لجأ الخلق إليها مكرهين للفرار من هذا الخطر الذي يحيط بهم، كيف سيفصل هؤلاء في معاملاتهم في ظل تداعيات الأزمة؟ الفقراء الذين يعانون كيف حال عسرهم في حال هو الأكثر عسرا؟ فعز على الرجل أن يدعهم في حيرة من أمرهم، وأن يتركهم في تيههم يترددون، أو أن يدعهم لزخرف القول الذي يستغل أصحابه حاجة الناس أيام شقائهم.

ليس غريبا على الإمام الطيب الذي يوضح دائما أن السلام والرحمة مبادئ دينية وقيم إنسانية، لا بديل عنها لاستقرار المجتمعات، لكن على الرغم من حالة العزلة التي فرضتها الأيام على سكان هذا العالم، أصر الإمام الطيب أن نجتمع حول نافذته اجتماعا لا حرج فيه ولا خوف منه، نستمع لكلماته التي تعطي لنا بصيص نور في أعتى ظلمات الأيام، وكأنها السمان التي تأكل الأوقات العجاف.

مقالات اخري للكاتب

الطبيب الإنسان

ابن مصر "السير مجدي يعقوب" واحد من أهم جراحي القلب في العالم، إنجازاته جعلت اسمه على عناوين كتب الطب في معظم جامعات العالم، وإنسانيته جعلت القلوب تنبض

الطفولة ومخاطر التطور الرقمي في عالمنا المعاصر

الأطفال هم ثروات الأمم، والكنز الدفين لها، والبذرة الخصبة لغدها المشرق، هذا الكائن الرقيق الذي تتجلى فيه فطرة الله النقية، والذي كلفنا برعايته والحفاظ

الأكثر قراءة

[x]