هل استوعب "نيوتن" الدرس؟

29-4-2020 | 20:56

 

باستياء شديد تابعنا، خلال الأيام القليلة الماضية، وقائع وفصول الخطأ الفادح وغير المبرر الذي ارتكبه المتخفي خلف اسم " نيوتن " بجريدة المصري اليوم ، بدعوته المشئومة والمريبة لسلخ شبه جزيرة سيناء عن الوطن الأم، تحت ذريعة النهوض بها، وتحريرها من قبضة البيروقراطية التي تكبل انطلاقتها وتنميتها.


كذلك تابعنا رد الفعل العنيف من جهة الرأي العام، وأرباب القلم الوطنيين الذين فندوا كلامه المسموم، وما تضمنه من أخطاء جسيمة تستوجب الحساب العسير؛ لأن دعوته تضر ضررًا بالغًا بالأمن القومي ومصالح البلاد العليا، وتخدم أجندات جماعات إرهابية وأطراف خارجية، ثم تحرك المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام واتخذ جملة من القرارات المهمة عقب التحقيق مع عدد من مسئولي الجريدة، ومن بينهم المهندس صلاح دياب ، الذي اعترف بأنه كاتب عمود " نيوتن " اليومي.

ولن نكرر ما استفاض في شرحه وبيانه كثير من الكتاب والمعلقين، منذ نشر " نيوتن " عموده الغريب، لكن يوجد سؤال ملح وعاجل يتعين الحصول على إجابة شافية له، وهو: هل استوعب " نيوتن " أو صلاح دياب الدرس، وشعر بفداحة وحجم جرمه في حق الوطن وقطعة عزيزة منه هي سيناء، أثناء انشغال الدولة المصرية بكل أجهزتها ومؤسساتها للحد من انتشار فيروس كورونا الذي يعصف بالعالم، والتخفيف من التبعات الاقتصادية والمالية بالغة الصعوبة الناتجة عنه؟

مما شاهدناه من تطورات متلاحقة حتى الآن، فإن الجواب يميل بقوة لجانب النفي، إذ إنه لم يقر صراحة وبشكل مباشر بفساد ما طرحه وعدم منطقيته، وأنه ليس جديرًا حتى بالتفكير في إخضاعه للنقاش، وتمسك صلاح دياب بأن خطيئته تنحصر فقط في إساءته استخدام لفظ أو اثنين فيما كتبه وقادا لسوء فهم مقصده، ولم يقر بأن ما فعله يمثل سقطة مهنية مريعة، وانتهاكًا صريحًا لا لبس فيه لأحكام الدستور وميثاق الشرف المهني.

وبقي يتخفى - هو وقلة من حوارييه - وراء مبدأ حرية الرأي والتعبير والسجال حوله، وهو أمر يجعلك تندهش وتُصدم من هذا المنطق المعوج، ونقول له ولهم إن حرية التعبير مكفولة ومصونة بغير حدود لكل صوت وقلم يبغي ويراعي مصلحة وحاضر ومستقبل الوطن، ويُسهم حقًا في رفعته وارتقائه، والدولة وقيادتها السياسية تؤكد دائمًا ترحيبها بالاستماع والتفاعل مع الآراء المطروحة عبر وسائل الإعلام أو المنابر الحزبية والوطنية، ولنعد إلى مؤتمرات الشباب، على سبيل المثال، وما قيل وعرض خلالها وتجاوب الدولة في أعلى مستوياتها لأفكار واقتراحات نُوقشت على مدار جلساتها المطولة، وقررت إدخالها حيز التنفيذ الفعلي والاستفادة منها.

وما غاب ـ ولا يزال ـ عن " نيوتن " ومريديه أن الحكمة والغرض من حرية التعبير والرأي تصب كلها في خانة البناء والتوعية، وليس الهدم وتفكيك الأوطان، وأنها تقف في خندق واحد مع مقتضيات وشروط الحفاظ على الأمن القومي للبلاد، وليس الإضرار به وتوجيه السهام لصدره، فهل اعترف " نيوتن " ومن معه بأن الدعوة تهدم ولا تبني؟ بكل أسف لم يحدث وظلوا يناورون ويتذرعون بحرية التعبير، وبأنه جرى تضخيم ما حدث من قبل بعض الكتاب، وأنهم تجاوزوا في تعليقاتهم وانتقاداتهم!

غاب عن " نيوتن " كذلك أنه لم يمتلك الشجاعة الكافية للإقرار بأنه تصدى لقضية لا يعلم أبعاد حقائقها ومضامينها وكواليسها، ودخل أرضًا يجهل تمامًا جغرافيتها وتضاريسها الكاملة وما يدور فيها، فحديثه أوحى للقارئ أن الدولة المصرية متقاعسة عن تنمية سيناء ومنحها الأولوية المستحقة والواجبة، وأنه لم يطرأ عليها تغيير يذكر في غضون السنوات الست المنصرمة، وتغافل عما فعلته الدولة في القطاعات الحياتية في شبه جزيرة سيناء ، وقبل ذلك الدور الكبير الذي تقوم به قواتنا المسلحة والشرطة المدنية لملاحقة بؤر الإرهاب والقضاء عليها، وتقديمهما شهداء أبرارًا سقطوا وهم يدافعون ببسالة وعزة عن تراب وطنهم في مواجهة قوى الشر والضلال التي تريد اختطاف هذا الجزء الغالي من بلدنا.

وحاول " نيوتن " - بعد أن وقعت الواقعة - خداع القراء والتغطية على فعلته بنشر موضوعات عن تعمير وتنمية سيناء، وإنفاق الدولة 600 مليار جنيه للاستثمار فيها؛ إيمانًا منها بأهميتها، وأن المحافظة على الأمن القومي لا تقدر بثمن، فأين كانت هذه الموضوعات؟ ولماذا لم تنشر إلا بعد انكشاف الوجه الحقيقي لـ" نيوتن " وخروجه بدعوته الخبيثة لفصل سيناء عن أحضان الوطن؟

ولماذا تقاعس " نيوتن " أو صلاح دياب عن استغلال منبره اليومي لتشجيع ودعوة رجال الأعمال للاستثمار في سيناء، ووضع يدهم بيد الدولة التي تعي جيدًا مهمتها وواجباتها، وضخت مليارات الجنيهات لتحديث البنية التحتية في سيناء، ودعت بعد ذلك رجال الأعمال لمشاركتها في تشغيل المشروعات التي أقامتها، وهى كثيرة، ونكتفي في هذا الإطار بالإشارة إلى أن الدولة المصرية أنفقت إبان السنوات الست الماضية 10 ملايين جنيه على كل كيلو متر في سيناء التي تشكل 6% من مساحة مصر الكلية، علاوة على أن ثلث عدد المدن الجديدة الجاري إنشاؤها في بلادنا تقع في سيناء، ما سبق مجرد نقطة في بحر تنمية سيناء، ولم يكلف " نيوتن " نفسه عناء ذكره سابقًا والتسليم بما يجرى على أرض الواقع بأرض الفيروز.

ولنكن صرحاء وبدون مواربة، لا يوجد مجال للالتفاف والتلاعب بالألفاظ من عينة الأخذ والرد، ومناقشة المطروح بهدوء بعيدًا عن التشنج والردود الحادة الغليظة، فالمسألة لا تحتمل الهزل ولا الألاعيب اللفظية الماكرة الخادعة، فالخطوط الفاصلة واضحة، والاختيار ما بين أمرين لا ثالث لهما، أنت مع الوطن وصالحه أم تقف ضده؟

على " نيوتن " ومن يشاركه أفكاره المغلوطة والغريبة مراجعة أنفسهم وتصحيح مفاهيمهم، والبداية الصحيحة لابد أن تكون من الاعتراف الصريح بالخطأ، وإبداء الندم على ما بدر منهم في حق وطنهم، وطلب الصفح والعفو من المصريين الذين استهجنوا وغضبوا مما سطره " نيوتن " الذي يجب أن يكون عبرة ومثالًا لكل من يحدثه شيطانه بالاقتراب من وحدة أراضي ترابنا الوطني.

مادة إعلانية

[x]