الحياة في جنة الأرض

28-4-2020 | 11:59

 

يتعجب الكثير من أحوال المسلمين فى شهر رمضان ، وأول ما يشد انتباههم ترقب المسلمين لقدومه بلهفة وبشغف، وفور رؤية هلاله تنطلق أفراحهم، ويكمن سر تعجب هؤلاء من سعادة المسلمين بالشهر الذى يمتنعون فيه عن الطعام والشراب، ويتجنبون فيه جميع شهواتهم المباحة لهم، غير أن وقت الصيام قد يصل إلى 14ساعة، وفى بعض البلدان يتجاوز ذلك بأوقات مختلفة، وتشتد حيرة هؤلاء من مشهد تسابق جمهور المسلمين على أداء شعائر الشهر الكريم، حتى دفع عدد من هؤلاء المتعجبين إلى مشاركة المسلمين فى الصيام والإفطار معهم، وعند سؤالهم عن مدى شعوركم بعد صيامكم لفترة طويلة؟ كانت إجابتهم: تغمرنا سعادة عجيبة ممزوجة بالهدوء النفسي، أما حال المسلمين يختلف لأنهم يذوقون سكينة ورضا لم يعرفوها طيلة شهور العام.


والتفسير لهذه الحالة أن الله يرسل رحماته ونفحاته الإيمانية فى أوقات محددة، ويدعو عباده للتعرض لها، بمعنى مضاعفة الجهد فى الطاعات والبعد عما نهى عنه، وشعور المسلم بالسعادة ليس نتيجة فوزه بربح مادي أو بوظيفة مرموقة، وإنما نتيجة لاستقباله المنح النورانية بقلب سليم وبطاعة خالصة، ويتطابق نفس الشعور مع حالة أهل الجنة، كما وصفهم المولى تعالى في قوله «ولا هم يحزنون»، وكذلك في قوله «وتحيتهم فيها سلام»، ويتجلى هذا فى الحديث الشريف «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار»، وبالتبعية لا بد أن تهب نسمات الجنة ويحجب فحيح النار والغضب والكراهية، وتتذوق قلوب وأرواح أهل التقوى نفحات من نعيم أهل الجنة، وهم لا يزالون ينعمون بالحياة على الأرض.

وحين تشعر أن نفسك تحلق فى أجواء من الصفا، وترى كل الوجود حولك جميلا، اعلم أن الصيام هو ما خلص نفسك من المشاعر السلبية كالغضب والحقد، وجمح لجام شهواتها كى تهدأ، بعد أن كانت مثقلة بها وبهموم الدنيا بقية العام، وهذا الانسجام بين غالبية المسلمين، جعل العديد من سكان الأرض فى حيرة، ويرغبون فى مشاركة المسلمين متعتهم، فالمسلمون أجود ما يكونون فى رمضان، فضلا عن أنهم يصبحون أرقى خلقا فى أيامه، وذلك تأسيا بسيرة سيد الخلق، وكانت السيدة عائشة رضى الله عنها تصفه بأنه جواد وأجود ما يكون فى رمضان، فيجزل فى إطعام الطعام للفقراء والمساكين، وكان يكثّر من الصدقة حتى وصفه الصحابة بالريح المرسلة، وذلك لشدة مواساته للفقراء فى هذا الشهر الفضيل، وكان لا يأكل إلا قليلًا، ليُعلم أمته أن رمضان ليس شهر أكل وشرب ولهو، كما هو عادة كثير من المسلمين الآن، وليعلمهم أنه شهر عبادة وطاعة.

ويوضح الإمام الشافعى حال المسلم غير المتخم بالطعام، ويقول: « ما شبعت منذ ست عشرة سنة، لأن الشبع يثقل البدن، ويضعف صاحبه عن العبادة»، ويعلن عمر بن الخطاب سعادته برؤية رمضان ويقول: «مرحبا بمطهرنا من الذنوب»، حيث يضاعف فيه من الذكر والصدقات وتلاوة القرآن وإقامة الليل، ومن المعلوم أنه من سنّ صلاة القيام في جماعة.

وعلة حرص أهل السلف وأهل الإيمان على إتيان هذه الفضائل فى الشهر الكريم، لأنها خصال من يدخلون الجنة، كما ذكرها الحديث الشريف: « إن فى الجنة غرفا يرى ظهورها من بطونها، قالوا لمن هى يا رسول الله؟ قال: لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام».

وهذه سنة الله فى خلقه، إن لكل مجتهد نصيبا، وهكذا علمتنا الحياة أن على قدر المشقة يأتى الجزاء، وبطبيعة الحال لا تقارن أرباح العامل الصابر الدءوب بجزاء الفاشل المخادع، فالمسلمون كانت معظم انتصاراتهم فى شهر رمضان، ونصر حرب أكتوبر أقرب مثال إلى هذا الأمر، ونلاحظ أيضا أن الكثير من الطلاب يحصلون على أعلى الدرجات بعد أداء امتحاناتهم فى الشهر الكريم، برغم ما يشعرون به من جوع وعطش أثناء الحر الشديد، ويعادل عظمة الجزاء مع عظمة جهد الصائم البدنى وجهاده للنفس طوال أيامه ولياليه، لأن فى رمضان نزل إلى السماء الدنيا أفضل الهدى منذ أن خلق الله الكون وهو القرآن الكريم، وفيه نزل من السماء إلى الأرض على صدر الحبيب، إعلانا لتكليف النبى بحمل عبء مسئولية الرسالة لنشرها، وإعلانا لأمة الإسلام على حسن القيام بدورها العظيم المنوط بها، التى لم تقدر عليه الجبال، وهو أن تكون أمة وسطا، تدعو إلى الحق وتدحض الباطل، وتؤسس دعائم العدل، وتنشر مكارم الأخلاق من خلال طيب خطابها ومعاملاتها، فكان القرآن ورسالته تشريفا لرمضان، ومن ثم تشريفا للرسول ولأمته.

Email:khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

حكايات عن نكرانهم الجميل

إنها الحقيقة مهما حاولوا تزييفها، وهي نكران الغرب للجميل على طول العصور، وأن كثيرًا منهم يعضون اليد الممدودة لهم بالخير، وعدد من رواد الفكر والاقتصاد

ما بعد كورونا

يشترك الإنسان مع الفيل في ارتداء الكمامة، وأرغم الحجر الصحي الهنود في وقف الاعتداء على المسلمين، ونفس الحال على مستوى العالم، هدأ صوت الرصاص في منطقة الشرق

السبيل لبناء الأوطان

تتألم القلوب، ويتساقط الدمع، وتضطرب المشاعر عند سقوط الضحايا والشهداء بسلاح الغدر والخيانة، ولا تبنى الأمم ولا تنهض إلا بدماء الشرفاء المخلصين، وصفحات

أوصياء على البشر

أوصياء على البشر

ثقافة الكشوف الجغرافية

إذا تأملت حال وجهاء العالم أو ما يطلق عليهم الكبار، تستشعر يقينا أنهم جماعة تعتنق ثقافة الإقصاء، ولها عدة مرادفات منها العنصرية والعبودية والكراهية والعصبية العرقية أو الدينية، وشرب أثرياء الدول الكبار من ينابيعها، وانتفخت بطونهم من ثمارها، ونشروا أفكارها في عقول الملايين من أتباعهم.

جهاز لكشف الابتسامة

لم نعرف عن عالم الابتسامة وما يتفاعل بداخله سوى التعبير الخارجى لحركة الشفاه، ونجهل أهم معالمها، وهو قدرة الابتسامة على قهر العدو ومقاومة السلاح، وبسبب ولع العلماء بالبحث خلف الظواهر الطبيعية والإنسانية مهما صغر شأنها، فقد استطاعوا إزاحة الستار عن حقائق كثيرة متعلقة بشأنها

أرباح بالتريليونات من وراء كورونا

مصائب قوم عند قوم فوائد, فما يحصده فيروس كورونا من أرواح, وما يسجله من دمار اقتصادي, نرى أشخاصًا يحققون أرباحًا طائلة وسط ركام الخراب, وهذا حال كل الأزمات,

القلب مفتاح لشخصيتك

كلما مر عليه يوم يشعر أنه لم يكن هو ذلك الرجل الذي كان بالأمس، وأصبح شخصا مختلفا تماما، وهذا لم يعد ضربًا من الخيال إنما حدث بالفعل، وقد سمعت حكاية هذا

الصفقة تغلق مؤسسات فلسطينية

بين حالة الفزع التي يعيش فيها العالم وما لحق به من انهيار اقتصادي بسبب كورونا، وما تمر به أيضا الولايات المتحدة من ويلات الإصابة والوفيات، تنشر صحيفة واشنطن

الماء معجزة الحياة والأنبياء

من معجزة الماء أن لكل مشكلة لديها حل، فهو يستطيع أن يولد فيك الطاقة، وفيه علاج لك لأكثر من داء، ومن أسراره أنه موزع بنسب دقيقة على الأرض، ولم تنقص نقطة

يضيء لكل مغمض العينين

الإنسان مخلوق من مادة مظلمة سوداء, والقرآن الكريم يشع نوره بلا نهاية, وحين تتعرض المادة المظلمة لنوره, تتحول إلى مادة نورانية, وكما أن الشمس نور, والقمر

أحوال أهالي "جنة المقامرة"

أحوال أمريكا ورئيسها في زمن الكورونا يثير الدهشة، وأولها يحاول ترامب صرف نظر انتباه الأمريكيين عن كارثة كورونا، ويوقع مرسومًا للاستثمار التجاري للموارد

[x]