رمضان (الكريم) .. والتنمر!

26-4-2020 | 09:30

 

في مقولة شهيرة للعارفين ببواطن أمور وأسرار العقلية العربية بشكلٍ عام، والمصرية بشكلٍ خاص إن "الجواب يقرأ من عنوانه"؛ أي أنه ينبئ عن المحتوى قبل فض المظروف! وها نحن نبدأ استطلاع هلال برامج الفن في رمضان في سويعاته الأولى؛ فنعرف ونخمن المحتوى والمضمون لما هو آتٍ من ليالٍ طويلة قادمة تحتضن أنفاسها قسوة الحظر والهواء الخماسيني الذي يحمل في ذراته خطر الفيروس المتربص بالأنوف والصدور.. بل الأرواح حصدًا!


وأعلم ـ كما تعلمون ـ أن سلاح الفن مهم جدًا في هذه الأمسيات التي ننتظرها بشغف كبارًا وصغارًا من العام للعام، لما نتوسمه فيها من جرعات تسلية راقية؛ تأتي في عباءة ثقافية تثري العقل والقلب والوجدان، وصحيح أننا ندرك تمامًا مبدأ حرية الفن والفنان في التعبير؛ ولكنها أي حرية نريدها من الفن والفنان في هذا الشهر الفضيل ؟

إن رمضان هذا العام فرصة ربما لن تتكرر في حساب الزمن؛ وبخاصة وهو يأتي تحت وطأة الجلوس الإجباري أمام الشاشة الفضية ولا سبيل للفكاك من المشاهدة سوى الخروج إلى الشرفة لاستقبال الهواء "المُفيْرس"، لتعود بك الذاكرة إلى صرخة القائد "طارق بن زياد" في جنوده: العدو أمامكم .. والبحر خلفكم"! وفي هذه اللحظات والحال هكذا ستعود صاغرًا لتشاهد ماذا تقدم الشاشات إليك هذا العام!

ومع الأسف ـ وبالبلدي ـ "الجواب باين من عنوانه"!.. فمازال التسطح والتسطيح والاستسهال والإفلاس ـ وانتق ما تشاء من الألفاظ ـ هو المسيطر على ساحة البرامج التي اشتهر بها "عم رمضان" في هذا الوقت من كل عام، فنرى ببؤبؤ أعيننا البرامج التي تقوم على التعمُّد في "بهدلة" الفنان الذي يصبر مرغمًا على اللعب به وإضحاك "أمة لا إله إلا الله" عليه، لأنه "قبض بالدولار" قبل التسجيل للحلقات، ويعرف أن ذاكرة البشر لن تتسع لذكرى تلك البهدلة سوى يوم أو بعض يوم، ونتقابل في حلقة أخرى من الإسفاف الممنهج في العام القادم .. (لو) كنا على ضهر الدنيا!!

إن تلك الساعات المُهدرة في تقديم هذا اللون من " التهريج "؛ يكفي دقائق معدودة منها؛ للإضاءة على الفنانين الحقيقيين الذين يقفون على أبواب استديوهات مدينة الإنتاج الإعلامي وقلعة ماسبيرو؛ في انتظار "فرصة"، ولكنها "الشللية" و"السبوبة" التي تعمل على اختيار من لايعتمدون على "كوميديا الموقف" في نصوصٍ أدبية جادة، ويأتي جُل الاعتماد على أصحاب التكوينات الجسدية غير الطبيعية: ضخامة أو نحافة أو طولاً او قصرًا، بلا إدراك أن هذا نوعٌ من "التنمُّر" بتلك الشخوص والشخصيات الذي ننادي بالابتعاد عنه في مناحي الحياة كافة.

إن هذه الفنون السطحية الساذجة التي يتم تقديمها للمُشاهد المُستهلك دافع الضرائب ـ في اعتقادي ـ بمثابة "فقاعات الهواء" على وجه فنجان القهوة؛ أو الزَّبد الذي يذهب جُفاءً مع الأمواج عند اصطدامها بالشاطيء! إذ لاجديد فيما يتم تقديمه، بل ربما هو استنساخ مشوَّه لما كان يقدم في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بل تمت الإساءة الى الأغنيات الوطنية الشهيرة التي تعلمنا منها "ألف باء" الانتماء؛ تم تشويهها باستخدامها في إعلانات أدوات النظافة والزيت والسمن، حتى كدنا نكره تلك الأغنيات والزيت والسمن والصابون وأدوات النظافة المطلوبة لحمايتنا من هجوم "الوباء"!

إنه "رمضان" ياسادة! هو خليط من الروحانيات والجماليات وغرس بذورالثقافة المعرفية التي تعزز وترتقي بقيمة الروحانيات في النفس البشرية والمجتمع المصري على وجه الخصوص، هذا المجتمع الذي يواجه الضربات تلو الضربات من المتربصين به لتمييع هويته أو بالأحرى غايتهم القضاءعليها قضاءً مبرمًا!

الشخصية المصرية بفنها الأصيل الذي تعلم منه العالم؛ يجب ان يترفَّع عن هذا التيار الذي يعمل على تحطيم مانتكئ عليه من تراث عظيم توارثته الأجيال مذ عزفت سيدة الموسيقى في مصر القديمة وهي "الإلهة حتحور" التي عزفت على الهارب والناي والدف؛ وعرف المصري القديم فن المسرح والتشخيص في بهو المعابد ودور العبادة؛ إلى جانب الطقوس الدينية في ذاك الزمان البعيد في أعماق التاريخ.

كلمة حق يجب أن تقال في هذه الأيام، وتقع على عاتقنا ـ نحن حاملي لواء العلم ـ المسئولية الجسيمة في التنبيه إلى تلك المسارات غير الملتزمة بأصالة الفنون وقدسيتها التي شبَّت وترعرعت عليها أجيالنا التي كان لها الحظ أن تعاصر أساطين في شتى الفنون الأدبية والمسرحية والسينمائية والتليفزيونية، ناهيك عن معاصرتنا لعمالقة الأدب الروائي والشعري والموسيقي والغنائي، فكيف تتم الإطاحة بهذا التراث الخالد واللجوء إلى "سلق" الأعمال الفنية بحجة التسلية والترفيه في ليالي رمضان وغير رمضان، فالفن .. هو الفن!! لايرتبط بـ "رمضان" أو "سبتمبر" أو أمشير!

إلى الملتقى في رمضان "كريم" آخر نتمناه خاليًا من التنمر في كل مناحي الحياة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

مقالات اخري للكاتب

محمود ياسين .. ونهر الأحزان!

محمود ياسين .. ونهر الأحزان!

المرأة.. درة تاج المجتمع المصري الحديث!

المرأة.. درة تاج المجتمع المصري الحديث!

نظافة العقول .. وذاكرة السمك .. والتوجهات اللا وطنية

تقول الحكمة المنطقية: من الصعب إقناع الذباب أن الزهور أجمل من القمامة! ويبدو أنه من هذا المنطلق.. كتب الروائي العالمي (جابريل جارثيا ماركيز) هذه المقولة:

لأنهم يعلمون!

سؤال يطاردني.. هل من يعادون مصر من قيادات الإخوان وزبانيتهم يعلمون مايبذله الرئيس عبدالفتاح السيسي والدولة المصرية من جهود إنمائية ونهضوية في كافة المجالات

ولا عزاء للمتآمرين

انتصر المصريون بوعيهم الفياض وفهمهم أن هذا الوعي يمثل السلاح الفتاك وخط الدفاع الأول عن الأوطان، إن كل مصري شرب من نيل هذا الوطن واكتسب سمرة من شمسه وتنفس

القائد .. ومعزوفة الانتماء!

في إطار ثقافتنا المعرفية في أوساط النخبة والعامة؛ نجد أن "العصا" كان لها الحظ الوفير في الإضاءة عليها والتعريف بها في أشكال ومواقف متعددة؛ بدءًا من القرآن الكريم والإنجيل، وصولاً إلى الأمثال الشعبية وقصائد الشعراء، وحتى شعراء الربابة في سردهم للملاحم والمعارك بين أبطال السيرة الهلالية وغيرها.

الإنسان .. وجاذبية الدراما!

يقول الفيلسوف اليوناني "هيرقليطس": إنك لاتستطيع أن تستحم في البحر مرتين!

رئيسنا .. هبة السماء

لا أحد يستطيع ان ينكر أو ينسى فضل الأوطان على قاطنيها، وقد كان صوغ إيليا أبوماضي لكلمات بليغة على بساطتها فيها الصدق وبريقه، حين قال: وﻭﻃﻦُ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡِ ... ﺃﻧﺎ ﻫﻨﺎ .. ﺣَﺪِّﻕ ... ﺃﺗَﺬْﻛُﺮُ

اسلمي يا مصر .. إننا الفداء!

من يحبها منا يتمنى لها السلامة في كل حين، حتى وقت السلم، فما بالنا بوقت تحدق المخاطر فيه بمصرنا الحبيبة من كل حدب وصوب؟! نحن دعاة سلام لكننا لاندعو إلى

الشرطة والقوات المسلحة .. وجهان لعملة الحماية لمصر

سيهل علينا عيد الأضحى المبارك، وسيظل رجال الشرطة والقوات المسلحة يمارسون عملهم في توفير الأمن والحماية لمواطني هذا الشعب بكل التفاني والإخلاص، في حين ننعم نحن بقضاء عطلة العيد مع أسرنا، بفضل الإحساس بالطمأنينة بفضلهم..

التحرش وسنينه!

التحرش وسنينه!

"حنو" الرئيس .. و"ثمار" العدالة الاجتماعية

لماذا اختار الرئيس عبدالفتاح السيسي كلمة "الحنو" حين وجه حديث الطمأنة إلى المصريين في وقت عصيب قائلا، إن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه! من يحتاج إلى الحنو

مادة إعلانية

[x]