تعمير سيناء .. والمتلونون العابرون للأنظمة

25-4-2020 | 23:49

 

يبدأ اختراق العقول المسئولة عن تشكيل وصناعة الوعي، من اختراق المجتمع الثقافي والعلمي والإعلامي، وذلك من خلال قيام أفراد رئيسيين بتشكيل شبكة من المصالح الخفية تربط بين أفراد هذه القطاعات في المجتمع لتشكل جميعها "لوبي ضاغط" على صانع القرار من جهة، والعمل على توجيه أولويات العقل الجمعي للمجتمع بعيدًا عن أهدافه الوطنية ومصلحته القومية من جهة أخرى.

وقد ترتبط هذه الشبكة بمصالح داخلية تجمع أعضاءها ويعملون على تحقيقها، والأخطر عندما يعملون ك وكلاء لأجندة أجنبية ، يضع لهم أهدافها من يستهدف وطنهم بمخططات تهدف لتدميره، وهم ينتشرون في قطاعات المجتمع المختلفة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأكاديمية، والعلمية، والبحثية، وتبدأ الكارثة عندما يبدأون بما يتمتعون به من تأثير في قطاعاتهم، في النفاذ إلى المجال الإعلامي الأكثر خطورة وتأثيرًا في تشكيل الوعي العام.

وعبر أجيال متتالية يتمكن هؤلاء الأفراد من التحصن والاحتماء بالحاضن الرئيس لهذه الشبكة، وتوسيع نطاق مريديهم وأتباعهم في داخل كل قطاع، يتمتعون فيه بالنفوذ والتأثير المطلوبين لممارسة أدوارهم، ويضغطون بكل الآليات لتغيير ووقف الخطط التنموية لدولهم، بالإضافة إلى التصدي للمحاولات التي تهدف إلى كشفهم.

كما لا يترددون عن تشويه رموز التيار الوطني الذين يحرصون على كشفهم، وكشف أدواتهم في التجنيد وآلياتهم في الحشد والتجييش لمصلحة رأس الشبكة، سواء في الداخل أو في الخارج الذي جندهم، والذي يتماهى شيئًا فشيئًا بحيث يصعب على الأجيال الجديدة تصور أنهم خُدام له.

في حين تظل الأجيال الأولى في هذه الشبكات في مختلف القطاعات على وعي بدور من جندهم (رأس الشبكة / الموكل / الممول)، وعلى وعي بأهمية استمرارهم في خدمة أهدافه، والخضوع الكامل لتوجيهاته دون إعمال للعقل، مع قدرتهم على التلون مع أنظمة الحكم في بلدانهم، وإبراز قدراتهم على تقديم أنفسهم باعتبارهم النخبة التي لا يمكن الاستغناء عنها، وأنهم من يملكون أدوات الاتصال مع من يوظفهم (الموكل الأعظم)، ويملكون مفاتيح إدارة الملفات وتنسيقها وتخطيطها معه.

ولعل خطيئتنا تكمن في تقبلنا لبقائهم في مراكزهم ومواقعهم، بعد أن تكون قد تكشفت مواقفهم وتم اختبار سلوكياتهم تجاه الثوابت الوطنية في التاريخ البعيد والقريب الذي لا يمكن أن نكون قد نسيناه، ولعل الخطورة في تلك النخبة الوصولية أنها تسعى للوصول إلى مراكز العقل والفكر، والتحكم فيها، في كل الأنظمة التي تعاصرها، وهي من موقعها هذا لا تمارس دورها بالقلب والحس الوطني المطلوبين، فما يؤدونه من مهام في مواقعهم، لا ينسجم مع ما يتحدثون به أو يثرثرون به، في أحاديثهم الخاصة، وبين الدوائر الضيقة المحيطة بهم والتي يتصورون أنها غير قابلة للاختراق.

وهنا الخطورة الحقيقية في استمرار بقائهم في مواقعهم؛ حيث إن قناعاتهم الشخصية لا تنسجم وطبيعة الأدوار المنوطة بهم، ومن ثم قد تكون النتائج كارثية، وهو أمر تم اختباره كثيرًا من قبل، وفي مناسبات أدت بنا إلى تجارب مؤلمة كدنا معها أن نفقد هوية الدولة ومستقبلها.

وفي الآونة الأخيرة، شهدت الدولة المصرية هجومًا تمهيديًا في إطار الحرب النفسية غير المسبوقة التي نخوضها منذ سنوات بعيدة، وأصبحت مركزة بعد الفشل في هدم الدولة بعد يناير 2011 وقدرة الشعب على تحطيم مخططاتهم في ثورة 30 يونيو، هجومًا كان يبتغي اختبار انتباه وثبات قطاعات مختلفة في الدولة على مبادئها ومواقفها الراسخة بشأن سيناء.

وأراد المهاجمون الذين لهم باع عبر ثرثراتهم الليلية أو الصباحية، في السخرية من ثوابت وعقيدة ومبادئ المصريين تجاه سيناء، لي الحقائق؛ حيث تمادى البعض لحد أن صرح بها في كتابات علنية متخف خلف ستار اسم حاولوا التبرير لاستخدامه، ولن يهمنا أن نقف أمام الكاتب الحقيقي المخفي كثيرًا؛ لأن الأيام القادمة والتحقيقات ستكشف حقيقة المرتجفين .

ما يعنينا هذه المجموعة التي أتت من مشارب مختلفة البعض كان ينتمي لنظام حكم سابق، والآخر لنظام كان يعارض هذا النظام، والمفارقة أن هؤلاء جميعًا اختفوا وقت محاولة تنظيم الإخوان التمكن من مفاصل الدولة المصرية؛ ليعودوا جميعًا بعد ثورة 30 يونيو ليبحثوا عن مصدر رزق فتلقفتهم مواقع مقربة بصورة مباشرة من تنظيم الإخوان، وبعضهم هادن الدولة إلى حين ولما لم يجد مصلحته انقلب عليها، وبعضهم توجه مباشرة لصحافة رجال الأعمال يكتبون ما يملونه عليهم. لذا، لم يكن غريبًا، أن يشهر هؤلاء السيوف سواء في صحفهم الخاصة، أو عبر حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، مدافعين عن صاحب رأس المال حتى لو كان الثمن وطن.

هؤلاء لم يتوقفوا ليقرأوا البيان الصادر عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بشأن نتائج التحقيق مع صاحب رأس المال ورئيس مجلس أمنائه ورئيس تحريره وممثله القانوني، وما حمله البيان من عبارات قاسية لا داعي لتكرارها فهم يحفظون تهمهم عن ظهر قلب، فقط نذكرهم أن هناك شقًا جنائيًا أحاله المجلس إلى النيابة العامة للتحقيق فيه.

والحقيقة تشير إلى نخبة تخطاها الزمن وتجاوزها تحاول ابتزاز الدولة المصرية، في الوقت الذي لم ترغب فيه الدولة التي لم تنقطع من عام ١٩٥٢ وحتى الآن، أن تترك من تتصور أنه من هذه النخبة دون تكريم في مناسبات مختلفة، لعله يحمد لها جميل ذلك في زمن انصرف عنه الجميع.

هؤلاء اعتادوا ابتزاز الدولة المصرية سعيًا وراء مناصب حتى لو تطاحنوا مع زملاء لهم للفوز بها رغبة في تدميرها وتحويلها لخدمة أهداف الممول الأعظم، أو يبحثون في لجنة السياسات (في الماضي) أو في الهيئات واللجان الاستشارية (حاليًا) عن موقع يحمون من خلاله الشبكة التي يديرونها على غير أولويات الأهداف الوطنية والمصلحة القومية لوطنهم.

هذه النخب من قطاعات مختلفة تلاقت مصالحها في هذه الآونة، مستعيدين أضغاث أحلام الماضي، متوهمين أنه يمكن لهم أن يبتزوا الدولة، وأن يخرجوا منها بأفضل المكاسب.

ولن نتحدث عن برنامج تليفزيوني أو إذاعي حتى، فهم يعلمون قبل غيرهم أن الزمن قد تجاوزهم وتجاوز أجيالا بعدهم، ولكن ماذا عن الهيئات الصحفية والإعلامية في تشكيلاتها الجديدة المرتقبة، بعضهم طيب النية اختار أن يكتب بصورة غير مباشرة، وأن يلجأ للتلميح والإسقاط لابتزاز أجهزة ومؤسسات الدولة، وبعضهم يمارس دوره بدهاء متخفيًا كالحرباء مستفيدًا بكل خبرات الحياة ومهاراته البحثية وعلاقاته الداخلية والخارجية متحالفًا مع العديد من شركاء رحلته للتخديم على موقعه القادم الذي يطمح إليه.

وكأنهم جميعًا لم يكتفوا بما نالوه من مناصب على مدار تاريخهم، ولا بمقدار ما تكسبوه معنويًا وماديًا، جعلهم يبتعدون بمراحل عن جيل يحاول بناء تجربة إعلامية خاصة به، تتناسب وتجربة دولتهم التي استعادوها في ٣٠ يونيو، وقت أن توارت واختبأت هذه النخبة التي شاخت على مقاعدها، وأعلنت اعتزالها الحياة، عليهم أن يعلموا أن هذا الجيل الجديد من الصحفيين والإعلاميين أبناء دولة 3 يوليو لم يشاركوا في استعادتها، من أجل أن يسمح لكم بأن تستمروا في ابتزازها، والضغط على أجهزتها، والاستقواء بالخارج عليها في الخفاء.

وعلى أعضاء هذه الشبكة، أن يتفهموا أننا الجيل الذي حضر احتفالات افتتاحات المشروعات القومية لدولة 3 يوليو على مدار السنوات الثلاثة الماضية، وأننا الجيل الذي استمع واستمتع بالأرقام والحقائق التي كان السيد رئيس الجمهورية حريصًا على ذكرها والتأكيد عليها؛ لكي يتضح حجم التكلفة وحجم المجهود وحجم الإنجاز الذي يتحقق على الأرض المصرية في كل المحافظات، وأننا الجيل الذي تجول في هذه المشروعات فخورًا زهوًا بما تحققه دولته وأبناؤه في القوات المسلحة والشركات المصرية التي كانت حريصة على الاندماج والمساهمة بفاعلية فيها.

وأننا الجيل الذي شاهد توافر الإرادة السياسية لمتخذ القرار من أجل المضي قدمًا في خطط التنمية الشاملة والربط الحقيقي بين كافة محافظات الجمهورية لا فرق في ذلك بين محافظة وأخرى، نحن الجيل الذي شاهد رئيسه يخصص لسيناء مخصصات لتحقيق التنمية الشاملة تفوق كثيرًا مساحة سيناء مقارنة بباقي محافظات الجمهورية وحصتها في نفس الخطط؛ ولكننا نفهم وفهمنا من سيادته أن ما يحدث هو صون للأمن القومي وربط حقيقي للوادي مع سيناء.

نحن الجيل الذي احتفل بنفق الشهيد أحمد حمدي وكوبري السلام، وكنا نراهما نقلة في التنمية؛ لكننا انبهرنا بجهود الهيئة الهندسية في المشاركة في تنفيذ أنفاق جنوب بورسعيد وشمال الإسماعيلية وأحمد حمدي 2، بالإضافة إلى مشروعات إعادة تأهيل بحيرة البردويل، والمنطقة الاقتصادية شرق القناة، ومدينة الإسماعيلية الجديدة، ومجموعة المدن البدوية ومشروعات الإسكان الاجتماعي، بالإضافة إلى مشروعات الصرف الصحي وتنقية المياه، وكذلك مشروعات الربط عبر أكبر شبكة طرق ومواصلات طولية وعرضية؛ لربط مدن سيناء خاصة في الوسط، وأيضًا المزارع والمصانع وتمليك الأراضي للمستحقين، وبما لا يخالف القانون والدستور المصري، بالإضافة إلى إنشاء العديد من المستشفيات والمراكز العلاجية، وأيضًا العديد من المدارس العادية والفنية والمؤسسات التعليمية، وعلى رأسها التوسعات في جامعة العريش وجامعة الملك سلمان بتخصصات علمية تراعي طبيعة احتياجات عملية التنمية في سيناء وطبيعة الحياة بها.

كل ذلك، سعد هذا الجيل بمشاهدته والاستماع إلى تفاصيله وتفاصيل المجهود لتحقيقه، والتحديات التي تعترض ذلك، وعلى رأسها الإرهاب، والذي لم يغب عن ذهن الدولة أيضًا، بل شاهدنا افتتاح قاعدة القيادة الموحدة لمنطقة شرق القناة العسكرية ومكافحة الإرهاب كأكبر قاعدة عسكرية في سيناء، كل ذلك شاهدناه واحتفلنا به وأنتم تجلسون شائخين في مقاعدكم لا تملكون إلا الهمس والغمز واللمز بلا طائل أو رجاء، مستمتعون بالتفكير الصامت فيما لا تجهرون به: لماذا حفر السيسي قناة السويس الجديدة؟ يقولونها وهم مقهورون، لأنهم يعلمون أنها الطلقة الأولى في إستراتيجية تنمية سيناء وفقًا لإستراتيجية رؤية مصر 2030، والمخطط السكاني والإنمائي 2050.

مقالات اخري للكاتب

الاتجاهات الحاكمة للسياسة الخارجية المصرية في ست سنوات

للمرة الأولي في التاريخ، نجد أن الاتجاهات والدوائر الرئيسية الأربع للأمن القومي المصري باتت تواجه تحديات، ومخاطر، وتهديدات، تنذر بالعديد من الأزمات، كان

نظرية الإعلام الدوار

تعتمد على بناء شبكة تهدف إلى إدارة والسيطرة على العقول في الدول المستهدفة (أ) من قبل الدول الأكثر قوة وتقدم ونمو (ب).. وهذه الدول (ب) لا تلجأ للحرب العسكرية

في تبرير الإرهاب من منظور الفضيلة

المصري اليوم تواصل بث السم في العسل.. ود.عمرو الشوبكي يكتب اليوم عامودًا بعنوان مواجهة الإرهاب.. ودعوني أقترح عليه أن يسميه "تبرير الإرهاب".. نظرًا للاعتبارات التالية:

دور الشبكات في تغييب مجتمعاتها

الشبكات لها دور مهم في تغيير الأفكار والثوابت قبل النقلة الكبرى للثورة على النظام السياسي القائم.. هكذا يقول تاريخ كل الثورات المصنعة.

محاكمة نيوتن

في يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من أبريل الجاري، عقد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام جلسة تحقيق مع مالك المصري اليوم، ورئيس مجلس الأمناء، ورئيس التحرير، والممثل

المناوي ورط الجميع

تعلن ساعة تنبيه المحمول، أنها الواحدة صباحًا، موعد دوائي المضاد للتوتر، استيقظ لأخذ الدواء ومتابعة ما تبقى من برامج، على رأسها برنامج الحكاية للزميل العزيز

"نيوتن".. المبني للمجهول

فيما جهود الدولة بكافة مؤسساتها وأجهزتها مسخرة لمواجهة تحدي تفشي فيروس كورونا المستجد، وهو الأمر الذي لم يجعلها تغفل عن مواجهة التحديات والمخاطر الرئيسية، والمتمثلة في تحدي التنمية الشاملة ومجابهة ومكافحة التطرف والإرهاب، يطالعنا "نيوتن" المبني للمجهول في المصري اليوم بمقال يجب أن نتوقف أمامه.

مادة إعلانية

[x]