الحرب العالمية النفطية

24-4-2020 | 15:11

 

فيما يبدو أن كل شيء جائز ومباح في زمن كورونا ، فقد وصل سعر برميل النفط إلى تحت الصفر خلال هذا الأسبوع؛ في تأديب لجماعة محتكري النفط.

ولأول مرة يقف هؤلاء المحتكرون رافعين الرايات البيضاء لقوانين السوق التي ظلوا يدهسونها زمنًا، فقد زاد المعروض على الطلب؛ نتيجة توقف الحياة والسيارات والطائرات والمصانع وبعد امتلاء المخازن، بالإضافة لحرب تكسير العظام بين كبار المنتجين؛ لدرجة بدت وكأنها حرب عالمية نفطية شرسة تدور رحاها بين واشنطن والرياض وموسكو وبكين، باستخدام كل أسلحة السوق من زيادة الإنتاج؛ لتخفيض الأسعار واستمرت المضاربات على العقود الآجلة تحطم كل ما هو معقول حتى إن البائعين كانوا يدفعون للمشترين على الورق؛ نتيجة لعدم وجود مشترين، وخلال ذلك بدا ترامب وكأنه الرئيس الحقيقي ل أوبك ؛ برغم أن بلاده ليست عضوًا بها، وحتى سنة 1970 كانت الولايات المتحدة هي المنتج الأكبر، ولديها فائض يزيد على استهلاكها المحلي، وتستطيع بالفائض أن تتحكم بالعرض والطلب لتحديد السعر الذي يناسب الاقتصاد الأمريكي وشركات النفط الأمريكية.

وبعد أن أصبحت الولايات المتحدة مستوردة للنفط بعد ذلك التاريخ أوكلت هذه المهمة للسعودية والتي أصبحت ترفع وتخفض الإنتاج (بالتنسيق) مع الولايات المتحدة. وكان ذلك ممكنا عندما كان الاتحاد السوفيتي معزولا عن السوق العالمية .

ومنذ 1970 وحتى 2006 بات الإنتاج الأمريكي في هبوط والاستهلاك في صعود؛ حتى وصل العجز لنحو 5 ملايين برميل يوميا، وبرغم ذلك كانت الولايات المتحدة تستغل بل وتتحكم في زيادة أو هبوط أسعار النفط لمصلحة اقتصادها، ولم يكن إنتاجها يتأثر، وإنما كان إنتاج الآخرين خصوصًا دول الخليج العربي، وكانت الأمور ترتب داخل منظمه ال أوبك وفق ذلك، ولكن بعد دخول روسيا إلى سوق النفط العالمي - وهي اليوم ثاني أكبر منتج للنفط - أصبح من غير الممكن لدول أوبك وحدها رفع وتخفيض الإنتاج للتحكم بالسعر كما تريده الولايات المتحدة، فأصبح ما يسمى ( أوبك +) أي روسيا، وكانت روسيا تقبل التنسيق مع السعودية برفع وخفض الإنتاج للتحكم بالأسعار، ولكنها قررت عدم تخفيض إنتاجها، وأن يكون التخفيض من الآخرين بما فيهم الولايات المتحدة.

وستكون هذه هي المرة الأولى التي تتعرض لها الولايات المتحدة إلى هزه نفطية غير مسبوقة، والهبوط لما دون الصفر دولار يعني كارثة لصناعة النفط الأمريكي عمومًا، وصناعة إنتاج الزيت الصخري، خصوصًا أن كلفة إنتاج برميل النفط من الصخر الزيتي حوالي 50 دولارًا وسعر 26 دولارًا للبرميل، كما يتوقعه خبراء السوق في حال حرب أسعار وإنتاج يعني تعثر الكثير من شركات نفط الزيت الصخري، وإن طال الأمر يعني إفلاسها.

وهذا يعني أيضًا خسارة الولايات المتحدة جزءٍ كبيرٍ من إنتاجها اليومي؛ حيث إن إنتاج الصخر الزيتي حوالي ثلثي إنتاج الولايات المتحدة الحالي.

كما أن معركة الإنتاج بين السعودية وروسيا فاقمت الفوضى الناجمة عن فيروس كورونا في وول ستريت وأسعار النفط في حالة هبوط حر محطمة أدنى سعر لها منذ 18 عامًا، وسط انهيار بأسعار أسهم الطاقة.

وانخفاض السعر من 70 إلى 30 دولارًا، وهو يكلف المملكة العربية السعودية خسارة بـ400 مليون دولار يوميًا؛ أي حوالي 150 مليارًا في السنة يكلف مجلس التعاون الخليجي بأكمله 300 مليار دولار.

ومن المؤسف أن بترودولارات الدول العربية تتبخر عندما يقرر الآخرون خفض الأسعار، وتتبخر حين زيادتها لسد عجز الدول الأخرى الغربية لا العربية.

وهذه ليست المرة الأولى وقد لا تكون الأخيرة، التي تستهدف فيها المملكة العربية السعودية في حرب استنزاف سعر، إلا أن ما فات الخصوم هو تعافي الاقتصاد السعودي النسبي من الإدمان على النفط، ونمو قطاعات قادرة على النهوض بالاقتصاد الوطني، برغم التحديات.

وعلى الجانب الآخر، سوف تفشل محاولات المنتجين المارقين؛ لأن كلفة الإنتاج لبرميل النفط السعودي هي الأدنى بين الكبار، بالإضافة لطاقاتها الكامنة، هذا عدا عن تحولها في المستقبل القريب أو المتوسط إلى لاعب رئيسي في سوق الغاز.

ومن يدري فقد نشهد حربًا أو حروبًا تعيد صياغة اقتصاد ما بعد النفط.

مقالات اخري للكاتب

فتيات التيك توك

على تطبيقات الموبايل آلاف المواقع الإباحية وعشرات التطبيقات الداعرة وهي الأكثر بحثًا ومشاهدة وجذبًا للمراهقين لتحقيق الشهرة والنجومية وكسب المال، ومن بينها تطبيق "تيك توك".

الرأي الآخر لشرعية نقابة الإعلاميين

جاء علينا حين من الزمن أن يتم تأويل ما لا تقصده، ويجد المرء نفسه في معارك ليس طرفا فيها، وأسوأ من هذا وذاك شخصنة كل القضايا ...شيء من هذا وذاك، حدث بعد

الوضع الشرعي لنقابة الإعلاميين

منذ نشأة الإعلام الخاص في مصر عام 2000 لم تصدر قوانين تنظم العمل الإعلامي، مما أدى إلى فوضى إعلامية تأججت وبلغت ذروتها بعد فوضى يناير 2011.

مصر ليست الرجل المريض

كان بيان مجلس الأمن المصري بشأن إعادة المفاوضات مع إثيوبيا كاشفًا للغضب المصري، وأن الصبر كاد ينفد من الانتهازية الإثيوبية، وبالفعل فقد انتهت المفاوضات الثلاثية في السودان بمجرد أن بدأت الآن..

الشامتون في ترامب وأمريكا يتمهلون

هذا ليس تهوينًا ولا شماتة من واقعة مقتل جورج فلويد التي تألم لها العالم؛ لكنه الخراب الذي حل على المنطقة بسبب ما رأته أمريكا ربيعاً عربياً، وعشناه نحن

زراعة العنف بدراما الخلاص الفردي

في الحلقة الأولى من مسلسل "لما كنا صغيرين" بنت تشاجرت مع صاحبها، وقالت له بالحرف الواحد (إحنا طول عمرنا بنحب بعض ليه بقة قفشت لما قولتلك نتزوج؟ الرد من الهمام: أنا مش بحب حد يخنقنى أنا لما أحب أتجوزك هاتجوزك، البنت: طب قولى إمتى عشان أخلص من اللى فى بطنى)!!

التعايش المر!

ولأن العالم حتى الآن غير قادر على الوصول إلى علاج لفيروس كورونا، وعليه لا يمكن أن تستمر دول العالم فى الإغلاق، والحل الأمثل أن تعود الحياة إلى طبيعتها

ضياع الخصوصية بأمر كورونا

في ظل استفحال فيروس "كوفيد-19"، تعكف الحكومات على تبني حلول تقنية بديلة عن التتبع التقليدي الذي يعد طريقة مثبتة للسيطرة على الأمراض المُعدية، من خلال التواصل

عرب ما بعد النفط

ما بعد النفط، عنوان ليس بالسهل الخوض فيه، لكن من المهم أن يدرك الناس أبعاده، ويستوعبوا ما نمر به من ظروف اقتصادية وبشكل تفصيلي.

رمضان في زمن الكورونا

لرمضان في مصر نكهته الخاصة التي تختلف عن جميع البلاد، هناك الكثير من الطقوس التي ظهرت أولًا في مصر، لتنتشر منها إلى باقي العالم العربي، مثل الفانوس، وهو الأيقونة الأشهر منذ عهد الفاطميين، كاد يختفي هذا العام

التوظيف الانتهازي لأصحاب المعاشات

كان عام..2005..عام فاصل في تحويل مسار وهوية صناديق أموال المعاشات من صناديق لها استقلالية وفقًا لما نصت عليه المادة (8) والمادة (48) من قانون التأمين الاجتماعي

تساؤلات بلا إجابات

هناك أسئلة كثيرة غامضة تطرحها كارثة كورونا وسوف تستغرق زمنًا طويلًا بعد التعافي العالمي منها؛ خاصة أنها فضحت المستور والتناقض بين أوهام وغطرسة الكبار والفشل في توفير أبجديات الحياة.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]