كورونا يُسْقِطُ السياسة والاقتصاد!

20-4-2020 | 15:36

 

نحن في زمن كورونا، ذلك الوباء الخطير، الذي تفشي في بدايات هذا العام (2020)، ولم ينتهِ بعد.. في الحياة هناك حقائق تقول إن لكل شيء بدايات ونهايات، والعارفون يقولون ليس هناك ما ينتهي كله، كما أن الحياة لا تبدأ من جديد، أبدا، مهما نحاول، أو نتطلع، فهناك الاستمرارية مع التغيير، حتي مع الأنبياء، ورسالات السماء..


إن وباء القرن الحادي والعشرين مختلف، لأنه فاجأنا، رغم أننا نعرف عنه الكثير، فهناك من قال إنه سيطرق أبوابنا قريبا، بل إن هناك تقريرا مفصلا عنه، كتبته الدكتورة جرو هارلم برونتلاند، مدير عام جمعية الصحة العالمية، ورئيسة وزراء النرويج السابقة، بعنوان: العالم في خطر ، وطالبت الكل بالاستعداد والطوارئ الصحية..

في اعتقادي أن قصة الإنسان مع الأوبئة ، والحروب، والصراعات، والأعداء طويلة، بل تكاد تكون حدوتنا مع الأطفال والكبار معا، لكن البشرية، أو الإنسان، سريع النسيان، فوباء الإنفلونزا الإسبانية عام 19 18 يجب ألا يُنسي، والحروب العالمية، والنووية، ماثلة في الأذهان، ويجب ألا ننسي ضحاياها الذين هم بالملايين، وكذلك سارس، وإنفلونزا الخنازير، والإيدز، تلك الأوبئة، التي أرسلت رسائل عابرة، لكن الإنسان كما هو، لم يستيقظ بعد من غفوته، فهو يتطلع دوما إلي أن تعود الحياة كما كانت من قبل، عقب كل كارثة إنسانية مفزعة، ويظل يحلُم أن يعود كما كان، ويُسقط كل ما تعلمه في أثناء وبعد الكارثة، لأن العادة، أو التعود، إدمان أقوي، والإنسان دوما أسير عادته..

إن « كوفيد - 19 »، بشكله الراهن، درس قاسٍ، خسائره أمامنا، أقلها الموت، وتريليونات ضائعة من الاقتصاد، ويكاد يقتلع البشرية من جذورها، إذا لم ننتبه إلي خطورته، وحسنا فعلت الصين أمام هذه الجائحة المجنونة، حيث عزلت مدينة ووهان، واستعملت القسوة الشديدة مع الشعب، لتحافظ علي البنية البشرية كلها من الضياع والانهيار، وحتي لا تسقط الحياة الإنسانية بسبب فيروس ضعيف، مهما يكن تأثيره وعمقه، لكن القوة الطامعة، والمسيطرة، في الغرب الأمريكي، والأوروبي، لم تتصور ذلك، وألقت بالمسئولية علي الحكومة الصينية، رغم أنه لم يكن في الإمكان إيقاف هذه الجائحة الملعونة إلا بهذه السياسات الشجاعة، وفائقة الجودة، بغض النظر عن أي مكان ظهرت فيه، وما التحقيقات الجارية إلا غسل يد رخيص من المسئولية، فعلينا أن نعترف بالتقدير للرئيس الصيني شي جين بينج، الذي، بالإضافة إلي دوره الخطير في نهضة بلاده المعاصرة، ارتقي في أزمة كورونا إلي مكانة أعلي وأرفع، بالنسبة للبشرية والإنسانية ككل، فلم يضع مستقبل الدولة قبل مستقبل الإنسان والعالم، رغم مسئوليته المباشرة عن الصين، لكن الحياة، بالنسبة له، كانت أولا، وتلك مكانة رفيعة لو تعلمون، ونحن في كل مكان في عالمنا سنكون مدينين لهذا الرئيس الشجاع، والإنسان... أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فلم يسمع، أو يُدرك، ما يحدث حوله، إلا عندما رأي الخطر ماثلا أمام عينيه مباشرة، وكان الوقت قد سبقه، ومرت الجائحة أمامه، ولم يستطع أن يَرتقي بمكانته من خلالها، أو عبرها، لأنه لم يكن جاهزا نفسيا، أو إنسانيا لهذه المكانة الرفيعة، التي لا تُعطي إلا لمن يستحقها، ومازال يتطلع إلي عودة الحياة في بلاده إلي سابق عهدها، وهذا صعب تماما، بل مستحيل، علي الإطلاق...

لقد أسقط كورونا الحدود بين الدول، بل القارات، وتوقفت الحياة في المدن، وأُغلقت المطارات، كما أسقط كورونا السياسة والاقتصاد معا، فهما الآن ليسا كما عرفناهما في الماضي، بل أعطي لهما تعريفا جديدا ومختلفا، وأسقط، أيضا، الديمقراطيات، والزعامات، والشعبويات، كما أسقط، كذلك، الأيديولوجيات.. لقد كان السباق إلي رفاهية العالم، من قبل، علي أشُده، بين السياسيين، والاقتصاديين، وعلماء الاجتماع، والفنانين، ولاعبي الكرة، ونجوم العصر، الذين وضعهم الإعلام في المقدمة، الذي هو الآخر أصبح من ضحايا كورونا، إذا لم يتغير، ويتكيف مع المتغيرات، ويَعرف قيمة الإنسان الجديد..

إن العالم الجديد استيقظ علي نجوم جدد، وصناع للحياة مختلفين، فقد أصبح الطب، والبحث العلمي، والمعرفة الحقيقية، في المقدمة، وكل من يقدم جديدا، ويخفف ألما، سيكون نجما، أما الذين يعيشون في الماضي، ويصنعون نجوما من ورق، فسيسقطون تباعا، فهؤلاء الذين يُغذون الشعبوية، أو يُغيِّبون العقول، سوف يسقطون بالتدريج، وسترون عالما جديدا، وإنسانا مختلفا، يفرض وجوده علي كل مسارح الحياة في عالمنا المعاصر، فيجب أن ترتقي الحكومات، وترفع جاهزيتها، لهذا العالم المخيف، وأن تتعاون معا، لمحاصرة كل ما يهدد البشرية، لأن المواجهة خطيرة، وعلي العالم أن يتعظ مما هو قادم، حيث ستظهر أمراض خطيرة، وأوبئة، لكن يجب ألا ننسي لحظة الوصول إلي مصل جديد، أو علاج، لـ « كوفيد - 19 »، فمن الطبيعي أن يطور الإنسان، وخبراؤه المعاصرون، علاجا، أو مناعة طبيعية، لهذه السلالة، التي هددت البشرية بالاقتلاع من جذورها، لكن ما سيظهر من أوبئة جديدة سيكون أصعب، وأشد فتكا، بمستقبلنا.

إن الوضع القائم في العالم أجمع كشف عن معدلات الإنفاق الهزيلة علي البحوث الخاصة بالأوبئة، والصحة، والتعليم عموما، والمظلة الاجتماعية الحاكمة لمجتمعاتنا خصوصا، فهي غير قادرة علي الاستمرار، الأمر الذي يُنبئ بأننا سنواجه مستقبلا أصعب من ذلك، وأن المؤسسات الراهنة المحلية، والإقليمية، والدولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية ، مترهلة، ولا تملك آليات الإنذار المبكر لما هو قادم..

وأخيرا، وليس آخرا، يجب أن يعي الجميع أن السياسة والصراعات، والحروب، لم تعد، الآن، في مقدمة الاهتمامات، فحياة الإنسان سوف تسبق كل الأولويات، ويجب أن تتغير البنية التنظيمية للحكومات، والمنظمات الدولية، لرفع الجاهزية، والتنسيق، لمواجهة أسوأ الاحتمالات، وألا يتم العبث في الطبيعة، أو البيئة، أكثر من ذلك، وأن. تُترك الحرية للإنسان ليعيش في الطبيعة، وأن يتم الاهتمام بحياته، وتعليمه، وتوفير دوائه، وغذائه، فتوفير هذه الأساسيات هو الاقتصاد القادم ، بل هو كل شيء للإنسان.

مقالات اخري للكاتب

فى‭ ‬وداع‭ ‬د‭.‬عمرو‭ ‬عبد‭ ‬السميع

فى‭ ‬وداع‭ ‬د‭.‬عمرو‭ ‬عبد‭ ‬السميع

تساؤلات عصر الوباء وما بعده..!

من المؤكد أن العالم لا يملك إجابات محددة عما حدث، ويحدث الآن، إلا عند المتقولين، أو المدعين، الذين يفسرون كل شىء بجرأة يحسدون عليها، بلا علم، بل جهل مطلق.

مادة إعلانية

[x]