آراء

التنين الصينى

19-4-2020 | 15:28

لم يعد ممكنا للعالم أعادة الأمور كالمعتاد لما قبل وباء كورونا، فقد تدفقت الكثير من المياه فى النهر، وبات واضحا فشل الولايات المتحدة والغرب فى قيادة العالم، وفشل المنظمات الدولية فى القيام بدورها، وباتت منظمة الصحة العالمية فى عين الإعصار لفشلها فى التعامل مع الأزمة،وانتهاء نظام العولمة الاقتصادية، ومزيد من الانكفاء على الداخل، ونسف القواعد الحالية لعمليات التصنيع العالمية، وفى اللحظة الراهنة يسود شبه إجماع على أن النظام العالمى وتوازن القوى سيتغيران بشكل كبير، وأن المنتصر فى الحرب ضد كورونا سيحدد المستقبل. ووسط حالة الذعر من تزايد حالات الوفاة، ومعضلة إعادة فتح الحياة الاقتصادية أو استمرار غلقها، فقد اختارت وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث رسم صورة قاتمة للمستقبل خلاصتها: العالم سيكون أقل انفتاحا، أقل حرية، أكثر فقرا. ومن المدهش أن واشنطن وبكين لم يدخرا جهدا فى الانخراط فى حرب باردة، وشرعت واشنطن فى نشر فوبيا هائلة من خطر التنين الصينى بالرغم من أن الرئيس ترامب كان يشيد بحكومة بكين قبل أن يحملها ومنظمة الصحة العالمية مسئولية الأزمة.


فترى هل فجر كورونا فوبيا التنين الصينى أم جرى استخدامه؟.

..بداية لم تبدأ حملة الهجوم على الصين فى الأيام الماضية، وأحسب أن عملية الاحتواء،وشيطنة التنين لن تتوقف عند معالجة أزمة كورونا،ولكنها ستشمل بالضرورة الجيل الخامس من شبكات الاتصالات،وشركة هوواي، وسجل حقوق الإنسان، ووضع الحريات العامة، والحريات الدينية، والمسلمين الأيجور، وهونج كونج، ومسألة تايوان. وبدأت الحملة بالحديث عن أن المخابرات المركزية الأمريكية تحقق فى تسرب كورونا من معمل صينى فى ووهان، وكيف تنبأ الملياردير بيل غيتس عام 2019 بظهور فيروس قاتل فى أسواق الصين، قبل انتقاله إلى بقية العالم، وتوقع غيتس، فى حلقة بعنوان الوباء القادم أذيعت على نتفليكس أواخر ٢٠١٩، ظهور فيروس ما فى أحد أسواق الصين.

.. وفى 19 فبراير الماضى أفردت مجلة تايم الأمريكية صفحاتها للناشط الصينى المعارض جوشوا وونج ، ونشرت له مقالة بعنوان هونج كونج فى مفترق طرق وجودي. وكتب وونج يقول: ما يقرب من نصف طريق العد التنازلى لمدة 50 عامًا ، تقع هونغ كونغ على مفترق طرق وجودي. إن الافتراض القائل بأن نصف قرن هو وقت كثير للصين الشيوعية لإرساء الديمقراطية أو على الأقل مقابلتنا فى منتصف الطريق من حيث الإصلاح السياسى قد تم دحضه بشكل مذهل، فى عام 2047 ، ستبقى المدينة إما ثابتة - إذا اعتقدت بكين أنها تخدم مصالحها فى تجديد سياسة دولة واحدة ونظامان أو الاندماج الكامل . واستنادًا إلى المسار الحالي، يبدو أن هونغ كونغ ستصبح مجرد مدينة فى البر الرئيسي.

..وقد عادت قضية تايوان - التى تعتبرها بكين إقليمًا متمردًا يجب استعادته بالقوة المسلحة إنْ لزم الأمر- إلى السطح مؤخرًا بعد نجاحات تايوان فى مواجهة كورونا، ومطالبة واشنطن بتعزيز تواجدها فى منظمة الصحة العالمية، وجاء ذلك بعد توقيع ترامب فى مارس الماضي، على قانون مبادرة الحماية والتعزيز الدولية لحلفاء تايوان، وبموجبه على الخارجية تقديم تقارير إلى الكونغرس حول خطوات تعزيز العلاقات الدبلوماسية لتايوان، وتغيير التعامل مع الدول التى تقوض أمن تايوان أو اقتصادها. وفى العام الماضى دعت رئيسة تايوان تساى إنج ون التايوانيين إلى الوحدة والتكاتف للدفاع عن سيادة تايوان فى وقت تتحدى بكين الحرية والقيم الديمقراطية والنظام العالمى عبر مزيج من السلطوية والقومية والقدرة الاقتصادية، مطالبة دول العالم بضمان عدم تغيير الوضع فى مضيق تايوان. وفى المقابل أكد وزير الدفاع الصينى وى فينج فى منتدى شيانغشان الأمني، أن بلاده عازمة على إخضاع تايوان لسيادتها، وأنّ لا قوة على وجه الأرض بإمكانها وقف هذا الطموح.

.. ومن ناحية أخرى نفت الصين صحة تقارير استخباراتية أمريكية بأن فيروس كورونا ربما جرى تخليقه فى مختبر طبي، وليس فى سوق للمواد الغذائية فى ووهان. وقال المتحدث باسم الخارجية لى جيان إنه لا يوجد دليل على أن الفيروس من تطوير الإنسان أو أنه نشأ فى مختبر. ومن ناحية أخرى رفضت بكين الاتهامات الأمريكية لها بمواصلة الأنشطة فى موقع لتجارب الأسلحة النووية. ومن جانبه طالب السفير الصينى لدى أمريكا تسوى تيان كاى بإقامة نظام عالمى جديد، وتعاون صيني- أمريكى أوثق لمكافحة فيروس كورونا، ودعا جميع الدول لرفض أى محاولات لتسييس المرض، وأوضح مواصفات هذا النظام للحوكمة الدولية بأن يكون منفتحا وشاملا ويقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بتنوع الثقافة والحضارة والنظامين السياسى والاقتصادي.

.. وتأتى هذه المواجهات مع بكين فى ظل أزمة أمريكية لم تعد خافية، ولخصها الأسبوع الماضى ديفيد ستوكمان، احد أركان إدارة ريجان بقوله: كورونا هو الدبوس الذى فجر الفقاعة، وسبب الآلام للكثيرين بعد تهاوى الأسعار فى سوق المال، وتحطيم الازدهار ‏الكاذب المعتمد على طباعة الدولارات دون غطاء، ‏والذى يقودنا إلى الاستنتاج بان نظاما آخر أصبح ضروريا، وأضاف أن ما بدا اقتصاد مزدهرا كان ممزوجا ‏بالعفن لتغول الاقتصاد المالى على الاقتصاد المنتج وازدهار المضاربة بتشجيع من البنك الاحتياطى الفيدرالى والسياسيين ‏فتحول وول ستريت إلى كازينو قمار تاركين الجماهير ‏تنوء بالديون.

.. ويبقى أن حملة شيطنة التنين الصينى بدأت بقوة، ولكن واشنطن لديها إصرار على احتواء التنين، وقد شبه المتشائمون ظهور الصين كقوة عظمى بصعود ألمانيا، وحلت المشكلة بحربين عالميتين، ولكن من الخطأ مثلما قال زعيم سنغافورة الراحل لى كوان يو الادعاء بأنها لاعب أخر كبير، بل أنها اللاعب الأكبر. ترى كيف سيلاعب التنين الغرب، وماذا فى جعبة واشنطن من أوراق لعب، وهو السؤال الكبير المطروح على مدى جيل كامل.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة