البالطو الأبيض .. وتأثير الأغنية في الوجدان الشعبي

21-4-2020 | 11:33

 

اعتاد الشعب المصري والعربي في كل العصور؛ أن يلجأ بوجدانه التلقائي إلى ترجمة انفعالاته ومشاعره في الأحداث التي تمر به من تقلبات الحياة اليومية الاجتماعية والسياسية في صورٍعدة، إما بالسخرية الحادة عن طريق "النكتة"، أو بالعزف على أوتار أفراحه وأحزانه عن طريق "الأغنية" بسيطة التراكيب اللفظية؛ أو في "مواويل الناي" في الموالد والمناسبات الدينية والاجتماعية؛ ولكن كان أبرزها تلك الأغنيات التي جرت على ألسنة عامة الشعب طوال عهود السيطرة والاحتلال الأجنبي، ومنذ تجرأ الزعيم "أحمد عرابي" وأقدم على إعلان التمرد على سلطة "الخديوي" التابع للدولة العثمانية!


ولست بصدد الحديث عن نجاح أو فشل " ثورة عرابي " أو "هوجة عرابي" كما أسماها البعض بإيعاز من سلطة الاحتلال للتقليل من شأنها، ولكن ما يهمني هو مواكبة "الأدباتي/ عبد الله النديم " لأحداث تلك المرحلة المهمة في تاريخ المصريين، والذي استطاع بأزجاله وأشعاره البسيطة في شكل إيقاعات غنائية يرددها الشعب؛ في تعبئة وشحن المشاعر ضد سلطة الاحتلال ـ ومنها على سبيل المثال :

أهل البنــــوكا والأطيـان ** صاروا على الأعيان أعيان
وابن البلـد ماشي عريان ** ما معــــاه ولا حق الدخــان

وربما كانت تلك الإيقاعات البسيطة تمهيدًا لتوالي الفوران الشعبي ليظهرعلى الساحة الشيخ "سيد درويش" بموسيقاه وأغنياته الوطنية التي مهدت لثورة 1919 بزعامة "سعد زغلول" رفيق رحلة حياة "الأدباتي" والتي دفع ثمنها بالسجن والنفي إلى أن مات غريبًا في اسطنبول!

وتأتي الثورة المصرية المجيدة (ثورة يوليو 1952)؛ ليناصرها ويعضدها جيل من عظماء فن الأغنية؛ الذين استطاعوا أن يتركوا الأثر الجميل في الوجدان الشعبي بكل الذائقة الجمالية في ترجمة الأحداث؛ بداية من "( ع ) الدوَّار" للمطرب محمد قنديل ـ كنموذج ـ مرورًا بظهور عبد الحليم حافظ الذي يُعد مطرب الثورة إلى آخر انفاسه.

ولم يكن يتسنى لهؤلاء تلك النجاحات؛ إلا بمواكبة جيل رائع من الشعراء وكتاب الأغاني، بداية من حسين الكومي وفتحي قورة وفؤاد حداد و صلاح جاهين وسيد حجاب و الأبنودي ... إلخ !! وكان محورهم الرئيس في تلك المرحلة هو الأغاني الوطنية التي تواكب الأحداث السياسية على الصعيدين المصري والعربي .

ولكننا نرى هذه الأيام .. وعلى إثراجتياح " فيروس الكورونا " لكل بلاد العالم: شرقه وغربه؛ أن الشعب المصري لم يترك هذه الأزمة كي تمر مرور رياح الصيف العابرة؛ ولكنه بفطرته قرر أن يقف للتسجيل والتأريخ، لنرى "طفل الصعيد الجوَّاني" يدق بالإيقاع الفطري الساذج على "صفيحة قديمة" مندِّدًا بهذا الوباء الذي حرمه اللعب على الترعة مع أقرانه؛ لتلتقطه عدسات التليفزيون؛ ليصبح نجمًا يغار منه المطربون على الساحة الغنائية؛ فيهرعون للمشاركة في كرنفال "هوجة الكورونا"؛ وليظهر ـ بعد غياب طويل ـ المطرب الفنان/مدحت صالح، ولكنه هذه المرة لا يؤرخ لحدث سياسي أو عاطفي، ولكنه يغني ـ بصدق ـ لتمجيد كتائب الأطباء وجيوش التمريض؛ الذين يواجهون خطر العدوى في خط الدفاع الأول عن صحة الشعب المصري؛ بل يقدمون العديد من الشهداء على مذبح "الوفاء بقسَمْ أبقراط " إيمانًا برسالتهم السامية في خدمة الوطن والبشرية؛ فيتغنى بكلمات (عمر طاهر): البالطو الأبيض كإشارة إلى الأطباء وكتائب التمريض:
يا ابو بالطو ابيض .. والقلب أبيض
أحلى مافيك الابتسامة
ياغالي عندي .. أهل البلد دي
ح يطولوا بيك بر السلامة
ياابو بالطو أبيض والقلب أبيض
عودك صلبتُه .. صاحي تمللي
ولا انسحاب ولا تخللي
رجعنا خطوة وسبقت إنت
صلِّينا وانت بينا المُصلِّي
تعبك على راسي وعلى عيني
يانجم عالي ياقصر عيني
ولا مللي خوف .. قادر تشوف
ياابو بالطو أبيض!

ونحن بدورنا لابد أن نضم أصواتنا إلى صوت هؤلاء الفنانين الوطنيين؛ الذين يؤرخون للأحداث الجسام التي تمر بالوطن؛ تيمنَّا بالرعيل الأول من الأدباء والفنانين والشعراء؛ الذين نقف لهم احترامًا وتعظيمًا لدورهم الفاعل في الحفاظ على الذاكرة الوطنية من الاندثار .

وها نحن نرى ركاب الفنون يسير جنبًا إلى جنب مع الحراك الفاعل والمخلص من الدولة بكل أجهزتها السياسية والعلمية والأكاديمية والطبية؛ لتقديم كل الخدمات لدرء الأخطار عن صحة المصريين .. ومصر المحروسة الغالية.

ولعل الإيمان بالله العلي القدير وقدرته على أن يهب "العلم" لأهله من جيش الأطباء؛ للوصول إلى سرعة التغلب على الهجوم الضاري لفيروس كورونا؛ متسلحين بسلاح العلم والتكنولوجيا المتقدمة، ولم تركن الدولة إلى التقاعس أو الإهمال في مواجهة "وباء الطاعون" والجلوس على قارعة الطرقات ــ كما فعلت "أيام حكم الماليك" ليرددوا :
يارب يامتجلي ..إهلك العثمانلي !!

تلك كانت تطوافة وجيزة لرصد مدى تأثير فن الأغنية في الوجدان الشعبي؛ ومدى حرصه وقدرته على تخطِّّي حواجز مؤسسات الثقافة الرسمية؛ ويكون هو الأسبق بالرصد والتسجيل لكل مجريات الأحداث على أرض الواقع .

حفظ الله مصر متمثلة في فنانيها وعلمائها وأطبائها، لتشرق علينا شمس العافية؛ لتضيء نهارات السعادة في الربيع الذي يُطل برأسه على الأبواب؛ لتنقشع سحابات "الكورونا" من سماء العلم والعلماء!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

مقالات اخري للكاتب

لأنهم يعلمون!

سؤال يطاردني.. هل من يعادون مصر من قيادات الإخوان وزبانيتهم يعلمون مايبذله الرئيس عبدالفتاح السيسي والدولة المصرية من جهود إنمائية ونهضوية في كافة المجالات

ولا عزاء للمتآمرين

انتصر المصريون بوعيهم الفياض وفهمهم أن هذا الوعي يمثل السلاح الفتاك وخط الدفاع الأول عن الأوطان، إن كل مصري شرب من نيل هذا الوطن واكتسب سمرة من شمسه وتنفس

القائد .. ومعزوفة الانتماء!

في إطار ثقافتنا المعرفية في أوساط النخبة والعامة؛ نجد أن "العصا" كان لها الحظ الوفير في الإضاءة عليها والتعريف بها في أشكال ومواقف متعددة؛ بدءًا من القرآن الكريم والإنجيل، وصولاً إلى الأمثال الشعبية وقصائد الشعراء، وحتى شعراء الربابة في سردهم للملاحم والمعارك بين أبطال السيرة الهلالية وغيرها.

الإنسان .. وجاذبية الدراما!

يقول الفيلسوف اليوناني "هيرقليطس": إنك لاتستطيع أن تستحم في البحر مرتين!

رئيسنا .. هبة السماء

لا أحد يستطيع ان ينكر أو ينسى فضل الأوطان على قاطنيها، وقد كان صوغ إيليا أبوماضي لكلمات بليغة على بساطتها فيها الصدق وبريقه، حين قال: وﻭﻃﻦُ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡِ ... ﺃﻧﺎ ﻫﻨﺎ .. ﺣَﺪِّﻕ ... ﺃﺗَﺬْﻛُﺮُ

اسلمي يا مصر .. إننا الفداء!

من يحبها منا يتمنى لها السلامة في كل حين، حتى وقت السلم، فما بالنا بوقت تحدق المخاطر فيه بمصرنا الحبيبة من كل حدب وصوب؟! نحن دعاة سلام لكننا لاندعو إلى

الشرطة والقوات المسلحة .. وجهان لعملة الحماية لمصر

سيهل علينا عيد الأضحى المبارك، وسيظل رجال الشرطة والقوات المسلحة يمارسون عملهم في توفير الأمن والحماية لمواطني هذا الشعب بكل التفاني والإخلاص، في حين ننعم نحن بقضاء عطلة العيد مع أسرنا، بفضل الإحساس بالطمأنينة بفضلهم..

التحرش وسنينه!

التحرش وسنينه!

"حنو" الرئيس .. و"ثمار" العدالة الاجتماعية

لماذا اختار الرئيس عبدالفتاح السيسي كلمة "الحنو" حين وجه حديث الطمأنة إلى المصريين في وقت عصيب قائلا، إن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه! من يحتاج إلى الحنو

ثورة الفـن .. وثورة يونيو!

أكتب إليكم كلماتي .. مع رشفاتٍ هانئة من فنجان قهوتي المُفعمة بطعم الهيل؛ وأنا بحجرة مكتبي وحولي صحبتي وأصدقائي الأعزاء من أمهات الكتب التي صنعت الوجدان المصري وقوته الناعمة.

شدة الغربال .. ويقظة النخوة الإنسانية؟!

يبدو أن بعض الكلمات المأثورة المتداولة على لسان الشعب المصري وصارت في حكم "الأمثال" المُعتمدة من الذائقة الوجدانية الشعبية؛ يكاد أن يكون لها ظل مؤكد من

..وتبقى مصر عصية .. على بقايا ورثة الخلافة العثمانية

..وتبقى مصر عصية .. على بقايا ورثة الخلافة العثمانية

مادة إعلانية

[x]