كورونا ومجتمع المخاطر العالمي

16-4-2020 | 14:32

 

أثارت جائحة كورونا الفكر الاجتماعي فاستدعت نقاشات علمية حول مجتمع المخاطر تهديدًا للمجتمع الإنساني، وفي مقال حديث ومهم للدكتور أحمد زايد علي، استدعى نظرية ميشيل فوكوMichel Foucault، الفيلسوف الفرنسي (ولادة العيادة) الذي ساهم في تطوير نظرية الضبط والرقابة عن طريق العناية بالجسد وصحة الإنسان، واحتمالات تحولها إلى حجر سياسي بين دول أوروبا، وهي مقدمات للحجر الدولي والضبط السكاني لمرحلة ما بعد الجائحة.


لقد جاء فيروس كورونا بمثابة الكارت الأحمر للنظام العالمي – وبعيدًا عن مسبباته - إلا أنه طرح بعدًا جديدًا للأمن الإنساني الذي ظل أسيرًا للأمن الفكري في مواجهة الإرهاب الدولي ، وينتقل المجتمع لمواجهة أشد ضراوة من الإرهاب، وهو تهديد الأمن الصحي العالمي في مجتمع المخاطر، وهي نظرية اجتماعية تصف إنتاج و إدارة المخاطر في المجتمع الحديث.

لقد تعرض المجتمع الإنساني للمخاطر طوال التاريخ، إلا أن المجتمع الدولي معرض لنمط من الخطر، نتيجة لعملية التحديث ذاتها التي غيرت من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي، كما ينظر لمكانة العلم والتكنولوجيا نظرة غير مستقرة، فالعلم كثيرًا ما ينتج معرفة ناقصة ومتناقضة حول تلك المخاطر المعاصرة، و تركز دراسات مجتمع المخاطر (Risk Society) على طبيعة التهديدات الناجمة عن التطور التكنولوجي وثورة المعرفة ومن أهمها: إطلاق الكائنات المهندسة وراثيًا معمليًا، خاصة في مجال التكنولوجيا الحيوية، وقد طوّرها عالم الاجتماع الألماني المعروف أولريخ بيك (Ulrich Beck) في كتابه "سوسيولوجيا المخاطر"، إلى أن المجتمعات الصناعية والتكنولوجية المعاصرة شاهدت انتشارًا لمخاطر جديدة، يصعب قياسها بالرغم من الالتزام السائد بحسابها، وكانت المفاجأة هي نجاح هجمة كورونا في الجولات الأولى، وانهيار بعض الأنظمة الصحية في بلدان متقدمة، على عكس ما كنا نتصور، أن البحث في موضوع المخاطر يأتي وليدًا لظروف مجتمعية معاصرة جمة، ظهرت على مختلف الأصعدة البيئية والأمنية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية مصاحبة للحداثة، وفي الوقت نفسه كانت المؤسسات العلمية والتكنولوجية تهدف لتحقيق انتصارات للإنسانية إلا أن هذا المسار ربما يكون شهد إخفاقات موازية للإنجازات، أثرت على البيئة والإنسان والحيوان شاهدنا أثارها ( في تجارب نووية وحروب كيماوية وبيولوجية)، والأخيرة كانت عالية في مستوى الطموح العلمي؛ خاصة في مستوى الهندسة الوراثية، وبرغم عظم نتائجها إلا أنه كان هناك عبث متعمد لتحريف جينات الثدييات والزواحف والميكروبات والفيروسات في محاولة لإثبات قدراته دون أن يعبأ بآثارها واحتمالات خروجها عن السيطرة، وأكد بيك أن مجتمع المخاطرة ساخط على تبعات الحداثة السلبية، ويبحث عن طريقة لأدارتها والوقاية منها، في محاولة للتحكم في التهديدات الناجمة عن التقدم الصناعي في القرن الـ20.

وفي كتابه الثاني "مجتمع المخاطر العالمي" كان يبحث عن الأمان المفقود (2006) متوقعًا لمخاطر الربع الأول من القرن الـ21، أسماها المخاطر الطيارة (حيث تطير هذه المخاطر من مكان إلى آخر دون القدرة على إخضاعها أو التحكم فيها)، تبدو من آثار العولمة، وتدفقاتها المعلوماتية لتتخطى حدود القومية، ويتضح لنا أن التطور العلمي يسير في اتجاهين الأول إيجابي يهدف للرفاهية، والثاني كارثي بفعل التداعيات السلبية، وطرح في نظريته للمخاطر ثلاثة محاور: الأول عولمة المخاطر العابرة للقوميات، والثاني العرض الإعلامي لتتمتع الكارثة بمصداقية حقيقية في محاولة لفهمها ومنعها، والثالث المقارنة بين مجالات المخاطر البيئية والاقتصادية والإرهابية، وأعتبر الأولى والثانية مخاطرها صدفة (حسن نية) أما مخاطر الإرهاب فهي متعمدة عن (سوء نية)، ويبدو أن المخاطر الوبائية "جائحة كورونا " تقع في المنتصف بين الصدفة والعمدية؛ نظرًا لحالة غياب اليقين حول المسببات حتى الآن.

أما أنتوني جيدنز Anthony Giddens عالم الاجتماع الإنجليزي، فقد أكد أن "العولمة تؤدي إلى نتائج بعيدة المدى وتترك آثارها على مناحي الحياة الاجتماعية جميعها تقريبًا، وتسفر عن مخرجات يصعب التكهن بها أو السيطرة عليها، وتفرز أشكالًا جديدة من الخطر، يرى أن المخاطر نوعان: مخاطر خارجية ترتبط بالتقليدية والطبيعة؛ وهي خارج إرادة الإنسان (أوبئة، فيضانات، مجاعات، جفاف)، ومخاطر مصنعة (مخلقة)؛ وهي التي قد يتدخل فيها الإنسان بإرادته سواء بطموحاته العلمية أو لقصوره في السيطرة عليها، وقد طرح مبدأ إن الخطر يعد في حد ذاته تنشيطًا للطاقات الإنسانية، وخصوصًا فيما يتعلق باستكشاف عوالم واختراعات وأسواق جديدة.
ومن المخاطر المحسوبة والمؤثرة في النشاط الإنساني كالإشعاعات والسموم المسرطنه، والاحتباس الحراري وغالبًا ما تكون غير مرئية ومنها والفيروسات المخلقة، لقد شهد الربع الأول من القرن العشرين تحولا في توازن المخاطر، ما جعل المخاطر المخلقة أشد أثرًا من المخاطر الأمنية المتعارف عليها، وبات هناك نظرة متشككة في قدرات العلم.

لقد كانت المخاطر، تنحصر في كل ما هو متعلق بالتلوث البيئي والتجارب النووية، وأسلحة الدمار الشامل والحروب السبيرانية، ومخاطرها المتوقعة مع ذيوع استخدامات تكنولوجياتG5، كما ترتب على اتساع مجالات التطور التكنولوجي ضرورة استحداث طرق حساب المخاطر التي أجمعت عليها العلوم الطبيعية والبيولوجية والهندسية والاجتماعية، كمحدد لقراراتها، كما طرح جينديز ثلاثة أنواع من المخاطر، هي المخاطر المصنعة، والمخاطر البيئية، والمخاطر الصحية.

فالمخاطر المصنعة، ترتبط بالتطور الصناعي والتكنولوجي الهائل الذي أدى إلى اقتحام ميادين جديدة غير مسبوقة، مثل القدرات النووية والقدرات السيبرانية "من الذكاء الاصطناعي (IT)"،أما المخاطر البيئية فترجع إلى التدخل الإنساني في مجال البيئة الطبيعية سلبيا، لاستنزاف الموارد الطبيعية، مما أحدث خللًا بها، منها ظاهرة الاحتباس الحراري وآثاره على الغلاف الجوي للأرض.

وأخيرًا المخاطر الصحية، وأبرزها ولاشك ظهور أمراض جديدة تأخذ شكل الأوبئة مثل الإيدز، وجنون البقر، وإنفلونزا الخنازير والطيور، وسارس، وأضيف مؤخرًا جائحة كورونا (الناجمة عن التدخل المعملي في تخليق فيروسات جديدة لبداية عصر جديد من الحروب البيولوجية).

مقالات اخري للكاتب

أزمة كورونا وارتباك الأداء الدولي (2-2)

في ضوء خصائص الأزمات الدولية المعاصرة والتحديات المصاحبة لأزمة كورونا من خلال التحليل المتقدم في مقالنا السابق يمكن القول بأن: النجاحات المصرية جاءت مقارنة

أزمة كورونا وارتباك الأداء الدولي " (1-2)

شهد العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة تغيرات سريعة ومتلاحقة في كافة مجالات الحياة نجم عنها العديد من الأزمات الدولية المعاصرة، بفعل التطورات غير المسبوقة

كورونا وأزمة البحث العلمي في العالم

​يعد البحث العلمي ركيزة التحديث والتطور في الدول والمجتمعات، فالدول المتقدمة تبلغ من خلاله صدارة اقتصادية وعسكرية وعلمية، وهو المخرج للدول النامية للحاق

المجتمع المدني ومواجهة جائحة "فيروس كورونا"

منذ إعلان منظمة الصحة العالمية عن هجمة فيروس "كورونا" بأنها "جائحة عالمية" في 12/3/ 2020، فإن هذه الأزمة الصحية العالمية سوف تحدد معالم المستقبل للمجتمع

[x]