صوم رمضان في زمن الكورونا

16-4-2020 | 13:10

 

رمضان هذا العام، ليس ككل عام، فالعالم كله يستقبله وفي فمه غصة شديدة مشوبة بالألم بطعم وباء كورونا.. وإذا كان كثيرًا من الناس في السنوات الماضية، ممن تقهرهم الأسباب الصحية أو يقعون في دائرة رخصة الفطر، يتساءلون كمدًا إن كان يحق لهم الصوم من دون متاعب خشية الحرمان من ثواب الشهر الكريم، فإن التساؤلات هذا العام وبسبب الوباء طالت كثيرًا من الناس، المرضى والأصحاء، حول حكم صيام رمضان في زمن الكورونا..

هذه البلبلة بدأت مع رأي أحد الأطباء بأن على كل فرد أن يقيّم مدى قدرته على صوم رمضان هذا العام، ورخص لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والمجموعات الأكثر تعرضًا للإصابة بهذا المرض بأن يفطروا؛ لأن في الصيام يحدث جفاف، والجفاف يعطي للفيروس فرصة لممارسة قوته علينا، كما أنه يبطئ من الدورة الدموية التي تنقل الخلايا المناعية التي تدافع عن الجسم..

لكن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، حسم الجدل مبكرًا حول حكم صيام شهر رمضان خلال فترة انتشار فيروس كورونا الجديد، مؤكدًا عدم جواز الإفطار إلا في حال رأى الأطباء ضرورة بقاء فم الصائم رطبًا طوال اليوم كإجراء وقائي من الإصابة بالفيروس.

وأوضح مركز الأزهر، أنه على الرغم من أن "الأمر سابق لأوانه؛ فإنه لا يجوز للمسلم أن يفطر رمضان إلا إذا قرر الأطباء وثبت علميًا أن الصيام سيجعله عرضة للإصابة والهلاك بفيروس كورونا، وهو أمر لم يثبت علميًا حتى هذه اللحظة".

ولأن فصل الخطاب في هذا الأمر يعود للرأي العلمي الواضح، هناك رأي طبي تبناه الدكتور السيد العقدة أستاذ الصحة العامة والأمراض المهنية بطب عين شمس حول طبيعة صيام رمضان مع تفشي مرض الكورونا، ويطرح فيه رؤية علمية من دون أي تحيز أو مبالغة واستنادًا إلى الأبحاث والأدلة العلمية الثابتة في الدوريات العلمية الرصينة..

في هذا الرأي يوضح د.العقدة أن هناك العديد من التغيرات الفسيولوجية الثابتة علميًا لجسم الإنسان نتيجة الصيام بسبب نقص الغذاء والماء لمدة تتجاوز 16 ساعة يوميًا، وأن الأبحاث العلمية الحديثة تؤكد أن من مزايا صوم رمضان زيادة في عدد كرات الدم الحمراء والصفائح الدموية وخلايا الدم البيضاء المناعية، ومن ضمنها الخلايا الليمفاوية والتي لها تأثير دفاعي مباشر ضد الفيروسات "مثل فيروس كوفيد19"، مما يحسن مستوى المناعة بشكل مباشر، وقد لا يقلل فرص العدوى؛ لكنه يسهم بشكل مباشر في مقاومة الفيروس في حالة العدوى.

كما أن من مزايا الصوم نقص منتجات الالتهاب مثل السيتوكاين والتي تلعب الدور الأساسي في تدهور حالة مرضى كوفيد19 وغيرها من الفيروسات الرئوية، بالإضافة إلى تحسن فرص الشفاء لمرضى الأمراض المناعية.

والسؤال المهم، هل الصيام يزيد من فرص العدوى بفيروس كورونا ، أو يزيد من المضاعفات عند الإصابة؟

يرد د.العقدة على ذلك بالقول: لا يوجد بحث علمي أو حقيقة واحدة ربطت بين الصيام المتقطع، وهو صيام المسلمين وبين زيادة معدل الإصابة بالفيروسات.

وفيما يخص نقص الماء وجفاف الحلق، برغم أهمية الماء للدورة الدموية، إلا أن جسم الإنسان يستطيع تعويض هذا النقص عن طريق تركيز البول؛ وعليه لا يوجد أي دليل علمي على زيادة العدوى أو المضاعفات عن نقص شرب الماء في الصيام، خاصة أن الصيام في هذا العام يأتي في جو معتدل الحرارة.

ويخلص د.العقدة إلى القول بأن الصيام لا يزيد من مشكلات العدوى أو المضاعفات بالكورونا، بل إنه بحسب الأدلة العلمية يُحسن حالة الجسم الصحية العامة والمناعة على وجه التحديد؛ وهي خط الدفاع الأول للفيروس المستجد

كما أن الصيام يُحسن قدرة الجسم على مواجهة الأمراض المزمنة بشكل مؤكد بالأدلة العلمية، مما ينعكس بوجه عام على صحة الجسم ومقاومته للأمراض، لكن يستثنى من هذا الكلام المرضى الممنوعون من الصيام، حسب توجيهات طبيب استشاري متخصص حسب كل حالة، ولا يمكن التعميم في هذا المجال.

وعالميًا هناك دراسة دولية مهمة نشرتها كلية طب بيلور في هيوستن في شهر أبريل الحالي.. الدراسة التي يتم تمويلها من معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، و معهد تكساس لأبحاث السرطان ، أجريت تحديدًا على صيام رمضان وتأثيره على المناعة.

خرجت الدراسة بنتائج علمية مهمة جدًا، من أهمها أن الصيام، كما يفعله المسلمون، يؤدي إلى نشاط بروتيني يساعد على الحماية من السرطان، وينظم البروتينات بشكل يقي من البدانة والسكر واختلال الدهون والكوليسترول، كما يؤدي إلى إصلاح وضبط اختلال المادة الوراثية، ويقوي ويدعم الجهاز المناعي، ويساعد على الوقاية من مرض الزهايمر وأمراض عصبية ونفسية أخرى، ويسهم في ضبط الساعة البيولوجية للجسم...

وينصح العلماء القائمون على الدراسة بالصيام، كما يفعل المسلمون في رمضان، كعلاج وقائي، وعلاج مساعد للأدوية في كل الأمراض المذكورة..

من المهم جدًا أن ندرك أن شهر رمضان هذا العام يختلف عن الأعوام الماضية، وأنه يجب أن نُعدّل من سلوكنا لتتناسب مع الأوضاع الراهنة، واتباع الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار الفيروس والتقليل من الإصابات..

فاللهم بلغنا رمضان، وأعنا على صيامه واحفظ مصر وأهلها والناس أجمعين.. وكل عام وأنتم بخير

مقالات اخري للكاتب

2020 في توقعات الخيال العلمي!

مخطئ من ظن يومًا أن عام 2020 قد يتوارى في ذاكرة من عايشوه، فما ورثه من "كوفيد"، رغم انتسابه للعام 2019، لكن ما خلفته هذه الجائحة من المؤكد أنها لن تغادر ذاكرة البشر أو تتوارى خلف مزيد من الذكريات، ولو بعد حين.

ولكم في الكتابة .. علاج!

هل تخيلت يومًا أن ينصحك طبيبك بالكتابة؛ سواء على الورق أو على حسابك الإلكتروني، للبوح لنفسك أو للآخرين بما يعكر عليك صفو حياتك، أو ما يثير قلقك ويؤرقك ويزيد معاناتك مع مرض ما؟

عندما يصمت الربيع!

ترى كيف يكون الربيع صامتا؟.. وإذا كتبت الأقدار الصمت على الربيع، فأين تذهب شقشقة العصافير.. وهديل الحمام وسجع اليمام.. وانتفاضة الشجر بالأزهار والبراعم

لا تقتلوا الخفافيش

على خلفية تحميلها مسئولية تفشي وباء فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19"؛ تتعالى الأصوات في الصين حاليًا لقتل الخفافيش، والتقطت البيرو طرف الخيط، وبدأت بالفعل حملة منظمة لقتلها، ويبدو أن العدوى قد وصلت إلى أمريكا أيضًا.

توابع كورونا النفسية!

بعدما صارت حميمية اللقاءات بين الناس في الشوارع وطقوسها من سلام وعناق شيئا من الماضي، وضاقت على الناس الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم بسبب الحصار الذي فرضه عليهم فيروس كورونا..

سينما الفيروسات والأوبئة!

إن من يمتلك التكنولوجيا يحكم العالم، فالإمبراطورية البريطانية التي لم تغب عنها الشمس كانت بفضل عصر الاستكشاف الأوروبي الذي بدأ مع الاكتشافات البحرية العالمية، وأمريكا بسطت سيطرتها على العالم مع تفجير أول قنبلة نووية عام 1945..

تكنولوجيا زمن الكورونا

يبدو أن التكنولوجيا التى طالما واجهت اتهامات بالمسئولية عن التباعد الاجتماعي، وجدت في كورونا فرصة لتبييض وجهها، بعدما دخلت على الخط بقوة لمحاربة عدو لم يكن في الحسبان، وباتت وسيلة الناس الأكثر أمنًا وآمانًا في استعادة التواصل الاجتماعي المفقود في ظل أطول حجر صحي عرفه العالم..

إنسان 8 جيجا؟!

ربما يكون "اللمبى 8 جيجا" الفيلم المصرى الوحيد الذى يمكن اعتباره ـ إلى حد ما ـ من أفلام الخيال العلمى، حقيقة فى خلال 5 سنوات من الآن!!

عودة مشروطة للحياة!

ما أشبه الليلة بالبارحة فى التصدى لوباء كورونا مقارنة بما فعله العالم قبل مائة عام فى تصديه لجائحة إنفلونزا 1918..

في الثقافة الغذائية

رمضان شهر الطاعات والعبادات، بدل أن يكون فرصة للاقتصاد في النفقات، بات مصريا وعربيا شهرا لالتهام الطعام ومتابعة الفوازير والمسلسلات.. هكذا حولنا رمضان،

ماذا بعد كورونا؟!

يبدو أن حديث المؤامرة الذى سيطر فى بداية ظهور فيروس كورونا وتنحى قليلا مع تفشى الفيروس، عاد إلى الواجهة من جديد، فكلما ازدادت وطأة تفشى الفيروس فى أمريكا،

هواجس مشروعة في لقاح كورونا!

وباء كورونا الذي حل كالصاعقة، بمثابة تسونامي طبي، أخذ كل الأنظمة الصحية في العالم على حين غرة وأصابها بالارتباك، ومن هول الصدمة يصفه رئيس هيئة الصحة العامة الأمريكية بأنه بيرل هاربر أخرى وأحداث 11 سبتمبر جديدة تتعرض لها بلاده!!

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]