التعليم والعمل.. عن بعد

14-4-2020 | 15:27

 
رغم الأسئلة الحائرة والأخبار الغامضة حول ذلك الفيروس الذي لا يرى بالمجهر إلا بصعوبة، والذي ألزم البشرية كلها بأن تقبع في بيوتها، وأن تغير برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على نحو غير مسبوق في التاريخ المكتوب، فقد عبرت على الإنسان أوبئة كثيرة في أحقاب زمنية مختلفة، ولكن لم تكن الدنيا على درجة التواصل الإنساني وسرعة انتشار الخبر واختراق الرأي لكل الحجب بهذه الصورة التي نراها، لقد أصبحنا في موقف يصعب التنبؤ بما يأتي بعده وما يحدث نتيجة له.

وفي ظني أنه برغم كل السلبيات المتصلة بما نحن فيه إلا أن هناك بصيصًا من ضوء يلوح في الأفق يعتمد على حكمة معروفة تقول (رب ضارة نافعة)، فلو لم تكن للكورونا ميزة إلا أنها وضعت الإنسان بشكل مفاجئ أمام تحد كبير يلزمه أن يجد حلولًا لمشكلات حلت عليه وأزمات طرأت على حياته، ولقد قالوا قديمًا (إن الحاجة أم الاختراع).

لذلك فإن العمل عن بعد والتعليم من المنازل منعًا للتجمعات وحرمانًا للكورونا من البيئة التي تنتعش فيها؛ لهذه الأسباب مجتمعة أصبح على الإنسان أن يقتحم هذا الطريق الذي كان يرتاده من قبل على استحياء، ونحن نتذكر جهود وزير التعليم الحالي في الانتقال إلى مرحلة التعليم عن بعد، وكيف كانت المعارضة له عاصفة فإذا سير الأحداث ينصفه ووصول الكورونا يدعم وجهة نظره ويدفعنا دفعًا إلى ولوج عصر كنا نترقبه بعد سنوات، إلا أن الكورونا عجلت بكثير من الأطروحات التي كانت قائمة حول العمل والتعليم عن بعد، وكانت مؤجلة لأسباب تتعلق بالنقلة النوعية التي لم يتم استيعابها من الأغلب الأعم من الناس، وأتذكر عندما كنت سفيرًا في فيينا وكان المترجمون يأتون من كل البلاد العربية للعمل في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أننا فوجئنا في مرحلة معينة بأن أعلنت الوكالة عن عدم الحاجة لحضور المترجمين التحريريين إلى العاصمة النمساوية، وبقائهم في بلادهم على أن يكون التواصل معهم إلكترونيًا، وبذلك يتم توفير نفقات الإقامة لعشرات المترجمين فضلًا عن توفير جزء من رواتبهم، وكان ذلك منذ أكثر من عشرين عامًا، وشعرت وقتها أن العمل في المكاتب والدراسة في المدارس سوف تحتاج إلى إعادة نظر بعد سنوات قليلة؛ وذلك منعًا للتكدس وزحام الطرق والتأثيرات السلبية للمواصلات على البيئة في مختلف أنحاء العالم.

ويبدو أننا نقترب الآن قسرًا من ذلك، فلقد فرضت علينا كورونا اختفاء التجمعات والاعتصام بالمنازل وعقد الاجتماعات عن بعد والكتابة من خلال التقدم التكنولوجي الكاسح في أساليب انتقال المعلومات وتوزيع الأخبار وتحويل العالم بحق إلى قرية كونية صغيرة، والآن دعنا نطرح الأفكار الآتية:

أولًا: إنه بالنسبة لدولة كمصر فإن الذي يحدث حاليًا إنما هو خدمة جليلة لمستقبل الدولة، وتحويلها إلى دولة رقمية كما كانت حكومتها تحاول عبر السنوات الأخيرة، فضلًا عن تعزيز وسائل الدخول في مجتمع الدولة الحديثة والانتقال إلى مرحلة حقيقية من مراحل الأخذ بأساليب العلم وطرائق المعرفة.

ثانيًا: سوف يتخلص طلاب المدارس من ذلك النمط التقليدي العقيم للامتحانات التي ظلت لعدة قرون هي الفيصل في التفرقة بين المتميزين وبين المتخلفين، لقد حان الوقت الذي يجري فيه فتح الباب واسعًا لقنوات المعرفة وسبل التعليم، إن ما يجري حاليًا هو محاولة لاختصار الزمن واقتحام التجربة في شجاعة إذا ما تمت بنجاح على مستوى العالم، فإن الدنيا سوف تختلف نوعيًا والحياة سوف تصبح أكثر سهولة ويسرًا.

ثالثًا: إنني أتذكر جيدًا تجربة عاصرتها منذ سنوات قليلة، فبعد وصول السفير الجديد للمملكة المغربية إلى القاهرة بأقل من أسبوع قرر الملك محمد السادس زيارة مصر لعقد اجتماع اللجنة المشتركة بين الدولتين، والذي يتم برئاسة رئيس مصر وملك المغرب، وأسقط في يد السفير المغربي الجديد الذي لم يكن قد تعرف حتى على عنوان السفارة فكيف به أن يتمكن من تقديم كل المسئولين والشخصيات العامة للعاهل المغربي؟ خصوصًا أن الملك محمد السادس قرر أن يقيم حفلًا مغربيًا كبيرًا على شرفه في القاهرة يستقبل فيه كبار الأدباء والشعراء والفنانين والساسة والإعلاميين ولكن السفير المغربي اكتشف بعد ذلك أنها كانت أفضل فرصة له حيث دفع دفعًا إلى مواجهة الموقف والتعرف مباشرة على الناس بسرعة شديدة لدرجة أنه طلب منا نحن القادمين إلى الحفل بأن نذكر أسماءنا ووظائفنا ويتولى هو التعليق همسًا للعاهل المغربي، ولقد نجحت فكرته وتمكن خلال عشرة أيام من وجوده في القاهرة أن يقيم شبكة علاقات قوية عاش عليها السنوات الأربع التالية.

رابعًا: إن محنة التعليم المصري قد تجد طريقها إلى الحل بفضل فيروس كورونا، كما أن تكدس الجهاز الإداري المصري والبيروقراطية الموروثة يمكن أيضًا أن نخرج من إطارها جميعًا بالأساليب الحديثة للعمل عن بعد مثلما هو الأمر بالنسبة للتعليم عن بعد، وقد يكون الأمر صعبًا في بدايته أو مرتبكًا في الفترة الأولى، ولكنه عندما يستقر سوف يضع مصر على الطريق الأفضل لثورة إصلاحية في التعليم المصري الذي مازال يمضي على إستراتيجية (دانلوب) التي أرساها المحتل الإنجليزي منذ أكثر من قرن وربع قرن، ولن يتحقق ذلك كله إلا بحلول غير تقليدية وأفكار عصرية تعرف معنى الحداثة وتدرك مغزى التغيير وتستثمر ميزة الوصول إلى الاقتصاد الرقمي وأفكار الشمول المالي بحيث تعزف الدولة كلها على نغمة واحدة.

خامسًا: ليس هناك من يزعم أن محنة التعليم المصري يمكن أن تجد طريقها إلى الحل بنفس الأساليب التي كانت عليها خصوصًا وأنه لا المباني المدرسية، ولا الهرم التنظيمي للمعلمين، ولا إمكانات الدولة تستطيع أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء لكي نجد في كل قرية مدرسة نموذجية ذات مسرح وملاعب وفناء كبير، ثم بعد ذلك المدرس والإداري والمشرف.. هذه أحلام ولت لعصور مضت وأصبح علينا أن ندرك أن واقع المستقبل يختلف تمامًا عما كنا عليه في الماضي، وكأنما جاء ذلك الفيروس ليغير وجه العالم ويجعلنا أمام عالم جديد بكل المعايير.. حقًا إنها مقولة خالدة (رب ضارة نافعة)!

مادة إعلانية

[x]