ماذا جرى لكم .. يامصريين؟!

14-4-2020 | 13:39

 

رجاءً من القلب.. ألا تقطِّبوا جبينكم دهشةً واستنكارًا لما حدث في مسألة الاعتراض على دفن الطبيبة المتوفاة بـ "فيروس كورونا" بإحدى القرى في محافظة الدقهلية من أعمال مديريات مصر المحروسة؛ ولا يأخذكم العجب من هذه (السقطة) في السلوكيات والتصرفات التي حدثت من "القلة الموتورة" التي أشهرت سيف التمرد والمعارضة ـ في وجه الدولة والقانون والأعراف المجتمعية والدينية والإنسانية والأخلاقية ـ لحظة محاولة مواراة جسد الشهيدة طي ثرى قريتها التي يضم ثراها عظام أجدادها وبني عشيرتها!

ودعوني أقف هُنا لحظة.. لأسطر ملاحظة عابرة ـ قبل التواصل في الحديث عن تلك الظواهر الموسمية في المجتمع المصري ـ ؛ فأتذكر ما جاء في الرواية الرائعة "الحرية والموت" للكاتب والفيلسوف اليوناني "نيكولاي كازنتزاكس"؛ عن كيف يواجه سكان بعض القرى اليونانية غضب وطوفان النهر على قُراهم؛ أو عند تعرضهم للهجوم من قبل بعض الأعداء، وهو الأمر الذي يضطرهم للهجرة والنزوح لبناء قرية جديدة لسُكناهم بعيدًا عن مجرى النهر أو أماكن تجمع الأعداء؛ فكانوا يلجأون ـ بادئ ذي بدء ـ إلى حمل عظام القبور وأخذها معهم لإتمام دفنها في مدخل القرية الجديدة؛ ففي اعتقاداتهم الراسخة أنه لا حياة فوق الأرض إلا بالقرب من وجود "عظام الأجداد" تحت الأرض في طيات تراب قراهُم وبيوتهم الجديدة، وهكذا كانت تفعل قرى اليونان القديمة في جزيرتي قبرص وكريت.. وهكذا كان ـ أيضًا ـ تاريخ الفراعنة بحضارتهم التي سبقت الحضارة اليونانية.

ونعود إلى الحديث عن هذه "الشراذم" الموجودة في كل زمانٍ ومكان عبر تاريخنا المصري القديم والحديث؛ أو ليست تلك القلَّة هي التي رفعت "بائع الدخان الألباني/ محمد علي " ـ وهو الذي جاء على رأس قوة للغزو والاحتلال ـ على الأكتاف ليصعدوا به إلى القلعة مطالبين السلطان العثماني بتنصيبه حاكمًا على مصر؟ بلى.. وهم أيضًا من عارضوا تولي حكم مصر بمعرفة "أولاد البلد" بداية من الشيخ الشرقاوي وعمر مكرم وغيرهم من الوطنيين الشرفاء.. ولكنها "الفئة الضالة" التي تسير دومًا عكس التيار!

ولو حاولنا ذكر تلك التصرفات الحمقاء من أولئك "الموتورين" على مدار التاريخ؛ لكان احتياجنا إلى مجلدات ومساحات شاسعة من الأوراق والدفاتر؛ وقد نتذكر استنكار "يوليوس قيصر" لقاتله بالخنجر المسموم بكلمته التي صارت مثلاً: حتى أنت يابروتس؟ أي التعجب من خيانة أقرب المقربين إليه! ما بالنا بمن يعيشون بيننا ويأكلون من ثمار أرضنا الطيبة؛ ولكنهم للأسف لا يمتون بصلة وطيدة للقيم المصرية الأصيلة؟!

إذن.. فأرباب الخيانات التاريخية المناوئة لسلطة الدولة والقوانين والأعراف؛ عادوا يطلون علينا من جديد بوجههم القبيح الذي يتمثل في شراذم "خوارج العصر" التابعين للقوى المعادية لمصر وتوجهاتها الحضارية في السعي لرفاهية الإنسان، فهؤلاء لا يحملون في شرايينهم عظمة الجينات المصرية الأصيلة؛ التي علمت العالم معنى القيم الإنسانية منذ فجر التاريخ.

لم أذهب بعيدًا عما بدأته من حديث، ولكنها التداعيات الفكرية التي أذكرها للتخفيف من حدة الصدمة التي انتابت قلوب الإحساس الجمعي في مصر والعالم المتحضر، ولكن عندما اتضحت الرؤية في الإضاءة ـ من قبل الجهات الأمنية المصرية ـ على العناصر التي ارتكبت هذا الجُرم اللا إنساني بالصوت والصورة؛ كان رد الفعل الطبيعي هو أن تثلج صدورنا بسرعة القبض على هؤلاء المجرمين؛ ولترتد كرة النار إلى صدور مشعلي الفتنة، ورد الاعتبار لمن ذهبت إلى دار البقاء بإطلاق اسمها على "مدرسة" في قريتها؛ ليُكتب لها الخلود مع الأجيال الصاعدة.. وما ربُّك بظلاَّمٍ للعبيد !

ولكن.. نعود للسؤال الذي يلح علينا: ماذا جرى يا مصريين؟

هذا سؤال تعجيزي بالتأكيد!

لذا.. نترك الإجابة ل علماء الاجتماع والباحثين في بنية المجتمعات البشرية؛ وندعوهم لعقد مؤتمرات مجمَّعة مع منظمات المجتمع المدني لدراسة تأثير التحولات السياسية والاقتصادية والتركيبة المجتمعية السويَّة؛ وقبل أن تقوم جحافل الأدعياء بتشويه لوحاتها الفنية الجمالية بفرشاة السواد وغمسها في ـ بعض ـ ثقافة التراث المؤمنة بثقافة التقوقع ومعاداة التجديد والاجتهاد، وهو الأمر الذي تجاوزته بفراسخ ثقافات كل الشعوب المتطلعة إلى ثقافة الحياة بكل ما فيها من إعلاء لقيمة الإنسان وكرامته على ظهر البسيطة.

إنها فرصة ذهبية ـ برغم كل الوجع والألم ـ لإعادة البحث الأكاديمي لتقنين ورصد مسار تطورات المجتمع المصري وسلوكياته، ومعرفة مدى تأثير الأفكار العقائدية التي يقوم بتشويهها ــ عمدًا ـ شراذم الشر داخل المجتمعات الريفية التي لم تنل القسط الكافي من التعليم والثقافة، وهم حقل التجارب لتلك القوى الشريرة التي لا تهدف إلا لإثارة القلاقل والفتن.

دعوتي إلى أساتذة الجامعات و علماء الاجتماع ومنظمات المجتمع المدني؛ بإقامة حلقات البحث والدراسة على مستوى الجمهورية ومواقع تلك الأحداث الجسام، وليتنا نطرق الحديد وهو ساخن قبل أن يبرد، وقبل أن تدهمنا المزيد من السنوات، لنعود للبدء من جديد..

وحينئذٍ.. لن ينفع الندم.. و"ترجع ريمة إلى عادتها القديمة"!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

مقالات اخري للكاتب

ثورة الفـن .. وثورة يونيو!

أكتب إليكم كلماتي .. مع رشفاتٍ هانئة من فنجان قهوتي المُفعمة بطعم الهيل؛ وأنا بحجرة مكتبي وحولي صحبتي وأصدقائي الأعزاء من أمهات الكتب التي صنعت الوجدان المصري وقوته الناعمة.

شدة الغربال .. ويقظة النخوة الإنسانية؟!

يبدو أن بعض الكلمات المأثورة المتداولة على لسان الشعب المصري وصارت في حكم "الأمثال" المُعتمدة من الذائقة الوجدانية الشعبية؛ يكاد أن يكون لها ظل مؤكد من

..وتبقى مصر عصية .. على بقايا ورثة الخلافة العثمانية

..وتبقى مصر عصية .. على بقايا ورثة الخلافة العثمانية

تسونامي كورونا.. شكرًا!

يجب أن نعترف أننا لم نعطِ اهتمامًا واجبًا وكافيًا لصرخة الأديب الروائي الكبير/يحيى حقي؛ في روايته التي تُعد بمثابة النبوءة والمعجزة في الحياة الأدبية الثقافية

الإعلام .. رسالة والتزام!

أعتقد اعتقادًا راسخًا - وبقناعة تامة - أن المجتمع المصري في المرحلة الحالية - وبخاصة في ظل اجتياح فيروس "كورونا" - أصبح في أشد الحاجة إلى الكوادر المؤمنة

عن الدراما .. والمسئولية الوطنية!

أغلب الظن أن الفنانين من صناع الدراما في التليفزيون المصري؛ سيتوقفون طويلا - بالنقد والتحليل - أمام تداعيات رجع الصدى في الإحساس الجمعي المصري والعربي؛

دماء الشهداء .. والحُزن النبيل!

بادئ ذي بدء.. أنا لست من دُعاة التجهُّم والحُزن وارتداء قناع الكآبة؛ للإعلان عما يعتمل في أعماقي من مشاعر تجاه حادث (ما) جلل؛ يقع على ساحة الشارع المصري

رمضان (الكريم) .. والتنمر!

في مقولة شهيرة للعارفين ببواطن أمور وأسرار العقلية العربية بشكلٍ عام، والمصرية بشكلٍ خاص إن "الجواب يقرأ من عنوانه"؛ أي أنه ينبئ عن المحتوى قبل فض المظروف!

البالطو الأبيض .. وتأثير الأغنية في الوجدان الشعبي

اعتاد الشعب المصري والعربي في كل العصور؛ أن يلجأ بوجدانه التلقائي إلى ترجمة انفعالاته ومشاعره في الأحداث التي تمر به من تقلبات الحياة اليومية الاجتماعية

الضمير الوطني.. الغائب!

قال "فلان" عن "علان": إنه قليل الأدب! وبرغم أن تلك العبارة لا تشكل ما يسمَّي ـ في منطق السلك القضائي ـ بالسب أو القذف، إلا أن "ترتان" انفعل انفعالاً شديدًا،

جهود الدولة المصرية .. وكتائب الشر!

لا نستطيع على الإطلاق أن ننفصل عن الواقع المصري الذي نعيشه في المرحلة الآنية؛ ولا نملك تجاهه إلا الرصد الصادق ـ والمُحايد ـ لحراك وتفاعلات المجتمع تحت

غيوم كورونا

قد يقول قائل: ليس هذا وقت الحديث عن مستقبل مازال مجهولا، ومازالت سحيبات الوباء تحلق في سماء العالم، ولكن الحياة مازالت تسير في إيقاعها الرتيب المنتظم، وتروس ماكيناتها الرهيبة تهرس عظم الزمن والبشر على ظهر البسيطة، ولكننا نتيمن قول الرسول الأعظم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديثه:-

مادة إعلانية

[x]