أول مرشد سياحي أصيب بالكورونا يكشف لـ«بوابة الأهرام» بعد شفائه «كواليس الحجرالصحي»

10-4-2020 | 03:23

المرشد السياحي أحمد عبد الوهاب

 

حوار. رانيا نور

 

 

الحجر الصحي  أصعب تجربة يتعرض لها الإنسان فى حياته

• لو لم تجر وزارة الصحة التحليل لطاقم المركب كله لتعاملنا مع الأمر على أنه دور برد عادي وتتضاعف حجم الكارثة

• أي إنسان يحمل جنسية مصر ولا يقدر قيمتها وينكر جميلها حسبنا الله ونعم الوكيل فيه

عند الحد الأقصى للخطر يبدأ الحد الأدنى للخوف، حيث يشعر الإنسان وقتها أنه لم يعد لديه ما يخسره، وهذا ما شعر به المرشد السياحي أحمد عبد الوهاب عندما أبلغوه أن نتيجة تحاليه إيجابية، وأنه مصاب بفيروس كورونا وعليه أن يستعد للترحيل إلى الحجر الصحى، خاصة أن اسم الفيروس وقتها ومع بداية الأزمة كان مجهولا أكثر من المرض نفسه، وبالرغم من إحساسه وكأنه بطل فيلم رعب، إلا أنه احتمى بإيمانه بقضاء الله وشجاعته عندما أصبح وجها لوجه أمام المجهول فى أصعب تجربة قد يتعرض لها الإنسان فى حياته.

وعن رعب الـ14 يوما فى الحجر الصحى وما يحدث خلف أسوار هذا المبنى المخيف كان لنا معه هذا الحوار فى أول يوم يعود فيه للحياة والدنيا..

قبل أن نبدأ تفاصيل هذه الرحلة المرعبة.. هل يمكنك أن تصف لى شعورك الآن؟

لاتوجد كلمات فى الدنيا يمكن أن تسعفنى لأصف إحساسى أو ما أشعر به ولكنى أستطيع أن أقول لك أننى ولدت من جديد بعد المرور بأصعب تجربة يمكن أن يتعرض لها بشر وهى حقيقة تجربة فوق قدرة أى إنسان على الاحتمال، وأنا نفسى لا أعرف كيف أستطعت تجاوزها والعودة للحياة مرة أخرى.

كيف تعرضت للإصابة؟

أنا مرشد سياحى إنجليزى وكان معى وفد هندى مكون من 18 شخصا، بدأ رحلته من القاهرة والإسكندرية لمدة أسبوع، ثم توجهنا إلى أسوان، ووصلنا المركب التى سيستقر الوفد عليها يوم الأربعاء 5 مارس وقضينا الخميس والجمعة كان نهاية الرحلة والمفروض أننا حنرجع وبدأت أستعد وأجهز حقائبى للعودة لبيتى إلا أننى فوجئت بأفراد من أمن الدولة ووزارتى الصحة و السياحة يغلقون المركب وأبلغوا كل من عليها سواء مصر يين أو أجانب بعدم قدرتهم على المغادرة لظهور حالات كورونا بين طاقم العمل بسبب سائحة تايوانية كانت موجودة فى مصر على نفس المركب وهى تحمل الفيروس وغادرت البلد يوم 7 فبراير وصاحب المركب لم يبلغ الهيئات الصحية المختصة وبالتالى أصبح الجميع فى خطر.

وكيف تم التأكد من إصابة أفراد المركب؟

أخذوا عينة عشوائية أظهرت إيجابية 12 شخصا، وعندما تم حجز المركب قامت وزارة الصحة بعمل تحليل ل171 فردا، الموجودين عليها منهم طاقم العمل والأجانب وال مصر يين وظهرت النتيجة مساء نفس اليوم بإيجابية 45 فردا، أنا كنت واحد منهم والباقى 7 أمريكان وواحد هندى وعدد من الفرنسيين وأغلب العاملين عليها وتحولت المركب لبؤرة كورونا فى مصر كلها وأقامت الشرطة كردونا أمنيا حول المركب لمنع دخول أو خروج أى شخص منها أو التواصل مع أى فرد عليها كما تم وضع مسطحات فى النيل تحسبا لمحاولة أى شخص للخروج والغريب أننى أجريت التحليل مرتين أول مرة النتيجة، كانت سلبية وفى المرة الثانية ظهرت إيجابى فتم احتجازى داخل المركب.

تحول النتيجة أمر طبيعى أم أنها تغيرت لسبب أخر؟

ربما لأنى فى فترة الثلاثة الأيام الأولى فى العزل داخل المركب تعاملت مع المصابين وخاصة أن الأمن رفض خروج أى فرد قبل الاطمئنان على الجميع حتى جهزت الدولة طائرات للأجانب التى ظهرت نتائج تحاليلهم سلبية تمهيدا لعودتهم لبلادهم بعد كتابه تقارير على أنفسهم بالنتائج وظل الباقى على المركب طوال الأربعة عشر يوما مدة العزل وكان عددنا 70 فردا من طاقم العمل والمرشدين والضيوف وبعد انتهاء فترة العزل أجروا لنا تحاليل جديدة وتم ترحيل 45 من المصابين على الحجر الصحى فى مستشفى النجيلة بمرسى مطروح منهم طاقم العمل و7 أمريكان.

هل كنت ضمن المجموعة التى تم ترحيلها إلى مستشفى النجيلة؟

لا.. أنا كنت من ضمن المجموعة التى رحلت على مستشفى إسنا وكان عددنا خمسة أفراد منهم 2 من الطاقم الطبى الذى أجرى لنا التحاليل ومحاسب وقائد بحرى وأنا كنت المرشد الوحيد والمفاجأة أن مستشفى إسنا رفضت استقبالنا بحجة عدم وجود أماكن فتم ترحيلنا على مستشفى أسوان والحقيقة هذا من حسن حظنا فالناس هناك تعاملت معنا بمنتهى الاحترافية والذوق، خاصة أننا كنا أول حالات كورونا تدخل المستشفى ثم جاء بعدنا 7 حالات من الغردقة.

ماذا عن الأعراض التى كنت تشعر بها وقتها؟

أعراض دور البرد الشديد وأغلبها متمثل فى صداع عنيف وارتفاع فى درجة الحرارة وإحساس عام بالوهن والضعف وكحة جافة.

ما الإجراءات التى اتبعوها معكم فى أول يوم بالحجر الصحى داخل المستشفى؟

من أول يوم أجروا لنا أشعة مقطعية على الصدر وتحليل دم وقياس للضغط والسكر وكفاءة الجهاز التنفسى صباحا ومساء.

هل كان يوجد معك شخص أخر فى الغرفة؟

لا.. كل مصاب كان فى غرفة مستقلة ولا يدخل عليه سوى الطاقم الطبى وكلهم يرتدون الملابس العازلة الكاملة ولايدخلون إلا فى مواعيد الكشف والطعام فقط ولكنهم كانوا يطمئنونى على حالتى ويبعثون فى الأمل فى الشفاء.

هل هناك أنواع معينة من الطعام كانت تقدم إليك فى الحجر؟

لا.. الأكل كان عادى.. يعنى الفطار بيض وجبنة وزبادى والغذاء، لابد أن يحتوى على بروتين ونشويات فكانوا يقدمون لنا مكرونة وفراخ أو أرز وخضار ولحوم.

ماذا عن طبيعة العلاج؟

أغلبه مسكنات وخوافض للحرارة، ولكن هناك أنواع محددة فقط من المسكنات والخوافض هى التى يمكن استخدامها مع مريض ال كورونا ؛ حيث إن بعض المسكنات تساعد على تنشيط الفيروس، بالإضافة إلى أدوية للمعدة؛ نظرا لأن هناك نوعا من العلاج يسبب قىء شديدا وكانوا يجرون لى تحليل ال PCR كل 48 ساعة، وكانت أول 4 نتائج إيجابية إلى أن ظهرت النتيجة الرابعة سلبية فنقلونى إلى غرفة أخرى أكثر تعقيما حتى لا ألمس أى شىء فى الغرفة التى كنت بها وأنا مصاب، وبعد ظهور أخر ثلاثة تحاليل سلبية أبلغونى بشفائى وأننى أستطيع الخروج من المستشفى والعودة إلى حياتى الطبيعية، والحمدلله أن كل من كانوا دخلوا معى تم شفاؤهم أيضا وخرجوا من المستشفى أيضا.

وكان من ضمن المجموعة رجل إنجليزي فوق الـ70، وتماثل للشفاء، وقال: إنه يحمد الله على أنه تعرض لهذا المرض فى مصر ؛ لأنه لو كان فى بلاده لما وجد هذه الرعاية والاهتمام.. أنا لن أنسى طوال حياتى ما فعله معى الطبيب العظيم المحترم أحمد عبد الرحيم، عندما تعرضت لضيق شديد بالتنفس فى الثانية فجرا، فاستيقظ من نومه خاصة أن طاقم الأطباء والتمريض كله لايغفلون تقريبا، وأجرى لى رسم قلب ووضعنى على جهاز التنفس الصناعى، وعلقوا محاليل وظل بجانبى لمدة يومين حتى انتظم التنفس مرة أخرى.. حقيقى الناس دى بتتعب بشكل يفوق التصور وبيقدموا أقصى ما فى وسعهم مع اتخاذهم كافة الإجراءات الاحترازية ويقفوا فى مواجهة الموت من أجل تأدية واجبهم.

14 يوما بين أربع حيطان.. كيف مضى عليك هذا الوقت العصيب؟

رأيت حياتى كلها تمر أمام عينى مثل شريط السينما، وبدأت أراجع نفسى فى كل ما كل شىء لأعيد ترتيب أولوياتى والغريب أننى عندما وصلت إلى أقصى حد من مشاعر الخوف، بدأت أشعر بالهدوء والسكينة وكأن الله سبحانه وتعالى اختارنى لهذه التجربة حتى يردنى إليه ردا جميلا، فأنا كنت أقضى وقتى كله فى الصلاة وقراءة القرآن والذكر والتسبيح حتى أننى رأيت التجربة رغم صعوبتها منحة وليس محنة.

هل كان مسموح لك التواصل مع أسرتك؟

نعم.. الغرفة كان بها إنترنت وكنت أتحدث تليفونيا مع والدى ووالدتى وأولادى من خلال الفيديو كول حتى يطمئنوا على ولكنى كنت أشعر بالرعب الشديد على أمى لأننى أخفيت عليها الأمر فى البداية، ولكن بعد أن أصبحت ال كورونا حديث الساعة علمت كل شىء وكانت تكلمنى وهى تبكى من شدة الخوف والحقيقة أنا أيضا مازلت مرعوبا عليها من الإصابة بالفيروس نظرا للسن.

ماذا عن تعليمات فترة النقاهة؟

هى نفس تعليمات الوقاية من الإصابة فى الحرص على ارتداء الكمامة، إذا كان هناك ضرورة للخروج وغسل الأيدى والوجة بالصابون واستخدام الكحول فى حالة عدم وجود الصابون والابتعاد بمسافة لاتقل عن متر ونصف إلى مترين عن أى شخص سواء كان مصابا أو سليما وتعريض أى ملابس ترتديها للشمس لمدة 24 ساعة.

ما النصيحة التى تقدمها للناس بعد هذه التجربة الصعبة؟

التزموا بيوتكم ولا تخرجوا إلا للضرورة القصوى حتى ينحصر الفيروس أو تسمح الدولة بالخروج، فالأمر أصعب من التصور والخيال والموضوع دخل فى مرحلة الجد ولم يعد هناك أى فرصة للتجاهل أو الإنكار أو عدم تحمل المسئولية.. خروجك من البيت معناه إيذاء لأطفالك ووالديك وتعريض حياتهم للخطر ولا يوجد شىء فى الدنيا أغلى من الحياة وليس هناك ما يستحق أن يعرض الإنسان نفسه لهذه التجربة المخيفة التى تمتلىء روحه فيها بعبق الموت ولا يوجد شىء أصعب من إحساسك أنك لو لاقدر الله تعرضت للوفاة فى العزل، فلن تجد أحدا من أفراد أسرتك يصلى عليك أو يودعك إلى مثواك الأخير.

العالم كله أصبح ينظر للأطباء والتمريض وكأنهم خط الدفاع الثانى بعد الجيش عن أى دولة.. ماذا عن ما رأيته فى مصر ؟

شىء يعجز الكلام عن وصفه.. فحقيقة، هيئة الأطباء والتمريض فى مستشفى الحجر الصحى ملائكة وليسوا بشرا وتحملوا من أجل سلامتنا ما لايحتمل والبعض منهم تعرض للعدوى، ولكنهم استمروا فى أداء واجبهم، وأى إنسان ينكر فضل مصر وأطبائها وتمريضها وجيشها ورئيسها حسبنا الله ونعم الوكيل فيه، ولا يستحق أن يحمل جنسية هذا البلد العظيم، فالأجانب أنفسهم من شدة ما وجدوه من رعاية صحية فى مستشفيات العزل، اعترفوا أنهم لو كانوا فى بلادهم لربما تعرضوا للموت بدليل ما حدث فى أيطاليا وأمريكا من إهمال لكبار السن والأطفال مرضى التوحد وتركهم يواجهون الموت بدون علاج، والحمدلله أن هذه الأزمة أظهرت للعالم كله من هى مصر وأننا لدينا وزارة صحة تستحق التقدير والإنحناء.

كيف تنظر للحياة الآن بعد هذه التجربة القاسية؟

كأنى ولدت من جديد، وأصبحت أشعر بقيمة الحياة وأنها منحة وهبة عظيمة علينا الحفاظ عليها بكل ما وهبنا الله من قوة وأتمنى أن تهتم الدولة بمهنة الإرشاد السياحى وأن يكون لنا تأمين صحى ضد الحوادث والأمراض والإرهاب؛ لأن شركات السياحة للأسف بتعاملنا مثل عمال اليومية وبالمناسبة أنا لست المرشد السياحى الوحيد الذى أصيب بال كورونا ، فهناك أكثر من زميل أصيب أيضا، وعامة أغلبنا إذا تعرض لأى مرض أخر، لاقدر الله قد لايجد نفقة العلاج، لذا أرجو من دولتنا العظيمة أن تهتم بالمرشدين السياحيين لأنهم فى النهاية جزء من المنظومة الكبيرة.

مادة إعلانية

[x]