فى جذور الكتابة التاريخية الحديثة وأزمتها

8-4-2020 | 16:19

صورة أرشيفية

 

شريف يونس أستاذ التاريخ المعاصر- جامعة حلوان

نحن نأخذ الكتابة التاريخية كما نألفها الآن أمرا مسلما به، ونستغرق فى صراعات المدارس التى تطرح بشأنها مناهج مختلفة، من قبيل مدرسة الحوليات، أو مدرسة التاريخ المصغر، أو المدارس المتأثرة بما بعد الكولونيالية؛ وقد نتجادل حول التاريخ الأَولى بالعناية: التاريخ السياسى، أم الاقتصادى، أم الاجتماعي؟ تاريخ المهمشين، أم تاريخ المؤسسات؟ مثلا. وقد نطرح التساؤلات عن انحيازات هذه المناهج، بل وحول مصداقية كتابة التاريخ، وهل هى قادرة بالفعل على أن «تقول الحقيقة» عن الماضي؟، أم هى مجرد رؤى صاغها المؤرخون المحدَثون، تنتمى لعصرهم، فرضوها فرضا على هذا الماضى، بوعى أو، غالبا، بغير وعى. لكن الحقيقة الجديرة بالنظر هى أن هذا الجدل المتشعب المتواصل على مدى قرنين لم يؤدِ إلى تراجع جهود كتابة التاريخ، وظلت محتفظة بمكانتها الممتازة بين المعارف أو الدراسات الإنسانية.


هذا المقال يهدف أولا إلى إلقاء بعض الضوء على أسس هذا المركز الممتاز للدراسات التاريخية فى العصر الحديث، وما يميزها ويفصلها عن التواريخ المكتوبة فى العصور السابقة، ويحاول أن يربط ذلك بواقع الصراع المستمر حول مناهجها ومصداقيتها.

(1) تغيُّر معنى التاريخ:

أول ما يلفت النظر أن التاريخ قبل العصر الحديث كان بغرض تخليد حاضر المؤرخ، الذى كان يكتب الأحداث التى شهدها واعتبرها مهمة، لتَعرِفها الأجيال اللاحقة، وتَعتبِر بها، أو يؤلف تاريخا شاملا (فى الحضارات القديمة والإسلامية) اعتمادا على كتابات من سبقه، ثم يضيف ما شهده فى عصره من أحداث. كان بالإجمال تاريخا يُكتَب فى الحاضر، عن الحاضر أساسا، من أجل المستقبل، وبغرض حفظ الأحداث فى ذاكرة الجماعة الإنسانية.
هذا النشاط، على أهميته، كان يقع نوعا ما على هامش الاهتمامات المحورية للثقافات قبل الحديثة؛ لأن هذه الثقافات كانت تبحث، بدوافع دينية أو فلسفية، عن المعرفة النهائية الصادقة عن موضوع ما، وعن التعريفات والتصنيفات، سواء فى الفلسفة، التى كانت تبحث فى الجوهر الثابت خلف الأعراض، أو فى العلوم الدينية كاللاهوت والفقه، التى ترمى إلى معرفة طبيعة الإرادة الإلهية أو كيفية تطبيقها على الظروف الإنسانية والحالات المختلفة. كانت هذه عصورا يبحث فيها الفكر عما هو ثابت أو خالد، وعن كيفية رد العارِض المتغير إلى الثابت (مثلا بالقياس فى الفقه). أما التاريخ، فيتناول بطبيعته التغيُّر أساسا، ويتناول ما هو عارِض وعابِر. لذلك كان فى أفضل الأحوال، فى النظرة القديمة، سِجل بما شاءته الإرادة الإلهية أو أهواء البشر، سجل يفتقر بحد ذاته إلى معنى، ولا يمكن تفسيره بالعقل الباحث عن الثابت والنهائى، فظل يحتل موقعا هامشيا نسبيا فى هذه البنية العامة للمعرفة، ولم تكن فكرة «تفسيره» مما يخطر للمؤرخين على بال (باستثناءات معدودة).

التاريخ فى العصر الحديث مختلف عن ذلك كثيرا؛ فلم يعد نظرة على الحاضر من أجل أجيال المستقبل، بل نظرة على الماضى من أجل الحاضر؛ فنحن نَكتُب تاريخ الماضى ليعرفه المعاصرون لنا. لم يعد المؤرخ ينقل الأخبار والأحداث المعاصرة ويُعلِّق عليها برأيه (فهذه مهمة الصحافة والإعلام الآن، سواء العامة أو المتخصصة التحليلية)، ولم تعد مهمته حفظ الأحداث والمواقف (فهذه مهمة الأرشيفات)، بل أصبح يتناول موضوعات معينة فى فترات محدَّدة من الماضى، من زوايا أو جوانب بعينها، بغرض تكوين فكرة متكاملة عنها (مثلا اقتصاد عصر البطالمة، وصعود وسقوط الإمبراطورية الرومانية، والحياة الاجتماعية فى العصور الوسطى، وهكذا). كذلك لم يعد المؤرخ مقيَّدا برؤى العصور والشعوب والأفراد الذين يكتب عنهم، فهو فى الأساس باحث أو مراقب خارجى لا ينتمى إلى هذه العصور وعقلياتها، ويُدرك هذه المسافة، بل أصبح يَعتبر شهادة أهل الماضى ورؤاهم مجرد جانب، لكنه جانب مهم، من المعطيات التى يستند إليها فى فهم عصرهم وتفسيره، لأنه يستطيع بمناهجه الحديثة وبإلمامه بالظاهرة والفترة التى يتناولها ككل، بعد أن مضت واكتملت، أن يرى أو يلاحظ روابط وعلاقات ومؤثرات ونتائج لم يرها هؤلاء المعاصرون. لم يكن الإسكندر يعرف أنه يُدشِّن العصر الهيلينستى، ولم يكن دافنشى يعرف أنه يسهم فيما سيسمى عصر النهضة، ولم يكن مخترِع الآلة البخارية أنه يُدشِّن ما سيسمى الثورة الصناعية. هذه المصطلحات كلها صنعها الباحثون فى التاريخ لاحقا.

سرعان ما امتد هذا الاهتمام بالماضى ليشمل كافة العصور والمجتمعات القديمة، وصولا إلى حضارات الإنسان الأولى، فى سعى لا يهدأ لتكوين صورة تفصيلية عن ماضى الإنسان. بل امتد هذا الاهتمام بالزمن والتغيُّر إلى دراسة الطبيعة؛ الطبيعة الحية مع ظهور نظرية التطور لدارون، وإلى الطبيعة الصماء، حيث كَتب العلماء تاريخا لماضى الكون المعروف، توَّجته نظرية الانفجار الكبير. أصبح للمجموعة الشمسية، وللمجرات، عُمر يُقاس، وسقطت فكرة الثبات فى كافة المعارف.

على هذا النحو، أصبح التغيُّر فى قلب المعرفة، كُل المعرفة. بعبارة أخرى، أصبحت المعرفة الحديثة تنظُر إلى كل شيء من زاوية كونه زائلا وعابرا، أى من زاوية التغيُّر. ولم تَسلَم منتجات الإنسان الفكرية الكبرى، تلك التى كانت تنشد التوصل إلى الأصل والجوهر، من هذه الرؤية، فنحن ندرس تاريخ الفن والدين والفلسفة والعلم، ونُدرِك أن كافة هذه المنتجات الفكرية ابنة عصرها. يريد هذا العصر أن يعرِف كل ما مضى، ليس بحثا عن أصل مقدس أو نهائى، بل عن تفاصيل السيرورة التى يرى نفسه نتاجا لها. وبالتبعية أصبح ينظر إلى نفسه، وإلى عصره على أنه مجرد لحظة فى تيار زمنى لا ينقطع ولا تتشابه فيه لحظتان. بل إننا نُدرِك الآن أن ما نُنتِجه من معارف لن يلبث بدوره أن تجتاحه رياح التغيير.

باختصار، وعلى حد تعبير ماركس فى البيان الشيوعى، «كل ما هو صلب يذوب فى الهواء»، كل مطلق يتحول إلى نسبى، ويعُم التغير كل شيء، وبسرعة متزايدة، بحيث أصبحت فوارق أنماط الحياة نفسها متزايدة الاتساع بين جيل وآخر يليه؛ بل يمُر أبناء كل جيل الآن بعدة تحولات فى أنماط حياتهم، حتى لو لم تتجاوز أعمارهم الستين أو السبعين عاما. أصبحت حياة الفرد نفسها حيوات متتالية، وأصبحت معرفته بتاريخه جزءا متزايد الأهمية من معرفته بنفسه.

صحيح أن التأريخ لا يقود العالَم معرفيا، بل تقوده العلوم الطبيعية التى تبحث عن القوانين الثابتة، لكن الشعور بتغير الزمن وأنماط الحياة أصبح كامنا فى قلب الحياة المعاصرة من كافة جوانبها، لأن الناس يرون بأعينهم «العوالِم» وهى تحل محل بعضها بعضا فى عقود قليلة، بما فى ذلك النظريات العلمية التى يعقُب بعضها بعضا.
مع هذا التغير الجذرى فى العلاقة بالماضى، لا عجب فى أن تلتفت الفلسفة فى العصر الحديث إلى التاريخ، وتُحاول أن تُنتِج فلسفات عنه. إذا استثنينا فلسفة العمران التى طرحها ابن خلدون، ولم تجد صدى كبيرا فى حينه، لا نجد فى حضارات البحر المتوسط ما يمكن تسميته فلسفة فى التاريخ قبل الفيلسوف والفيلولوجى الإيطالى فيكو. لاحقا، وضع فولتير (1694 - 1778) مصطلح »فلسفة التاريخ«، وتَلَته إسهامات أخرى من فلاسفة التنوير، بما فيهم كانط. ثم أتى هيجل (1770- 1831) ليضع أول فلسفة شاملة للتاريخ، ويُدخل التغيُّر فى صميم الفلسفة ككل.

(2) مَولِد المقال التاريخى:

بالإضافة إلى التغيُّر، دخل مبدأ التنوع فى تكوين الفكر التاريخى الحديث، بفعل الكشوف الجغرافية، التى جلبت إلى أوربا ثروة من القصص والملاحظات عن أوضاع وتواريخ مجتمعات وحضارات عديدة، تختلف فى معتقداتها وظروف حياتها ومعارفها وتصوراتها عن العالَم عن مثيلاتها عند الأوربيين المعاصرين، بل وعن مثيلاتها فى مجمل ثقافات عالَم البحر المتوسط التى احتكت بها شعوب أوروبا على مدى آلاف السنوات. خلق هذا الوضع حاجة ملحة إلى تأطير وفهم هذا التنوع المنفجر، الذى لم تعد تصلُح لتفسيره التصورات المسيحية التقليدية عن تاريخ البشرية، ولا تلك الموروثة من عصور الحضارات القديمة (اليونانية-الرومانية). وهكذا بدأ التفكير فيما هو عالمى، فيما هو إنسانى بصفة عامة، على أمل أن يستوعب هذا المستوى الأعلى من التجريد التنوُّعَ ويفسِّره.

لأسباب مرتبطة بتطورات المجتمعات الأوربية (الثورة العلمية، وصعود الفردية، ونمو المدن، وصعود الطبقة الوسطى، إلخ)، لم يتعامل الفكر الأوروبى مع هذا التنوع كمجرد مادة للعجب، أو الإعجاب، أو الاستهجان أو التسلية (على نمط ما نجده مثلا فى قصص ألف ليلة وليلة، خاصة ليالى السندباد)، ولا سلَّمت به باعتباره تجليا للإرادة الإلهية وتوقفت عند هذا الحد؛ بل اعتبرت، من موقع مسئولية المستعمِر عن إدارة مستعمراته، أو عن تجارته مع البلدان التى لم تكن أوروبا قد استعمرتها بعد، أن ثمة قضية فكرية مطروحة هنا، هى ضرورة إيجاد مبادئ عامة تستوعب هذا التنوع، وهو ما استجاب له هيوم ــ مثلا ــ بالقول بنسبية الأخلاق والأديان والمعارف.

أدى هذا التحول الفكرى إلى كتابة التاريخ بطريقة وأهداف مختلفة، كتابته بغرض التفسير والفهم؛ فكتب مفكرو التنوير الفرنسيون فى منتصف القرن الثامن عشر عن تأثير المناخ، ونظم الحُكم والديانة والموارد الاقتصادية على تواريخ الشعوب وطبائعها، وبدأت كتابة تواريخ للعالَم تهدف إلى إبراز بعض الأُسس والقواعد التى تُفسِّر الاختلاف، وظهر التقسيم المألوف للتاريخ إلى قديم، ووسيط وحديث، وكذلك نظرية التقدُّم، التى حاولت أن تضع تصورا عاما عن حركة الإنسان فى الزمن، وظهرت فى المقابل نظرية الدورات التاريخية المتصاعدة التى قال بها جيامباتيستا فيكو، وفكرة »روح العصر« التى سعت إلى تفسير الترابط بين مختلف نُظم المجتمع الواحِد، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. وهكذا أصبح التاريخ حقلا مفتوحا للتفسير والفهم، أى لتأطيره وفقا لأفكار، لا مجرد سجل للأحداث بغرض حفظها من النسيان، أو للعظة والاعتبار، وذلك فى سياق سعى شامل لتفسير كل شيء بالعقل التجريبى والمنطقى، من الظواهر الطبيعية، إلى السلوك الإنساني؛ تفسيره من داخله، بمحاولة فهم منطق الواقع ذاته، وليس بالإحالة إلى أية قوى غيبية. لقد استُبعِدت السماء من حيث المبدأ من المعرفة، وإن كانت لم تُستبعَد من الأخلاق أو الضمير.

حين أصبح التاريخ يرمى إلى التفسير والفهم، أصبح بحاجة إلى صيغة جديدة للكتابة، تختلف عن صيغة الحوليات التى سادت فى العصور الماضية. هذه الصيغة هى صيغة المقال essay، التى ظهرت منذ عصر التنوير (وجذورها عند أرسطو). المقصود بالمقال كتابة نثرية متسلسلة عقليا حول موضوع محدد، لها بداية تطرح موضوعا أو قضية أو حالة، تعقُبها مناقشة للقضية، أو استقصاء للجوانب المختلفة للموضوع، أو مقارنة بين حالة وغيرها... إلخ، لينتهى المقال إلى نتيجة أو خلاصة، سواء كانت هذه النتيجة إجابة أو تفسيرا، أو سؤالا جديدا مطروحا للبحث.

المقال إذا بنية مغلقة، لا تدخل فى استطرادات لا داعى لها، ولا تقفز من موضوع إلى آخر، لأن هدفها يقيدها. لكنها أيضا صيغة تتسع لأنماط خطاب متعددة وتتيح الربط بينها، تتسع لأساليب التقرير والتحقيق القضائى والسرد القصصى ومناقشة الآراء السابقة والتحليل والربط وغيرها، وهى جميعا أدوات يستعملها المؤرخ حسب الأحوال. هذا المقال، كصيغة للكتابة، قد يكون مئات قليلة من الكلمات، وقد يمتد ليشغل بضع مئات من الصفحات أو بضعة مجلدات.

مهمة المقال التاريخى (أى كُتب التاريخ ودراساته كما نعرفها الآن) هى التأمل فى وقائع الماضى الخاصة بموضوع ما لاكتشاف ما يُنَظِّمها، سواء وصلنا إلى تحديد قوانين، أو اكتفينا بالربط بين الأحداث لتفسير تسلسلها على النحو الذى جرت عليه. هو محاولة لنقل المنهج العلمى إلى التعامُل مع الماضى. صحيح أن التاريخ لا يصل إلى صياغة قوانين على طريقة العلوم الطبيعية، تؤدى إلى التنبؤ، لكنه محاولة لضبط رواية الماضى والتحقُّق منها، من ناحية، وإيجاد منطق داخلى لترابط الأحداث التاريخية، إما فى مجملها، فى فلسفة التاريخ، وإما فى أقسام محددة من الماضى، ومن زوايا معينة، مثل الدراسات التاريخية التى يكتُبها المؤرخون من ناحية أخرى. لقد دخل الفكر قلعة التاريخ، مثلما غزا التاريخ (وفكرة التغيُّر عموما) قلعة الفكر.

(3) تغيُّر طبيعة الدولة واتساع معنى التاريخ:
كان التاريخ دائما (ويظل، كما سأُوضِح) مرتبطا بالدولة وسياساتها. كان فى البداية يُتابع الحروب وقيام الدول وسقوطها وتطور أوضاع السلطة وصراعاتها، وقد يعرُج إلى تقصى أوضاع المجتمعات، خصوصا الأجنبية، لتأثيرها على دولهم ومجتمعاتهم، مثل كتابات هيرودوت عن شعوب شرق المتوسط، أو كتابة تاكيتوس المؤرخ الرومانى عن الشعوب الجرمانية المرابطة على حواف الإمبراطورية. وأضاف المسلمون ترجمات للفقهاء وغيرهم من «المثقفين» فى كُتُب الطبقات؛ وهم فى مجملهم مرتبطون بالدولة، سواء كانوا معارضين لنظام قائم أو مؤيدين له. وكانت أهمية التاريخ قديما تهذيب الملوك والأمراء والقادة، بإمدادهم بالمعرفة بأحداث سياسية وسير ملوك وأباطرة ودُوَل توسِّع أفقهم، كما كان يهم الجماعات المتعلمة، التى كانت ضئيلة الحجم، ومرتبطة بشكل أو بآخر بالدولة.

السبب فى محدودية هذه الرؤية للتاريخ أن الدول كانت قبل العصر الحديث محدودة التكوين والتأثير. كانت هذه الدول مُلْكا، لا تنتسِب إلى شعوبها أو سكانها، بل تنتسب، حتى فى أسمائها، إلى فاتحيها (مالكيها، ملوكها)، من قبائل وأُسَر وجماعات قبلية-مذهبية ومُدُن انطلقت منها الفتوحات. وكان الشأن السياسى بالتالى مقتصرا على هذه الفئات المحدودة ومن لحق بها من «المثقفين»، مثل رجال الدين. وكانت مسئوليات الدولة تجاه السكان محدودة، تكاد تقتصر على تعاقد ضمنى مؤداه: الجباية (جباية الضرائب) مقابل الحماية (توفير الأمن وإجراء أحكام القضاء والحماية من الهجمات الخارجية). ولا يكاد هذا التعاقُد يتقيَّد إلا بمبادئ عامة (تجرى مخالفتها أحيانا)، من قبيل عدم المغالاة فى تقدير الضرائب، ومراقبة عملية جبايتها لكى لا يُظلم دافعوها على أيدى «عُمَّال» الدولة، والمساعدة فى مواجهة أحوال القحط والكوارث البيئية. وفى العصور الوسطى، مُنِحت هذه المبادئ صفة دينية، تحت مسمى عريض، هو العدل. على هذا النحو لم تكن أحوال السكان وأنشطتهم العادية، فى معظمها، جزءا من مهمات الدولة ومسئولياتها.

فوق ذلك، كانت علاقة هذه الإمارات والمَلَكيات والإمبراطوريات بسكانها هشة إلى حد كبير، بالمقارنة بالدولة الحديثة؛ فقد كانت الجماعات السكانية، من قبائل وقرى وطوائف دينية أو حرفية وغيرها، تُسيِّر شئونها الخاصة بنفسها إلى حد كبير، ولا تكاد تتقاطع مع الدولة إلا فى جباية الضرائب أو حين تستدعيها للقضاء فى الخصومات وتنفيذ العدالة، أو مواجهة قطاع الطُرُق وما إلى ذلك، وتتصل بالدولة عن طريق رؤسائها «الطبيعيين».

تُفسِّر طبيعة الدولة هذه لماذا لم تكن العادات والتقاليد والصناعات وغيرها تدخل فى مجال اهتمام المؤرخين، ولماذا ظل التاريخ بالدرجة الأولى تاريخ الحروب وتصرفات الحكام فى الداخل والخارج، ولماذا ظل المؤرخ يَحكم عليها بمعايير القوة والضعف، أو الحكمة والغفلة، أو العدل والظُلم.

فى العصر الحديث، تجاوزت الكتابة التاريخية هذا المدى المحدود، لتشهد موضوعاتها تنوُّعا متزايدا بلا توقُّف؛ فظهر إلى جانب التاريخ السياسى (المحلى فى بلد بعينه، والدولى) التواريخ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وامتد التاريخ إلى دراسة تطور العادات والتقاليد فى شتى مجالات الحياة، وإلى دراسة تاريخ العلوم، والفنون، والآداب، والأديان، والمذاهب بغرض تفسير ظهورها وتطورها (لا مجرد تقصيها من زاوية تعاليمها كمِلَل ونِحَل)، وإلى تاريخ الصحافة والنشر والكتابة، وإلى تواريخ التجمعات البشرية النوعية كالنقابات والحرف، وإلى كيانات جغرافية، مثل المدن أو البحار أو أحواض الأنهار من حيث تطور علاقة الإنسان بها وصراعاته حولها، وامتد إلى دراسة الجماعات المهمشة على اختلافها، سواء كانت مهمشة على أساس النوع، أو العرق، أو الديانة، أو غيرها، وإلى دراسة الحركات الاجتماعية، ونشأة وتغيُّر أنماط الاستهلاك والأذواق، وحتى الشائعات والخرافات.

كثير من هذه الموضوعات تناولتها، جزئيا، كتابات أخرى فى العصور السابقة، مثل كتب الجغرافيا أو أدب الرحلة؛ لكن العصر الحديث أخضع هذه جميعا للدراسة التاريخية المنظمة؛ لأنها ببساطة أصبحت موضوعات سياسية، نظرا لتغيُّر طبيعة الدولة فى العصر الحديث.

الدولة الحديثة دولة تتدخل بقوة فى شئون سكانها المختلفة، وترتبط بهم بروابط عضوية؛ فقد اتسعت مجالات اهتماماتها تدريجيا لتشمل الصحة، والتعليم، والاقتصاد، والمواصلات، والإسكان، والعِلم، والثقافة؛ وأصبحت تتدخل بالضبط الاجتماعى فى هذه الأنشطة وغيرها، وأصبحت سياساتها بالتالى ماسة بشكل مباشر بحياة الناس اليومية من مختلف جوانبها. استدعى ذلك بالضرورة انجذاب قطاعات متزايدة الاتساع من الجمهور إلى الاهتمام بشئون الدولة، ورغبتهم فى الضغط عليها، أو المشاركة فى توجيهها، لكى تراعى مصالحهم فى هذه السياسات المتشعبة الماسة بهم. على هذا النحو، أصبح «كل شيء» تقريبا فى الحياة الاجتماعية سياسيا بدرجة أو بأخرى. ومن هنا ظهر مصطلح «المجتمع»، كما ظهر مفهوم الأُمة أو القومية (السياسية، لا الدينية).

كذلك أصبحت الدولة الضامن النهائى، والمُشرِّع، والمُنظِّم، والمراقِب لكافة التنظيمات الاجتماعية التى كانت مستقلة ــ إلى حد كبير ــ سابقا، من الأسرة، إلى النقابة، إلى الجمعية الأهلية، إلى الشركات بأنواعها، بل والمسئول الأول عن انضباط المجتمع وقيمه، فى تفاعل متبادل بين قوى تغيير تنبع من أسفل، وقوى محافِظة وأوضاع قائمة.

مع هذا التدخُّل المتزايد للدولة فى شئون السكان، لم تعد سياساتها تقاس بمعايير العدل والظلم بالدرجة الأولى (المرتبطة بوظيفة الحماية مقابل الجباية)، بل أيضا وبدرجة أكبر بمعايير الكفاءة، ليس فقط فى حماية البلاد وإقرار الأمن، بل كفاءة سياساتها الاقتصادية، والصحية، والتعليمية، إلخ، وبمعايير انحياز السياسة المطبقة لفئات أو طبقات مختلفة... وهكذا، أصبحت سياسات الدولة محل نزاع داخلى متشعب ومعقد، محل تنافُس فئات اجتماعية مختلفة راغبة فى تعديل التشريعات وممارسات الدولة التنفيذية.

فوق ذلك، وضعت الدُول القاعدة المؤسسية لممارسة الكتابة التاريخية الحديثة. فمع تشعُّب اهتمامات الدولة، كان لا بد لها من الاحتفاظ بأرشيف لأنشطتها المتزايدة، وهو الذى أصبح المادة الأساسية التى يعتمد عليها المؤرخون. ومع تزايد العلاقات المتشعبة بين الدولة وسكانها، أصبح إنشاء المكتبات، وجمع المخطوطات وإتاحة الأرشيف من بين مهمات الدولة الحديثة فى تأكيد بعدها القومى وانتمائها لشعوبها. ومع الوقت، انتشرت فكرة الأرشيف لتمتد إلى مختلف مؤسسات المجتمع الحديث، كالنقابات والأحزاب... إلخ.

على هذا النحو، يرجع تنوع الكتابة التاريخية إلى الاتساع المتزايد لمعنى السياسة، وفكرة الدولة. وبالجمع بين هذا التحوُّل وفكرة المقال التاريخى، تغيرت طبيعة الجدل التاريخى نفسه. فبدلا من اختلاف المؤرخين قديما فى وصف الوقائع، بسبب انحيازهم الدينى أو السياسى، أصبح الخلاف يدور حاليا حول المناهج قبل المعلومات (فصحة المعلومات مرجعيتها الأرشيف والمكتبة). أصبحت المشكلة الآن هى، ماذا ينتقى المؤرخ من المادة الأرشيفية الواسعة ليُثبت فكرته عن موضوعه. والأهم، ما هو منهجه الذى يستخدمه فى صياغة مقاله التاريخي؟ هذه الخلافات المنهجية تضرب بجذورها، فى الخلافات الاجتماعية حول الدولة الحديثة وسياساتها، تجاه مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية المتصارعة، وقد تمتد إلى تأسيسها على رؤى فلسفية مختلفة عن طبيعة الإنسان، والمجتمع، وطبيعة المسار التاريخى العام.

(4) التأريخ الحديث بوصفه أزمة مستمرة:
على هذا النحو، أصبح التأريخ مقالا تفسيريا متشعب الاهتمامات. هذا يعنى أنه بشكل أو بآخر لا بد أن ينتهى إلى أزمة ممتدة، ترجع جذورها إلى طبيعته المذكورة، يُمكن تسميتها عموما أزمة النسبية. هذه الأزمة لا تؤدى إلى توقف الكتابة التاريخية (فهى أزمة ممتدة)، بل إلى إعادة كتابته مرارا وتكرارا بمناهج وبآفاق جديدة باستمرار.

فى القرن التاسع عشر، كان ثمة طموح أن يكون التاريخ «علما» على نمط العلوم الطبيعية، بأن تؤدى دراسة الماضى إلى قوانين يُمكِن القول أنها تحكم حركة البشر فى الماضى، ومن ثم يُمكِن أن تؤدى إلى التنبؤ بالمستقبل، فضلا عن فهم الحاضر. وعلى الأقل، كان ثمة طموح أنه يُمكِن، مع تراكُم المعرفة التاريخية، أن يكون لدينا صورة كاملة عن الماضى. سقط هذا النوع من الأهداف مع الزمن، نظرا لتعدُّد التفسيرات التاريخية المقبولة معرفيا لحُقَب زمنية ماضية.

لكن المشكلة أعمق من تعدُّد التفسيرات؛ فمن الناحية المنطقية، أية محاولة لتأطير التغيُّر وفهمه تنطوى على تناقض، لأن أى تأطير بطبيعته تثبيت، تثبيت للمتغيِّر. أدى هذا التناقُض بين الإطار ومحتواه، إن جاز التعبير، إلى الاعتراف بأن كل تأطير ناقص بالضرورة، وبالتالى مؤقت بقدر ما تظهر زوايا جديدة للرؤية، أو تتراكم المعارف لتفيض خارج الأطر.

ومع ذلك، لا يُمكن قبول مبدأ النسبية على إطلاقه، لأنه سيؤدى فى النهاية إلى إنكار صدق أى طرح، عن التاريخ أو عن غيره. كل معرفة تسعى من حيث المبدأ إلى الشمول وإثبات صدقها، وإلا ما كانت سعيا معرفيا من الأساس. وبين السعى إلى التأطير وإدراك حدوده، وتجاوزه ببناء أُطُر جديدة تتقدم المعرفة بالماضى، بما فى ذلك ماضى المعرفة التاريخية، أى دراسة تاريخ التأريخ نفسه.

صحيح أن الكتابة التاريخية الحديثة، فى صيغة المقال، تنطوى على مفارقة تجعل نتاج كافة مساعيها نسبية؛ لكنها لا تجعلها بلا مصداقية أو معنى، أو مجرد تعسُّف يمارسه المؤرخ على الماضى، ويمنحه معنى من عندياته، على نحو ما تقول النظريات البنيوية والتفكيكية عن الكتابة التاريخية.

مشكلة هذه النظريات أنها تَغفَل أن الكتابة التاريخية (وكل كتابة فى الحقيقة، لكن هذا ليس موضوعنا هنا) تطرح نفسها كجسر بين كينونتَيْن مختلفتين بين الماضى والحاضر. صحيح أن المؤرخ يُخاطِب الحاضر، وهو نفسه ابن الحاضر فى لغته ومناهجه، لكنه يخاطبه بشأن ما يختلف عن هذا الحاضر، بشأن الماضى. ويُمكِن أن نقيس قدرة المؤرخ بقدر نجاحه فى التعمق فى فهم هذا الاختلاف وعرْضه فى نثره البسيط أو التحليلى عن الماضى. المؤرخ هو الذى يأتى بصيغة المقال ويفرضها على سجلات الماضى، لكن بنية المقال التاريخى تسعى (ولا معنى لها إن لم تسعَ)، إلى التوافق مع موضوعها، أى مع ما وجده المؤرخ بالفعل فى الأدلة التى تنتمى إلى الماضى، التى تظل بذلك قيدا جوهريا على عمله، وليست مجرد مادة سلبية طيعة قابلة للتشكُّل وفق أى قالب مُسبق يحمله معه المؤرخ، وبالتالى تلعب دورا مهما فى توجيه عمله ككل، من البداية وحتى الصياغة النهائية.

بغير أن نضع هذا القيد فى الاعتبار، سنصل مع البنيوية وما بعدها إلى القول إن الماضى لا يملُك، ولا يُمكن أن يملُك، معنى فى ذاته، بل يأتيه المعنى من المؤرخ الذى يفرضه عليه فرضا، سواء بشكل واعٍ أو غير واع. لكن هذه الرؤية قد تُمثِّل وجهة نظر المتلقى، قارئ للتاريخ، الذى لا يعرف الماضى إلا من خلال الكتابات التاريخية المتنوعة، لكنها ليست وجهة نظر المؤرخ الذى يواجه الاختلاف والغرابة وهو يتعامل مع مصادره ويشعر بثقلها وتأثيرها على ما يحاول القيام به. النسبية غير المقيدة تنطلق من وجهة نظر المستهلِك، لا المُنتِج.

ليست مهمة المؤرخ صب الماضى فى قوالب الحاضر، رغم أنه يخاطِب الحاضر، وليس الغرض من هذه الجهود المستمرة عبر أكثر من قرنين مجرد تدعيم رؤى الحاضر بشواهد تاريخية؛ لأننا حتى لو افترضنا أن هذا هدفه، أو حقيقة كتابته التى لا يعيها، سنصل إلى العجز عن تفسير أهمية هذه الشواهد؛ لأنها ستكون فى هذه الحالة أشبه بلبنات ليست لها طبيعة خاصة، تَصلُح للاستعمال فى بناء أية بنية يراها المؤرخ. الواقع أن كتابة التاريخ ترمى، بالعكس، إلى عرض الماضى بوصفه مختلفا جوهريا عن الحاضر، بوصفه تجربة أخرى تختلف عما نعيشه، وهو ما قد يبرر مقولة هيجل أن الدرس الأساسى الذى نتعلمه عن الماضى أننا لا

يُمكِن أن نتعلَّم من الماضى فى تصدينا لمشكلات الحاضر، لأنها مشكلات مختلفة نوعيا، ولأنه لا توجد لحظة تاريخية تُشبه لحظة أو موقف آخر.
يتفق جميع فلاسفة التاريخ على أن ما يُميِّز الكتابة التاريخية عن فن الدراما هو أن الوقائع، التى هى، على الأقل، »لبنات« السرد التاريخى، يجب أن تكون صحيحة وقابلة للإثبات. السبب فى ذلك أن الهدف من هذا النوع من النثر هو تقديم وتفسير تجربة حدثت بالفعل، ليست افتراضية ولا خيالية من حيث المبدأ. يترتب على هذا أن قارئ التاريخ إنما يرغب فى أن يرى عصره فى ضوء عصر آخر، فى ضوء واقع قديم مختلف، كإمكانية من ضمن ممكنات الحياة الإنسانية، مقابل تجارب عصور وشعوب وحيوات أخرى اتبعت مسارات ومبادئ مختلفة كثيرا أو قليلا، لكنها ليست غريبة عنه تماما، بحُكم أنها إنسانية أيضا. باختصار، التاريخ الحديث يواجِه القارئ بنسبية عصره، يواجِهه بالاختلاف. بعبارة أخرى، لا يُسقِط المؤرخ لغته ومناهجه على الماضى فحسب، بل «يُسقِط أيضا لغة الماضى واهتماماته ومعارفه وطبيعته التى تُميِّزه على نصه الحاضر.

زد على ذلك، الماضى الذى يواجهه المؤرخ ليس من الأصل مادة «خاما»، بل مادة مصاغة مسبقا فى سرديات أو تقارير، هى الوثائق أو الشهادات التى تعود إلى الماضي؛ فالأقدمون، الذين يكتب عنهم المؤرخ، كانوا يفهمون عالَمهم من الأصل فى صورة نثرية مبنية على تصوُّرات ضمنية أو صريحة، تماما مثلما يصب المؤرخ نتاج عمله فى مقاله التاريخى، وكان فِعلُهم التاريخى نفسه مرتبطا بتصورهم عن حاضرهم، أى كان بالضرورة تأويلا أو تفسيرا لواقعهم نفسه.

يعنى هذا أن المادة التى يتعامل معها المؤرخ ليست مادة خام، أولا، ولا هى، ثانيا، من طبيعة مختلفة جذريا عما يقوم به المؤرخ المعاصِر الذى يواجهها. منذ فجر التاريخ، كان للأمم سردياتها وتصوُّراتها، شفوية أو مكتوبة، عن ماضيها وحاضرها، فى صور أدبية أو أسطورية أو فى صورة حكايات تاريخية، وأخيرا فى صورة وثائق وشهادات؛ بل يمكن القول إن كل إنسان له سرديته، أو حتى سردياته المختلفة، عن ماضيه.
باختصار، لا يمكن مهما نوغل فى الماضى أن نعود إلى مادة تاريخية خام لم تمسها أية صياغة من أى نوع. وحتى العملة والآثار وغيرها من المخلفات المادية »تتكلم«، وكانت بمعنى ما منذ البداية »كلاما« متجسدا أو متحجرا، كان لها معنى و»قصة« عند الأقدمين. وهكذا فإن المؤرخ لا يستطيع، حتى لو حاول، أن يجد أحداثا غُفلا من المعنى، على نحو ما يتصدى عمال المحاجر لجبل ويستخرجون منه قوالب حجرية متشابهة تبدو فقيرة الصلة بطبيعة الجبل نفسه، وموقعه، وتضاريسه... إلخ، لكى يستعملها مهتديا بحاضره فحسب.

تظل الكتابة التاريخية النثرية الحديثة التجلى الأعلى لمقولة النسبية التى تحكُم العصر؛ إنها تتحدى بطبيعتها نفسها المسلَّمات، العقائدية، أو السياسية أو الفكرية أو القائمة على العادات والتقاليد، لأنها تُحوِّل كل ما هو مطلق إلى نسبى، بما فى ذلك مطلقات الفكر الفلسفي؛ تُحوِّل كل ما يبدو مقدسا، كل ما يطرح كمبدأ أعلى، إلى شيء دنيوى مفهوم أو قابل للفهم، بوضعه ضمن سياقات، مؤثرات وقوى وتمهيدات ونتائج متعارضة أو مختلفة، وتضعه بذلك فى متناول التأمُّل الإنسانى. لذلك تبقى الكتابة التاريخية فى قلب روح العصر الحديث، عصر معرفة التغيُّر، وتبقى النزاعات الفكرية حولها حية بقدر أهميتها ومحوريتها.

* نقلًا عن مجلة الديمقراطية

الأكثر قراءة

[x]