"عولمة الأوبئة": اختبار الكفاءة فى زمن الـ"كورونا"

8-4-2020 | 16:03

فيروس كورونا

 

إسلام جادالله باحث - مجلة الديمقراطية

فيما ينتشر فيروس كورونا المستجد ـ "Covid-19"ـ حول العالم مخلفًا وراءه آلاف الضحايا والمصابين، وخوفًا وذعرًا بلا حدود؛ نصحت الكلية الإيطالية للتخدير والتسكين والإنعاش والرعاية المركزة فى بداية شهر مارس 2020- فى توصيات أخلاقية للأطباء وفرق التمريض الذين يتعين عليهم تقديم خدمة علاجية بقسم الرعاية المركزة - بالتركيز على المرضى الذين لديهم فرصة أكبر للتعافي بعد توفير العلاج المكثف، ولم يكن الموقف السابق استثناء أو حكرًا على إيطاليا، ولكنه اختبار سيتكرر فى كل دول العالم التى ستزيد فيها معدلات الإصابة تباعًا، ومع الاختبار الأخلاقى الصعب؛ الذى تصفه كريستيان سالارولى، رئيس وحدة الرعاية المركزة بمستشفى في بيرجامو: بـ"العبء النفسى المدمر"على فريق العمل الطبى، حيث إن بعض الأطباء في فريقها "انهاروا" بسبب الخيارات التي يتعين عليهم اتخاذها. فإن الاستنتاج الرئيسى هو عدم توافر الإمكان أمام الجميع، إن أعلى دول العالم من حيث الرعاية الصحية وهى اليابان ما تملكه من أسرّة عناية مركزة هو (7.3 لكل مئة ألف نسمة)، مما يؤكد أننا أمام لحظة انكشاف ومراجعة ضرورية تبدأ من قدرة الدول على مواجهة الفيروس المستجد بشفافية وكفاءة يدخلها فى اختبار عملى لمستوى تقدمها الطبى والتكنولوجى، وقدرتها على تعبئة طاقاتها فى أوضاع صعبة، ومدى صلابة أوضاعها الداخلية. لكن فيروس كورونا ليس فقط اختبارًا للكفاءة المادية من حيث قدرتنا على التصدى له بالاحتياطات والتجهيزات الطبية، أو جاهزية سياساتنا العامة، أو قدرتنا على التغلب عليه باكتشاف عقار أو لقاح، إنما هو اختبار لملاءمة المسارات والطرق التى سلكها العالم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وأخلاقيا لمواجهة مثل تلك اللحظة وغيرها.

"عدالة كورونا "!
فى عام 1997 أصدر ويليام جرايدر كتابه حول العولمة، معنونًا إياه (one world: ready or not عالم واحد.. استعددتم أم لم تستعدوا)، قاصدا أن العولمة انطلقت ولن يقف أمامها أحد، وأنه حتى أعداء العولمة أصبحوا يؤمنون بأنها يجب أن تروض لا أن تقتل. وكان جوهر العولمة لدى مناصريها يهدف إلى جعل العالم أكثر رفاهية، وعلى ذلك؛ فإن العولمة لا يقدر على إيقافها أحد، لأن وراءها كثيرون عقدوا العزم على زيادة رفاهيتهم، فحملوا أسهم الشركات العملاقة، يرغبون فى زيادة أرباحهم عن طريق تخفيض تكاليف الإنتاج، والانتقال لمواقع منخفضة التكلفة، الأمر الذى سيعود بالنفع على العمالة فى تلك المناطق البعيدة، مما يزيد من رفاهية الجميع، لكن واقع الحال أن العولمة انطلقت تاركة وراءها أكبر المساوئ حول الطريقة التى يتم توزيع العوائد بها من ناحية، وحول الأولويات الاستهلاكية التى تفرضها من ناحية أخرى، وحول سياسات إقصاء الخدمات العامة مثل الخدمات الصحية من قائمة أولويات الدولة وتسليمها شبه الكامل للقطاع الخاص، مما دفع البعض للقول إن وباء مثل كورونا جاء يضرب هذا العالم أجمع ليوجد عدالة التوزيع الخاصة به!
إن انتشار جائحة ال كورونا أثبت أن النموذج النيوليبرالي المعولم المنفلت من كل ضوابط لا يشكل ظلمًا على الملايين من البشر، بل يمثل خطرًا على وجودهم نفسه.

فى لحظة الحقيقة اختفى التصدر الزائف الذى تمحورت حوله اهتمامات الناس وتشكلت كبرى الاقتصادات لعوالم صناعة الترفيه الطاغية من لاعبى كرة القدم والفنانين حتى السياسيين وغيرهم . فى لحظة الحقيقة تحولت إيطاليا، صاحبة الاقتصاد الثامن عالميًا من تقرير “من يحيا ومن يُترك لمصيره” إلى “أتركوهم يموتون.. ليس لدينا إمكانات”!. وتحول السويد، البلد الذي يفترض أنه يملك تاريخًا طويلًا من الاشتراكية الديمقراطية ودولة الرفاه إلى “ابقَ في البيت وتناول براسيتامول.. ليس لدينا إمكانات لاستيعاب المزيد”!.

العلة ليست في فيروس معدٍ أخذ ينتشر بين الناس، بل في كيفية تسخير المقدرات وتخصيصها من الأساس، واستخدام مقدرات البشر في سبيل منفعتهم العامة لا في سبيل رفاهية شريحة ضئيلة، وتسخير كل شيء بما في ذلك البحث الطبى والدوائى، وأنظمة الرعاية الصحية التى نخشى الآن أن نثقل كاهلها وهى الهشة بالفعل لدينا. وتلك المدن المكتظة بهذا الخليط البشرى الذى تُصنع له المعاناة يوميًا على أرض الواقع لا يكون أمامه سوى أن يدفن همومه مؤقتًا أمام عوالم استهلاكية لمصلحة تلك الفئة التى صنعتها سياسات اقتصادية شرهة لجنى المكاسب من أيسر الطرق وأسرعها وأكثرها عائدًا. وفى هذا الهدر المالي الهائل الذي يقوم به الأثرياء، الذين كدَّسوا ثروات هائلة فى ظل النظام العالمى المعولم، واستفادوا إلى أبعد الحدود من مبدأ تقليص دور الدولة فى تقديم الخدمات الاجتماعية، ثم لم يظهر لهم دور فاعل حتى الآن فى مواجهة أخطار كورونا ، خاصة فى مساعدة وتعويض الفقراء والمتضررين اقتصاديًا.

لنتأمل ظاهرة “الانفلونسرز- influncers”، وهم “أصحاب الحسابات الأعلى متابعة على مواقع التواصل الاجتماعى”، لتمرير رسائل إلى جمهور واسع من المتابعين المتأثرين بشخصية المؤثر والمنقادين لقراراته وآرائه. بعد ظهور كورونا نستطيع أن نسجل تغير فى تحديد من هم الـinfluencers؛ بعدما كانوا هم النجوم والمشاهير- الميجا انفلونسرز "Mega influencers"، ومن يتميزون في مجالات مثل تجارب السفر والموضة، أو لديهم موهبة كالتصوير والرسم، أو صناع المحتوى والبلوجرز واليوتيوبرز المحترفين، الآن أصبحوا هم من يملكون المعلومة، سواء خبرية أو علمية، وهو تجسيد لتوجه صاعد يطالب بإعادة الاعتبار لأصحاب الفائدة العملية فى هذا الكون من علماء وأطباء... إلخ، الذين يتطلع إليهم الجميع لإنقاذ البشرية وتقديم العون لها للخروج من أزمتها - فى مقابل انحصار النجومية عن الذين يقفون أمام الخطر الكبير وهم لا

يملكون أى حلول. أى الاعتماد على العلم والمعرفة في مواجهة الأخطار العامة، ليغدو الأساس في الخطاب العام هو الخطاب العلمى.

لقد كان طبيعيا مع هذه الأزمة الكاشفة عن فداحة خلل الأولويات وسوء التوزيع؛ انتصار الأزمة العالمية الراهنة للحكومات القومية، لقد شاهدنا تكفل الدول بالرواتب والتغذية وتعليق دفع القروض، ومجانية المياه والكهرباء؛ ماكرون قالها فى فرنسا: الدولة ستتكفل بكل شىء لمواطنيها، المهم البقاء فى المنازل. مما أعطى قبلة الحياة لبقاء دور الدولة أساسيًا، رغم كل ما كتب خلال العشرين سنة الماضية عن تضاؤل دور الدولة لمصلحة المنظمات والشركات غير الحكومية العابرة للحدود، ومنظمات المجتمع المدني. لقد أكد وباء كورونا أن الدولة هى الأساس في رعاية صحة مواطنيها، والمنوط بها تحديد السياسات العامة، مع فشل الاعتماد على السياسات الصحية الحالية، التى آلت إلى توفير العناية الطبية بوجهة استثمارية، تقدمه لمن يملك القدرة على الدفع، مع إهمال كبير للخدمة المقدمة للفئات العريضة من المجتمع، وهى بالتبعية لا توفر بنية صحية قوية ملائمة لمواجهة أخطار صحية مثل الأوبئة العالمية. لقد كشف الوباء أيضا خطورة اعتمادنا المتبادل. وليس هناك نقص فيمن يدعون إلى التراجع، هكذا يقول وزير المالية الفرنسي برونو لو مير: "يجب أن نخفض اعتمادنا على قوى عظمى مثل الصين". كل هذا يأتي وسط العملية الحالية للفصل التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين التي تدفعها إدارة ترامب، فإن الفيروس سيؤدى إلى تركيز وطني أكبر، أو تركيز إقليمي على الأقل، على الإنتاج.

"الكورونوفوبيا".. هل من جديد؟!
"الكورونوفوبيا" هو المصطلح الجديد، الذي أطلقه البعض على ظاهرة الخوف من ذوي الملامح الآسيوية، التي تزايدت مع انتشار وتوسع وباء كورونا المستجد، في أنحاء مختلفة من العالم، العنصرية التى ظهرت فى الأيام الأولى لظهور كورونا فرضت التفكير على مستويين.. أولهما: أن تكون إحدى التجليات الطبيعية لصراع الهوية القومية فى مواجهة الهوية الكونية الذى زاد من حدة الأولى، وهو صراع بنى وغزى دائمًا على قاعدة وجود مصدر للخطر، فمع ضغط المخاوف الاقتصادية فى العالم الغربى بالدرجة الأولى، تقدمت التيارات اليمينية وتصدرت المشهد، وانتشرت النزعة الشعبوية، وتبلور خطر المهاجرين، لكن أمام هذه الأزمة بدا الأمر محيرًا عن موقع الهوية الكونية منها، هل هى السبب والمسبب، أم هى الملاذ والملجأ؟

المستوى الثانى: أن نكون إزاء خدعة (أنا والآخر).. هو المصاب وأنا الناجى، فسريعًا ما تم تبادل الأدوار. فالصينيون، الذين تمت مهاجمتهم فى الأيام الأولى، وسادت موجة كبيرة من السخرية والتنمر تجاههم على مواقع التواصل الاجتماعى، وسجلت حوادث اعتداء بدنى على أصحاب الملامح الآسيوية فى قلب الحضارة الغربية، يتم النظر لهم الآن - على الأقل حتى اللحظة، فالأمور كلها قيد التبدل والتغيير - كنموذج للتفوق العلمى وحسن إدارة الأزمة، بينما ينظر لأوروبا كموطن أول للمرض ومصدر انتشاره فى العالم، ليبدو أن ما تعرض له أصحاب الملامح الآسيوية من عنصرية وهجوم كان تعبيرًا عن خوف عميق يريد أن يطرحه الإنسان بعيدًا بتمييز نفسه عن الآخرين.

ولكن.. هل فى ذلك جديد؟ إن الموجات السابقة من تفشي الأوبئة غالبًا ما سارت على المنوال نفسه من إلقاء اللوم على مجموعات عرقية وعنصرية مختلفة فى مسئوليتها عن الوباء المستشري، وانتهت جميعها إلى النتيجة نفسها: أن الأمراض لا تمارس التمييز.

هكذا كان الحال مع تفشى وباء الطاعون، الذى اشتهر باسم «الموت الأسود»، وحملة التطهير العرقى ضد اليهود فى أوروبا، ومرض الزهرى، ومثلما شرح أحد المؤرخين، فإن: «الحركة المتزايدة للأفراد عبر الحدود الوطنية عززت الحاجة لحماية الحدود الاجتماعية، ووصفت كل جماعة وطنية أوروبية الزهرى باعتباره مرض الأمم الأخرى». وهو ما حدث مع أوبئة الحمى الصفراء عام 1850 تقريبًا، التى هاجمت الولايات الجنوبية فى أمريكا، ليدعى الأطباء أن الحمى الصفراء هى مرض الزنوج المنحطين عرقيًا عن البيض، والحال نفسه مع مطلع القرن الـ19، وتصادف تفشى الكوليرا مع هجرة أيرلنديين إلى الولايات المتحدة بأعداد متزايدة. ومع هذا ظلت الفكرة المسيطرة تدور حول إمكان تجنب المرء مرض ما من خلال إقصاء الأشخاص المختلفين عنه، رغم أنها تمثل توجهًا مضللًا بشدة إزاء التعامل معه.

لعل ذلك يدفعنا إلى فهم الدوافع السيكيولوجية وراء أن كل دولة فكرت فى أنها ربما تكون استثناءً من ال كورونا دون تفسير مقنع لذلك، مما دفع إلى التأخير فى اتخاذ القرارات، أو تبنى سيناريو الغلق أو العزل الجزئى أو الكلى، وهو السيناريو الذى دفعت مضطرة إلى اللجوء إليه فيما بعد، لكنها تحملت تبعات ذلك، حيث إن الحالة "zero" فى كل الدول هى حالة أجنبية.

عناء البحث عن النجاة:
يعقب مرحلة الفشل فى دفع الوباء بعيدًا (وهو نموذج مثالى لخطر البقاء، مجهول الأبعاد الذى يتطور كل دقيقة، وتتغير معرفتك عنه(؛ البحث عن مخرج نفسى لإبعاد المسئولية عن الشخص أو الوطن أو العرق، فإن تكن الكارثة قد وصلت عندى فإننى على الأقل لست مقصرًا أو مسئولًا عنها بأى شكل من الأشكال، هذا الجانب الأول، وفى الجانب الثانى يبدأ البحث عن مخرج أو حل قاطع وسريع، فى الغالب لن يكون من صنع يديه وإنما مخول بقوة مفترضة، وفى مثل تلك الأجواء تنشط نظريات «المؤامرة»، لتحميل طرف بعينه المسئولية، والركون إلى أنه كونه صانعها فهو يملك الحل الشافى لها، ولكن تعدد نظريات المؤامرة ثم سقوطها يشى، بأن الخطر الشديد الذى نحسه هو ذاته من يتجاوزها ويقضى عليه، رغم أنها مدعومة ببشائر المكاسب السياسية والمادية التى ستجنيها دول وأنظمة وشركات متعددة.

من جهة أخرى؛ فإن مشهد التكالب على السلع الاستهلاكية فى كل وجهات البيع، وهذا الجشع المستعر فى استغلال الأزمة يضع قضية التحضر والتمدن موضع اختبار، رؤساء الجمهوريات والحكومات فى قمة العالم، يناشدون مواطنيهم بالتوقف عن "هستيريا" الشراء. وإذا كان من المتوقع ظهور حالة "الخوف الهستيرى" في مثل هذه المواقف؛ فالمشكلة فى تحولها إلى "هستيريا جماعية" تضر جميع أفراد المجتمع. فمما يذكر أنه بعد تفشى الطاعون فى رجال الجيش الفرنسى الذين قدموا مع الحملة الفرنسية إلى مصر، أمر نابليون بونابرت بتسميته "الحمى الوبائية"، وظلت كلمة "الطاعون الدملى" محرمة طوال تفشى الوباء، فقد كان يرى أن أشد أخطار المرض هو الخوف والوهم منه، وأن خير وسيلة لوقاية جيشه هو شغله وجعله يواصل مسيرته، وقد نجح فى إقناع جنوده بأن هذا الوباء إنما هو حمى مصحوبة بدمامل، واستطاع، باتخاذ إجراءات صارمة للوقاية ومراعاة أصول النظافة، إنقاذ جيشه من فناء محقق من الوباء، قبل أن يتفشى أثناء حصار عكا.

ويمكن فهم هذا النوع من الهستيريا الجماعية في إطار علمي، وهو أن النفس البشرية لديها استعداد سريع للتعامل مع حالة الفزع والخوف الشديد، والتفكير بشكل عشوائى، وهذا قد يدفع إلى اتخاذ قرارات سريعة للخروج من المأزق بأي شكل.

ولذا.. فثمة فارق كبير بين الاستعداد للكوارث وبين الشراء بدافع الهلع. ففي الحالة الأولى يعرف معظم الناس السلع التي يحتاجونها بالفعل، لكن المشكلة أن الغموض الذي يكتنف آثار تفشي فيروس كورونا المستجد يدفع الناس للإفراط في الإنفاق بلا وعى. ويرى البعض أن حمى الشراء قد تكون مدفوعة بقرارات عقلانية. فالبعض قد يقرأ مقالات عن اختلال سلاسل التوريد في الصين أو نقص الكمامات في هونج كونج، ثم يتخد قرارًا منطقيًا بتخزين الكمامات تحسبًا لنقصها، فيما يعلل خبراء التهافت على الشراء في أوقات الأزمات بانخفاض الثقة في قدرة الحكومات على إدارة الأزمة. لقد أدى انتشار فيروس كورنا حول العالم إلى تعزيز مخاوف البعض من أن يتحول الأمر إلى سيناريو "كارثى"، لكن هناك من يحذر من أن ردود الفعل غير المحسوبة هى التي قد تسهم في تحول الأمر إلى "فوضى" بالفعل في بعض المجتمعات، وأن القلق ليس من الإصابة بفيروس كورونا ، بل لأنه قد يتسبب في انهيار اقتصادى، وفوضى، وأزمات أمنية وعسكرية. هذه الملامح مجتمعة توضح أن إرث الحداثة أثقل مما نتصور، وأننا لا نزال بعيدين عن القيام بأعبائه، وكفاءة تحمله.

"الدفء الاجتماعى"
يشير ملخص تاريخ الأمراض المعدية منذ طاعون «جستينيان»، إلى أنه عندما ينقطع التواصل بين من يحملون الفيروس والأصحاء ينتهى اشتداد الفيروس، حيث تلجأ المجتمعات إلى الوسائل الاجتماعية، كعزل الأفراد والمناطق، وحتى المدن، كحلول بشرية تهدف إلى قطع سلسلة العدوى (فى تلك اللحظة حضر أوروبا فى عزل تام عن بعضها البعض وعن العالم بأسره).

مع كورونا للمرة الأولى يتوازى هذا العزل الاجتماعى، مع التواصل الحميم عبر منصات التواصل الاجتماعى، التى أصبحت كل معلومة عليها لا تخلو من عمق واضح، لأنها حين توضع فى إطار عام بدلا من استقبالها بشكل منفرد تصبح أهم من ذلك بكثير؛ فهى تندرج كجزء من لوحة فسيفساء كبيرة مليئة بالتفاصيل والمعلومات التى تنتهى للوحة تشكل وعى الفرد. وهى العملية التى أطلق عليها الكاتب التكنولوجى clive Thompson مصطلح "الوعى بالإحاطة" ambient awareness، فالتحديثات المختصرة المتوالية ليست أمرًا بسيطًا، خاصة إذا خضعت لعملية تصنيف تلقائية ذهنيًا وعاطفيًا يميل فيها المتلقى إلى انحيازاته المسبقة (هنا هو مشارك بشكل أو بآخر على وسيلة التواصل الاجتماعى)، لقد انتقل التواصل الإنسانى عبر وسائل التواصل الاجتماعى من "محادثة فى الظل" إلى مستوى آخر للنقاش، وأدخل جمهورًا أوسع ينتج مجموعة من المشاركات والمداخلات كونت شيئًا ثابتًا وحقيقيًا، مثله مثل فكرة أن مجموعة الحصى هى التى كونت الجسر المعلق فى النهاية، الذى يوجد الدفء الاجتماعى حول المصير الواحد.

وفى ظل تواصل كونى تبلور عبر تكنولوجيا المعلومات والاتصال؛ فإن ثمة تناقض حاصل بين قيمة الصورة المضاعفة من جهة، وإسهامها فى إيجاد عوالم وهمية جديدة تستخدمها مؤسسات وإدارات أو أفراد لتركيبها بما يحقق أيديولوجية أو مصلحة بعينها من جهة أخرى، فبينما توهمنا تكنولوجيا المعلومات بنقل الواقع برمته، يقبع وراء هذا الإيهام مؤسسات وأفرادًا تعاونوا فى تركيب هذه الصورة الكلية.

فقد تجسد على أرض الواقع مفهوم "المواطن الصحفى" وتعذر إخفاء الحقيقة على الأقل إلى حد معقول، وهو ما أصبح مثار اطمئنان للمواطن الذى يدرك استحالة التعتيم الكامل على حالة مصابة أو انتشار الوباء مثلا، أو التقصير الحكومى فى الاستعداد والتجهيز، دون أن يتسرب هذا الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعى من خلال واحدة من الدوائر التى تعاملت معه، سواء طبيًا أو اجتماعيًا أو رقابيًا، ورغم ذلك فإن المصلحة وراء الصورة الكلية التى تتشكل تقع فى مناطق الحيرة والشك. وهنا تظهر تجليات نظرية المؤامرة مرة أخرى خلف حالة الهلع والفزع العالمية غير المسبوقة. وتوجه أصابع الاتهام أيضا للوجه الآخر من سهولة النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعى دون معايير أو ضوابط، فهذه المنصات هى التي يعتمد عليها الآن مليارات البشر للحصول على الأخبار، لكنها في الوقت نفسه تُوفر بالفعل أرضًا خصبة لأولئك الذين يريدون نشر الأخبار المضللة.

ويمكننا هنا تسجيل الملاحظات التالية:
أولًا: فى حين أن كورونا وطريقة معالجته تؤدي إلى إبطاء العولمة المادية، فإنها تعزز أيضًا شكلًا أكثر رقمية وعالمية عبر الإنترنت. لقد فاز العمل عن بعد بالمتحولين، وكذلك الخدمات عبر الإنترنت، لكن حتى هذه الأشياء تستند في النهاية إلى حقائق مادية بارزة، وقد أحرزت الأنظمة التي تستخدم طائرات دون طيار وأنظمة مستقلة أخرى أكثر تقدمًا في الصين خلال هذه الأزمة. وينطبق الشيء نفسه على الخدمات الرقمية للكشف عن الأمراض باستخدام الذكاء الاصطناعى، والروبوتات لجميع أنواع الخدمات.

ثانيا: إن جائحة كورونا كانت مثالًا صريحًا على أن لنموذج الدولة المغلقة، والثقوب السوداء، وحظر وسائل التواصل الاجتماعى حدود. ففى النهاية دول مثل الصين وإيران تم الكشف عن حجم المأساة بداخلها حتى لو تأخر الأمر.

ثالثا: تظل مفاهيم مثل ضغط الشارع أو اتجاه الرأى العام فضفاضة يتم التلاعب بها مرارًا، لأن معايير الحكم والتحقق دائمًا هائمة وغير متفق عليها، ولكن ما شهدناه من استجابات قوية وسريعة لضغط وسائل التواصل الاجتماعى، فى إقرار الإجراءات المتخذة فى غالبية دول العالم لمواجهة وباء كورونا ، وسابق فشلها فى تحقيق مثل هذا الضغط فى أزمات أخرى، تدعو إلى دراسة المعايير التى تتحكم فى فاعلية هذه الوسائل فى تحقيق الضغط من جهة، والاعتراف بتمثيلها للرأى العام، أو أسباب فشلها من جهة أخرى.

رابعا: تجلت التغذية المتبادلة بين وسائل الإعلام التقليدية والإعلام البديل أو الجديد، فى أوضح صورها مع انتشار كورونا .

خامسا: علينا أن نقف بكثير الانتباه إلى عودة الاعتماد على التواصل المباشر بين الأهل والأصدقاء الحقيقيين، للتأكد من سلامتهم، وسلامة المعلومات المتبادلة فى عالم أساسه فقدان الثقة.

خاتمة:
ربما نتوقع أنه بعد أن ينقشع البلاء، وتنتهى التجربة المفزعة - وهو ما نتمناه قريبا - لن يعود العالم كما كان قبلها، لكن سيكون أهم ما تعلمه الإنسان أنه لم يدرك من العلم إلا قليلًا، فلم يكن الإنسان من قبل قويًا كما هو الآن، ولا ضعيفا كما هو الآن أيضًا، ليتعلم التواضع أمام عظمة المعانى وتعقيدها فى ذات الإنسان وفى علاقته بكل الأشياء من حوله، فبينما يعتقد الإنسان أنه يرى الصورة بكل أبعادها وأنه رأى وجهان فى الصورة، يدرك أن للصورة وجهان.

نتوقع أن تستأنف العولمة ولكن نرجو أن تكون في شكل أقل حدة ومختلفًا عن تلك التى عرفناها حتى الآن. لقد جاء « كورونا » بمثابة تذكير لنا جميعًا بإنسانيتنا المشتركة فى سياق إنه عالم واحد ومصير مشترك، حتى نحقق كفاءة التصدى لمثل هذه الاختبارات. كتب الصينيون على صناديق نصف مليون قناع طبى أرسلوها إلى إيطاليا مقتبس من قصيدة رومانية: "نحن أمواجٌ من ذات البحر".

* نقلا عن مجلة الديمقراطية

مادة إعلانية

[x]