عودة الأوبئة: تاريخ من التحولات الاجتماعية

8-4-2020 | 15:59

الأوبئة - صورة أرشيفية

 

أحمد عبدالحميد حسين - باحث فى دراسات التاريخ الاجتماعى والسياسى

تعرضت البشرية على مدى تاريخها القديم والحديث لعدد من الأوبئة كانت سببًا في خطف أرواح ملايين من البشر كانت أعدادهم أكبر كثيرًا من أقرانهم الذين قتلوا في حروب دينية أو استعمارية. وبسبب ضعف الآليات الإدارية والتعليمية والصناعية، وهشاشة هيكل النظام الصحي، وانتشار الممارسات الاجتماعية غير السليمة في الفترات الزمنية التي وقعت فيها تلك الأوبئة فقد تناقص عدد سكان العالم القديم بشكل كبير للغاية، ربما وصل إلى النصف في بعض المناطق التي ضربها وباء مثل الطاعون الأسود الذي تسبب في عدم تزايد سكان القارة العجوز لمدة قرن ونصف القرن تقريبًا.

رُغم ذلك؛ فقد كانت الأوبئة سببًا في انهيار دول وممالك كبيرة، وإضعاف هيبة رجال الدين في مناطق عديدة، وزيادة الإيمان بالخرافات والطقوس الدينية في مناطق أخرى، وتلاشي منظومات اقتصادية قائمة على الزراعة بسبب موت الفلاحين أو هجرتهم أراضيهم، وظهور نواة الإصلاح الديني في أوروبا، كما عملت الأوبئة على تعديل كثير من عادات الناس اليومية، وغيرت من نظرتهم وافتراضاتهم عن العلم والدين والأسطورة والخرافة، وإجراءاتهم واحتياطاتهم في أوقات الطوارئ والمحن الكبرى، كما أسهمت هذه الأوبئة في تبلور معارف وعلوم أكثر اهتمامًا بصحة الإنسان. أخرجت الأوبئة أفضل ما في البشر، وأسوأ ما فيهم. وحملت في الذاكرة التاريخية كثيرًا من الآلام، ودفعت إلى ابتكار اختراعات وأدوية خففت من آلام ومآسي أخرى.

واليوم ومع الكابوس الجديد " كورونا " الذي يضرب بوطأة شديدة قلب حضر العوالم الجديدة والقديمة، يتخطى المعارف والحداثة والتكنولوجيا والأنظمة الصحية المتقدمة للغاية، ينشر الرعب في أوروبا قبل إفريقيا، تلهث النظم السياسية الكبرى في البحث عن مخبأ منه لكن بلا جدوى، يضرب التحالفات القديمة بين الدول التي تبحث عن مهرب لنفسها، يعيد النظر في نجاعة حلول الرأسمالية الاقتصادية والاجتماعية، يخبرنا أن نفكر في حلول أكثر عدالة وإنسانية وعقلانية، يضع رجال الدين - كالطاعون الأسود في القرن الرابع عشر - في مأزق حينما يحاولون تقديم سبل نجاة لأتباعهم، التي أثبت الواقع أنها تؤدي غالبا إلى الهاوية إذا كانت تتضاد مع العلم والمعرفة والمنطق.

هذا المقال يحاول الاقتراب من التحولات الاجتماعية التي ظهرت كنتاج لظهور بعض الأوبئة القديمة في مصر والعالم؛ يناقش بداية ظهورها، وكيفية تعامل الأنظمة معها، وأثرها الصحي والاجتماعي والسياسي.
طاعون عمواس والعزل الصحي:

عرف العرب والمسلمون فكرة "العزل الصحي" منذ فترات بعيدة، ولعل أشهر الأمثلة التاريخية التي تُساق في هذا الإطار طاعون "عمواس" الذي وقع عام 18ه/ 639م في خلافة عمر بن الخطاب، وكان مركزه منطقة تدعى "عمواس" بالشام، ثم انتشر وتغلغل ليحصد أرواح آلاف البشر حينها، وكان من أبرز من مات فيه من رموز الصحابة وكبارهم: أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل، وكثير من الصحابة الذين قادوا المواجهات والمعارك التي دارت بين المسلمين والروم في ذاك الوقت.

يشير بعض الباحثين إلى أن الطاعون وقع في الفترة التي حدثت فيها معركة "اليرموك" بين المسلمين العرب والروم وحلفائهم، وهي المعركة التي وقع فيها قتلى بالآلاف، وربما كانت الأرض التي حملت أجساد القتلى الناتجة عن هذه المعارك هي الوسط والبيئة المناسبة التي سرَّعت من عملية انتشار الطاعون في ربوع الشام .

بعد أن تفاقم الوباء في الشام، ومات فيه الآلاف من بينهم كبار الصحابة، قرر خليفة المسلمين عمر بن الخطاب السير إلى الشام لمساندة أهلها، لكن بعد أن خرج من المدينة المنورة، وسار في طريقه خاف عليه أغلب كبار الصحابة، وحذروه من انهيار أمر الحكم حال أصابه خطر الطاعون بالشام، ففكر في الأمر مليَّا، وشاور آخرين في ذلك، وقد سمع أبو عبيدة بن الجراح وهو في الشام بالأمر - قائلا له: "أتفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: "أفر من قدر الله إلى قدر الله" . لكن صحابي آخر كبير الشأن هو عبدالرحمن بن عوف سارع إلى تذكير عمر بن الخطاب وبقية مستشاريه بأن الابتعاد عن المناطق الموبوءة هو الأفضل في هذه الحال، وذكرهم بحديث النبي في الاحتياط من مناطق العدوى حينما قال: "إذا سمعتم به - أي الطاعون - في أرض فلا تقدموها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه" . فرجع عمر بن الخطاب إلى الحجاز، ثم أرسل رسولا إلى أبي عبيدة بن الجراح طالبًا منه القدوم إلى الحجاز لأمر أراد مناقشته فيه، وقد أدرك حينها أبو عبيدة عامر بن الجراح نية الفاروق في استخراجه من هذا الوباء فرد عليه: "قد عرفت حاجتك، وإني في جند من المسلمين لا أجد في نفسي رغبة عنهم، ولست أريد فراقهم حتى يقضي الله فيِّ وفيهم أمره وقضاءه" .

لكن أبو عبيدة بن الجراح مات من هذا الطاعون، ومات معه أكثر من خمسة وعشرين ألفًا، وكثير منهم من كبار ورموز المسلمين مثل: شرحبيل بن حسنة، وسهيل بن عمرو، ويزيد بن أبي سفيان، الذين شاركوا في المعارك ضد الروم، ثم تولى بعد أبي عبيدة معاذ بن جبل، الذي مات بالوباء نفسه أيضًا، ثم تزايد فتك الطاعون بالقبائل بالشام، ثم تولى من بعد معاذ عمرو بن العاص الذي ما إن تولى الولاية حتى خطب في الناس قائلا: "لقد تزايد هذا الوجع، وإني أرى أنه يشتعل اشتعال النار، فتحيلوا – أي اهربوا - منه في الجبال" فخرج عمرو بن العاص وخرج الناس معه من المناطق المنخفضة التي يكثر فيها الوباء إلى الجبال حيث الهواء الأقل تلوثًا، ومكث الناس بين الجبال - فيما يمكن تسميته بمفرداتنا اليوم "العزل الصحي" حتى رُفع الطاعون عنهم .
لكن المصادر التاريخية لم تذكر أى معلومات موثقة عن الأسباب الأساسية لانتشار هذا الطاعون، والأعداد الحقيقية للقتلى (خصوصا أنه تزامن مع عدد من المعارك قتل فيها الآلاف من المسلمين والروم)، وكيفية مواجهة أهل الشام له في بداية انتشاره، وهكذا.

الطاعون الأسود.. لعنة القرن الرابع عشر:
مثّل "الطاعون الأسود" كابوسًا كبيرًا للبشر الذين عاشوا في منتصف القرن الرابع عشر في بلدان عدة من العالم القديم، كانت بداية الطاعون عام 1347م واستمر حتى عام 1352م، وكان بدء انتشاره كما يقول جوزيف بيرن في كتابه "الحياة اليومية في زمن الموت الأسود" من الصين، ثم بلاد القوقاز، ثم إلى جهتين أساسيّتين، الأولى إلى مصر والشام وشمال إفريقيا وبغداد، والجهة الثانية إلى أوروبا، حيث عانت القارة العجوز أسوأ مصائبها في تاريخها على الإطلاق، وكثير من المراجع التاريخية يتحدث عن أن السبب المباشر وراء تفشي الوباء في أوروبا كان إحدى السفن الإيطالية الآتية من سواحل القوقاز، وقد رفضت موانٍ كثيرة استقبال هذه السفينة، لكنها لم تستطع منع انتشار الوباء، فبدأ هذا الموت المتحرك مسيرته لبقية دول أوروبا، ولم ينتصف عام 1348 إلا كانت البلاد الأوروبية قد سقطت ضحية لانتشاره، وفي أقل من عامين فقدت أكثر من 35 مليون نسمة.

سرت في المجتمع الأوروبي تفسيرات شعبوية ودينية تتحدث عن أن الله قد أرسل الطاعون بسبب تفشي الذنوب والآثام، ومن ثم كانت وصفات العلاج على ذات المستوى تقريبًا، فخلال فترة ظهور الطاعون كان رجال الدين ينظمون فى الشوارع مواكب التطهر من الآثام لإبعاد الطاعون، وكان التطهر يحفُل بعمليات انتقامية دموية بين فئات السكان المتباغضة تحت شعار "شكرًا للرب" .

وصُنّفت عمليات الفصد كأهم الأودية وأشهرها، حيث لجأ الأطباء والحلاّقون لإحداث شق بأحد الأوردة الرئيسية للجسم بهدف استخراج الدم، كما استخدمت ديدان العلق لامتصاص مواد من الجروح المفتوحة والقروح والدمامل، بينما فضل البعض الابتعاد عن هواء العالم الخارجي والعيش داخل المجاري والأماكن المعزولة.

اعتبر بعض المؤرخين أن هذا الوباء كان واحدًا من الأسباب التي أدت إلى ضرب الإقطاع في أوروبا والقضاء التدريجي عليه، ذلك أن مناطق الريف كانت أكثر المناطق تأثرًا بهذا الوباء، الأمر الذي أدى في النهاية إلى موت أو هروب الكثير من المزارعين، وبدأ يؤثر ذلك على الإنتاجية الزراعية في القارة، لكن الأهم من ذلك أنه أدى إلى تحرير نسبي للمزارعين المربوطين بالإقطاعيات، وبدأ المزارعون العمل الحر، مطالبين بأجورهم مقابل عملهم بعد هجرتهم إقطاعياتهم. ثم إن ندرتهم أدت إلى ارتفاع كبير في الأجور وأسعار الغذاء في القارة الأوروبية. وكذلك انتشار الثورات المحدودة بين هذه الطبقات مما أسهم في ضرب منظومة الإقطاع في أوروبا ككل .

سقط الملايين من أهالي الشعوب الأوروبية موتى نتيجة هذا الوباء الجارف، وكانت الطبقة الكنسية من أكثر الطبقات تأثرًا بهذا المرض، خاصة مع وجوب حضور القس لتلقين المحتضر والإصغاء لاعترافاته الأخيرة، مما جعل القساوسة والكهنة أكثر عرضة للمرض من غيرهم، وتقدر بعض المصادر أن الكنيسة فقدت ما يقرب من ثلث طاقتها البشرية جراء هذا الوباء .
تصاعد الغضب الشعبي نتيجة عدم مقدرة السلطات والكنيسة عن معالجة هذا الطاعون، وتفجرت تظاهرات شديدة في أرجاء القارة الأوروبية، وصبت الجموع نقمتها على فئات دينية واجتماعية مختلفة، وكان اليهود أحد أكبر ضحايا مواجهة هذا الوباء، فتعرضوا لحملات قتل وحرق في شتى الربوع الأوروبية، حيث أُحرق ما يقرب من ألفي يهودي في مدينة ستراسبورج، وكذلك في مدينة بازل. أما في الأراضي الألمانية، فقد أدت هذه الموجة إلى هروب عشرات الآلاف من اليهود إلى بولندا.

كان من تداعيات الطاعون الجارف أيضًا التعطيل الجزئي للتجارة عبر طريق الحرير، كما أسهم في تراجع الإنتاج وتقويض المعاش، وانخفاض عدد السكان وتوسيع رقعة الفقر، وانتشار المجاعات والفوضى، والخوف من الآخرة والظن بنهاية الإنسان والكون، والإنكفاء إلى الخرافات وطلب المعجزات للخلاص من الهلاك الدنيوي، إلا أنه وعلى الجانب الآخر؛ فإن هذه الأزمة قد دفعت النخبة الأوروبية إلى التفكر والبحث عن علاج لمقاومة المرض وبذل الجهود لتطوير الطب والمختبرات واختراع الأدوية لوقف الوباء عن الانتشار، ورغم أن مخاوف السكان في المناطق التي أصيبت بالطاعون في بدايته قد ارتبطت بالقلق من العقاب الإلهي ونهاية العالم، وبالتالي ضرورة اللجوء للكنيسة ورجال الدين، مما شكل مكسبًا لرجال الدين أنفسهم، إلا أن تفشي الطاعون وخروجه عن السيطرة فرض نفسه بشكل لم يجعل أمام الكنيسة سوى القبول بسلطة العلم في النهاية وعدم التصدي لجهود العلماء بسبب حاجتها هي الأخرى إلى اكتشاف طبي يخفف من هلع القارة واندثارها .

في الفترة نفسها، وعلى الضفة الأخرى من العالم، يحكي المؤرخ المصري تقي الدين المقريزي مشاهد سوداوية من القاهرة لآثار الطاعون قائلا: "ما إن أهلّ ذو القعدة (سنة 749هـ) إلا والقاهرة خالية مقفرة لا يوجد في شوارعها مار، بحيث إنه يمر الإنسان من باب زويلة (جنوب القاهرة) إلى باب النصر (شمال القاهرة) فلا يُرى مَن يُزاحمه لكثرة الموتى، والاشتغال بهم، وعلت الأتربة الطرقات، وتنكرت وجوه الناس، وامتلأت الأماكن بالصياح فلا تجد بيتًا إلا وفيه صيحة، ولا تمر بشارع إلا وفيه عدّة أموات، وصارت النعوش لكثرتها تصطدم والأموات تختلط، وبقيت الأزقة والدروب لما فيها من الدور المتعددة الخالية، وصارت أمتعة أهلها لا تجد من يأخذها، وإذا ورث إنسان شيئا انتقل في يوم واحد عنه إلى رابع وخامس".

طاعون الكوليرا في عهد محمد عليّ:
مع بداية ومنتصف ثلاثينيات القرن الثامن عشر انتشر وباء الكوليرا في مصر، ووصل عدد ضحاياه إلى أكثر من مئة وخمسين ألف نسمة، واجتمع قناصل الدول الأوروبية بالإسكندرية خوفًا من تسرب الطاعون إلى الدول الأوروبية، وشكَّلوا فيما بينهم مجلسًا للصحة، وكان هذا المجلس يهيمن على الأمور الصحية، ويشرف على إنشاء معازل، حيث قام بفرض معازل وأماكن حجر صحي في موانى دمياط ورشيد والعريش لمنع انتشاره إلى دول أخرى.

لكن فيما يبدو- ووفقا لرواية محمد المخزنجي - فإن محمد على كان مطلعًا على سياسات مفهوم النظام فى مواجهة الطاعون ومقتنعًا بها، على غير قناعة كلوت بك الذى اضطر إلى تنفيذ ما أراده الحاكم المصرى، وعندما اخترق الطاعون احتياطات الحجر الصحى التى اتُّخذت عام 1834م، ضرب محمد على كردونًا حول الإسكندرية، ولم يتورع عن اتخاذ إجراءات أكثر شدة كتلك التى اتُّبِعت فى جنوا عام 1656م، فقامت الشرطة والجيش بعزل مرضى الطاعون فى مستشفيات الأمراض المعدية وحرق متعلقاتهم الشخصية، وكان الرصاص يُطلق على أرباب الأسر الذين يُخفون موت أحد أفراد الأسرة بالطاعون ليفلتوا من الرقابة الصحية.

ومراعاة للقيم والتقاليد أنشأ محمد على فرقًا من النساء للإشراف على تحميم الإناث فى المناطق التى يظهر فيها الوباء، وعند انتهاء الحمام، سواء للرجال أو النساء، كانت تُقدَّم للفلاحين ملابس نظيفة مع بقائهم عدة أيام تحت إشراف الأطباء المصريين الشبان خريجى قصر العينى، وفى الوقت نفسه كانت هناك إجراءات شديدة الصرامة تطبق فى الموانى على السفن الوافدة، مهما كانت تبعيتها الأجنبية، ومع حلول عام 1844م أخذ الطاعون يتراجع ثم انتهت موجته المحلية الأخيرة، وانقطع الوباء وأصبحت مصر خالية من الطاعون لثلاثة أجيال تالية .

فى عام 1836 كتب "ألكسندر كينجلاك" الذى عاش فى القاهرة فى أثناء الوباء: "كان الطاعون سيد المدينة طوال فترة إقامتى، وظهر الخوف فى كل شارع وكل حارة، لكن الشرقيون يمتلكون حظًا أوفر من أوروبا تحت بلوى من هذا النوع. ففى مدن الموت نُصِبت الخيام، وعُلِّقت المراجيح لتسلية الأطفال، عيد كئيب، لكن المسلمون تباهوا باتباعهم عاداتهم القديمة غير عابئين بظل الموت" .

في محاضرة نادرة تعود لعام 1948م، نشرتها وزارة المعارف، يتحدث الدكتور سيف النصر أبو ستيت، عن تاريخ الأوبئة في مصر، أشار فيها إلى أن مركز مصر الجغرافي، الذي يتوسط القارات الثلاث، جعلها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الأمراض، فهي القنطرة العالمية الكبري التي يعبرها من قديم الزمان المسافرون والتجار من كل أنحاء العالم، وبسبب ذلك؛ فإن غالبية القوانين الصحية كانت في الأصل للتصدي للكوليرا تحديدًا، كما أنها السبب المباشر لإنشاء مجلس الصحة العمومي الذي أصبح الآن وزارة الصحة. ثم تحدث أبو ستيت عن أن الكوليرا ضربت مصر عشر مرات في تاريخها الحديث أعوام (1831، 1834، 1850، 1855، 1865، 1883، 1895، 1902، 1947م) وكان هذا الوباء السبب في إنشاء مكاتب الصحة لأول مرة في مصر، خاصة في دمياط ورشيد والعريش، وتم تشكيل المجلس الصحي العمومي الذي كان النواة الأولي لما يعرف الآن بوزارة الصحة.

في أواخر القرن التاسع عشر قامت الحكومة المصرية بإنفاق أكثر من مليون جنيه لحرق مواد محتوية على الكبريت وإلقائها في الشوارع، حيث كانت الطرق المتبعة لمكافحة مرض الكوليرا آنذاك قبل ظهور الأمصال والتطعيمات والأدوية الفعالة، أما الوباء التاسع فكان عام 1902، الذي ضرب قرية موشا بأسيوط، وكان سببه قيام العمدة بالتستر علي تسرب المرض من خلال القادمين من مكة المكرمة، حيث انتشر بعدها للقاهرة من خلال امرأة كانت قادمة من موشا، وسجل الشاعر أحمد شوقي وباء موشا في إحدي قصائده قائلا: "فالموت عند ظلال موشا رائع كالموت في ظل القنا الخطار"، وقد انتهي فى العام نفسه 1902م، لكنه عاود الظهور مرة أخرى عام 1947م .

في مجال الرعاية الصحية الوقائية لم تعرف الدولة المصرية إطارًا هيكليًا منظمًا، لكن الأمر ارتبط بالضرورة بقرارات تتخذها الدولة المصرية من أعلى، وبالخصوص في عهد محمد علي باشا، وبشكل أكبر في عهد الخديو إسماعيل (1861 - 1878)، الذي عمل على تبني مبادرات حكومية بإنشاء محطات تنقية المياه، وبداية إدخال نظام شبكات الصرف الصحي (المجاري) الحديثة في القاهرة والإسكندرية، واتخاذ مجموعة من الإجراءات لمحاربة وباءى الكوليرا والملاريا وغيرهما من الأوبئة التي كانت تهاجم مناطق الريف والأحياء الفقيرة في العاصمة. ثم في فترة الاحتلال الإنجليزي صدر قرار عالٍ من الخديو توفيق بتأسيس "مصلحة الصحة العمومية"، وهي المؤسسة التي عملت لاحقًا علي بناء المستشفيات في الريف في أواخر العشرينيات، وفي عام 1936 صدر المرسوم الملكي بإنشاء أول وزارة للصحة في تاريخ مصر، وتضمن القرار إنشاء قسمين داخل الوزارة، أحدهما للإشراف على المستشفيات ومقاومة الأوبئة ورعاية الصحة العامة من الأمراض المتوطنة ورعاية الطفل ومقاومة الحشرات ومراقبة الأغذية، وثانيهما لتنظيم المرافق القروية وتوفير مياه الشرب .

خاتمة:
أتى وباء " كورونا " ليعيد هواجس وآلام كادت أن تنساها البشرية بفعل التقدم الرهيب للعلم، وتطور المنظومة الصحيّة. لقد استطاعت العولمة أن تلغي الجغرافيا تقريبًا، وتقرب المسافات بين البشر، لكن فيروس " كورونا " استطاع أن يقرب الآلام المشتركة بين الضحايا المتساقطين في أقصى الغرب الأمريكي، وأقرانهم من ضحايا المشرق في الصين وإيران والهند.

أعطى كورونا درسًا لليمين السياسي والاقتصادي الصاعد في أنحاء العالم، ببرامج تهدف للحد من هجرة اللاجئين، وتُقلص من موارد الإنفاق على التعليم والصحة أن قطاعي الصحة والتعليم هما فرسيّ الرهان في المواجهة التي يخوضها العالم الآن مع "الفيروس القاتل"، وأن بنودهما في أي موازنة دولة تهدف لعدالة اجتماعية حقيقية لابد أن تكون على حساب الإنفاق على أي قطاعات أخرى أقل حيّوية. فهل يكون كورونا ، كما كانت معظم الأوبئة السابقة، نقطة انطلاق لتحولات اجتماعية كبرى فى أعقابه؟

* نقلًا عن مجلة الديمقراطية

مادة إعلانية

[x]