آراء

كورونا والمصير البشري

7-4-2020 | 13:28

عانت البشرية أوبئة كثيرة عبر تاريخها الطويل، أبرزها الطاعون والكوليرا والسل، قبل أن تتقدم العلوم والمعارف، وتُنتج الأمصال واللقاحات التى تتصدى لها. ربما كانت تلك الأوبئة أخطر من فيروس كورونا المستجد (كوفيد _ 19)، حيث أودى بعضها بمدن وقرى كاملة، وأزهق أرواح ملايين البشر فى وقت لم يكن العالم قد بلغ خمس تعداده الحالي.

غير أن ما يزيد الهلع من كورونا إنما يتمثل فى أمرين: أولهما يتمثل فى ارتفاع قيمة الشخصية الإنسانية بفعل التقدم المطرد، خصوصا نحو الديمقراطية الليبرالية، التى أحالت الفرد من كونه مجرد رعية للحاكم: ملكا كان أو سلطانا أو حتى أميرا إقطاعيا إلى مواطن كامل الأهلية، له قيمة اعتبارية فائقة، يتمتع بحقوق أصلية لصيقة بإنسانيته وحدها، بحيث صار موت إنسان واحد فى بلد حر سببا لحزن عام لم يكن يترتب مثله على رحيل عشرات الرعايا، فى العصور الإقطاعية.

وثانيهما هو اتساع حركة السفر والسياحة ورأس المال بين أطراف العالم، مع اتساع الفضاء الإعلامى إلى مدى كوكبي، صارت معه أطراف الأرض مكشوفة، وأصبح سهلا ينتشر الوباء بين جميع أنحائها أو معروفا لدى كل أبنائها. أما الكشف الأهم لوباء كورونا فيتعلق بالخواء الكبير لمفهوم (القرية الكونية) الذى اعتمدته العولمة خطابا لها، بدا مع الوقت تبريريا أكثر منه تشريعيا، ترويجا أكثر منه تبشيرا. نعم صارت الكرة الأرضية ساحة واحدة ينتشر فيها المرض، ملعبا واحدا تدور عليه مناورات الدول، مسرحا كبيرا تدور عليه الشائعات وتنتشر الاتهامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كونها المنتج الأكثر تعبيرا عن عصر الجماهير الغفيرة.

ولكنها، أى الكرة الأرضية، لم تصبح بعد ساحة حقيقية للتضامن بين المجتمعات، والتنسيق بين الحكومات فى مواجهة الوباء، كما كان مفترضا من مجتمع عالمى يمتلك منظمة جامعة للصحة، أو متوقعا من قرية كونية، يدرك جميع أبنائها واجبهم المشترك تجاه بعضهم البعض، ويحرصون على القيام به فى لحظة الخطر. لم يحدث ذلك التضامن لأن مبدأ الخير العام الكوني، المفترض أن تسعى البشرية إلى تحقيقه، لا يزال فكرة شفافة، نعم هى إنسانية جدا ولكنها أيضا ضعيفة جدا، كونها غير مقننة، لم تتغلغل فى البنيان الدستورى للدول الديمقراطية، ولا فى صرح القانون المدنى الذى يجسد خبرات المجتمعات المختلفة والحضارات الكبري، بالقدر الكافى الذى يدفعها إلى العمل انطلاقًا من أرضية مشتركة، من أجل جماعة إنسانية واحدة، تنطوى على دول متعددة ونظم سياسية مختلفة، ولكنها يمكن أن تتقارب وتتضامن فى مواجهة المحن والآلام، قد تختلف فيما بينها حول وسائل بلوغ الخير العام، ولكنها تتفق على ضرورته وأهميته إلى الحد الذى يجعلها تضع لأجله المخصصات المالية، وتتخذ القرارات السياسية تلبية وتجسيدا لكل المعانى التى يمثلها مفهوم القرية فى السوسيولوجيا الثقافية كالتلاحم والحميمية والشعور المشترك بالمسئولية صد المخاطر الكونية والبيئية وعلى رأسها الأوبئة. نعم بدت الدولة القومية، فى سياق المواجهة مع الفيروس اللعين، طائر الموت المحلق، وكأنها الحقيقة السياسية الصلبة فى عالم يموج بالسيولة، وبرز دورها كفاعل أساسى سواء على حساب الطائفة والقبيلة فى مجتمعاتنا المتخلفة، أو حتى على حساب الكيانات الفوقية والتكتلات الإقليمية فى أبرز نماذجها نجاحا كالاتحاد الأوروبى الذى بدا مشلولا أمام الوباء، لم تنهض مؤسساته الكبرى بإجراء جماعى يذكر، فيما كانت دوله القومية سيدة الموقف فى فرض القواعد وتطبيق القوانين والإشراف على جميع إجراءات الوقاية والعلاج.

غير أن محورية الدولة فى مواجهة الخطر، واستمرار دورها الناجم عن كونها النظام المجتمعى الأكثر تأثيرا فى حياة الإنسان، صاحبة الحق النهائى بالتحكم فى المجال العام، لا يعفيها أبدا من النقد الأخلاقى لطريقة عملها، ولا من مساءلتها عن دورها السلبى فى إعاقة قيام وازدهار مفهوم المجتمع العالمى بالمعنى الجوهري: فهل تلبى مجمل تحركاتها على أرضية النظام الدولى الاحتياجات الضرورية لأمنها، أم أنها تعكس ميولا عدائية، وتبغى تحقيق غايات استعراضية؟. وهل ثمة معقولية لامتلاك كل ترسانات الأسلحة سواء التقليدية أو النووية، ولو باعتبارها وسيلة الردع، رغم التكلفة العالية لإنتاجها وتخزينها وصيانتها فى وقت يهددنا الموت القادم من فيروس مجهول لا يوجد من أجهزة التنفس الصناعى ما يكفى حاجة ضحاياه، حتى بات التمييز بينهم ممكنا على أساس الطبقة الاجتماعية والقدرة المالية، كما صارت التضحية بكبارهم أمرا متصورا؟.

تفرض علينا الإجابة أن نتذكر القانون الاقتصادى الشهير عن الفرص البديلة، كى نتخيل معا كيف كان ممكنا، عبر إنفاق منضبط للثروة العالمية على التنمية البشرية، ترقية عيش الإنسانية برمتها، وتخليصها من الفقر والعوز الدائمين، ناهيك عن الخوف والفزع من الأوبئة والكوارث العارضين، على النحو الذى كان ممكنا معه الحلم بعالم أقل عنفا وعتمة وأكثر إنسانية وإشراقا عن ذلك الذى نعيش فى ظله.

وإذا كان مبدأ الخير الكونى يفرض على الإنسانية كلها مساءلة الدولة كتنظيم سياسى ضروري، فمن الأولى محاكمة النيوليبرالية كتنظيم اقتصادي، يدعى العمل وفق آليات لا شخصية، فيما يمارس انحيازا لا أخلاقيا للأغنياء والأقوياء معا. لقد تحدث آدم سميث، قبل قرنين ونصف القرن، عن اليد الخفية للسوق كآلية تصحيح تلقائية لتشوهات الرأسمالية على أصعدة الإنتاج والتجارة وتوزيع الثروة، وهو فهم لم يكن صحيحا تماما آنذاك، أوقع العالم فى أزمات، على رأسها الكساد الكبير نهاية عشرينيات القرن الماضي، حتى أتى ماينرد كينز بآليات تصحيح دشنت مفهوم دولة الرفاهة، وأسهمت فى تعطيل المد الشيوعى داخل أوروبا، كما أدت تاليا لإسقاط التجربة السوفيتية. أما اليوم، فتدعى العولمة النيوليبرالية أن لها يدا خفية فائقة، وهو فهم أقرب إلى الخطأ الصريح، الذى نحتاج فى مواجهته إلى كينز جديد يحاكم تلك اليد أخلاقيا وليس اقتصاديا فقط، ينفى عنها صفة الآلية الحتمية للتطور العالمي، ويفضح كل ما تكرس له من تفاوت واستقطاب على صعيد فرص الحياة، سواء بين طبقات المجتمع الواحد أو بين المجتمعات وبعضها، على نحو يدمر الشعور بالمسئولية عن المصير الإنساني.

التنوير الراديكالي ونزعة الشك الفرنسي

انطلق الفكر الأوروبى الحديث من الكوجيتو الديكارتى الذى وضع الفكر فى مقابل الامتداد. الفكر هنا يعنى العقل والروح وكل ما يمت للمعنويات كالعقيدة الدينية.

كانط. . رسول العقل الإنساني

اهتمت جل فلسفات التنوير بترقية الإنسان إلى موضع الكائن العاقل الحر، ومن ثم سعت إلى تحريره من قيدين أساسيين: أولهما المدركات الخرافية التي تعطل مسعاه في

الفلسفة المثالية بين التنوير والمسيحية

تحدثنا فى المقال السابق عن ثلاث مدارس في نظرية المعرفة تحكمت في أنماط التنوير الأوروبي: المثالية الذاتية، والتجريبية الحسية، والمثالية التجريبية. يشيع

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة