اتحاد أوروبا يمرض أم يموت؟

6-4-2020 | 13:45

 

حين أشرقت شمس اليوم الأول من عام ١٩٩٣، كانت أوروبا على موعد مع تحول جذري. تحطمت حواجز اللغة، وتراجعت النعرات العرقية، وهزمت الاشتراكية أمام الرأسمالية.


باتت أوروبا غربا وشرقًا ووسطاً كتلة تتسارع الدول لأن تستظل بظلها .. تأسس الاتحاد بناء على اتفاقية ماسترخت عام ١٩٩٢، وإن كانت أفكاره مطروحة منذ القرن التاسع عشر، لكنها تعززت بعد الحرب العالمية الثانية..

ومع مطلع عام ٢٠٢٠ تغير الحال وكأننا أمام شيخوخة مبكرة.. ظهرت القوميات والعرقيات، وطلت الاشتراكية بقوة.

خطت الصين، ثم روسيا خطوات باتجاه مساندة دول أوروبية غارقة في مستنقع فيروس كورونا.. الدولتان قدمتا الدعم والمساندة لدول لم يساعدها الاندماج والاتحاد الأوروبي.. دول لم تجد سوى الصين وروسيا تلقيان إليها بطوق نجاة.. الصين تسير بخطوات متزنة على طريق الحرير، وتشق قلب أوروبا المريضة، ولتحقق مأربها في شرق وغرب المتوسط..روسيا تفك قيود العقوبات وتستعيد مساحات من نفوذها القديم..

أوروبا الموحدة على مشارف التفكيك، وكما نعلم فإن تفكك الأزمات يخلق النزاعات، ومن ثم التصارع المتجدد.. صحيح أن الأتحاد الأوروبي حاول استدراك الخطر مبادراً بالاعتذار لإيطاليا على لسان أوراسولا فون دير لاين مفوضة الاتحاد الأوروبي، ومتعهدة بالدعم. وصحيح أيضاً أن تفكك الأتحاد سيتضرر منه كل الأعضاء، وستكون العواقب وخيمة على أوروبا كلها، وسيكون ذلك خدمة عظيمة للصين وروسيا أولاً، ثم أمريكا واليابان ثانياً. الاتحاد الذي يمثل أكبر سوق مشتركة في العالم خلص أوروبا من نزاعات مميتة.

ويمكن القول أن هذا الاتحاد انتشل كل دوله من الفقر، فلا توجد دولة فقيرة بمقاييس العالم الثالث، خصوصاً الدول الآتية من المعسكر الشيوعي .. إنها تجربة فريدة ولا مثيل لها منذ سقوط الأمبراطورية الرومانية .

اعتذار مفوضة الاتحاد سبقه كثير من الغضب الشعبي والرسمي في أسبانيا وإيطاليا رآه مانويل ماكرون بصورة الخطر.

ولا أعرف على أي أساس يطالب الرئيس الفرنسي إيطاليا بالكف عن مديح روسيا والصين.. ألم تستغيث إيطاليا المنكوبة بفرنسا وألمانيا لدعمها، فاعتذرت الدولتان وحجتهما أن ما تحتاجه فرنسا وألمانيا يُحرم على غيرهما . . أليس من حق رئيس وزراء أسبانيا أن يصب جام غضبه على أوروبا التي طالبها بالمساندة والدعم ولم يجد سوى أبواب موصدة وحدود مغلقة.. ألم يختلف قادة الدول الـ ٢٧ ، في ٢٦ مارس الماضي ولم يتوصلوا إلى اتفاق لإعطاء رد قوي على العواقب الاقتصادية للوباء، بل كانت الخلافات والاختلافات أكبر من الحد المعقول..

ظهر الاختلاف الكبير بين دول الجنوب مثل إيطاليا وإسبانيا المدعومتين من فرنسا، واللتين طالبتا بإصدار سندات دين مشتركة لتعبئة الموارد لصالح جميع الدول الأعضاء، ودول الشمال بقيادة ألمانيا وهولندا الرافضة لهذا الاقتراح.. ألم ينفض الاجتماع، الذي عقد عبر دائرة الفيديو المغلقة، دون التوصل لاتفاق سوى إعلان ينص على عقد لقاء جديد خلال أسبوعين.

أوروبا الموحدة تقف على حافة الهاوية، وستجد نفسها أمام مأزق حاد ستضطر إلى إجراءات سريعة، إما نحو مزيد من الوحدة، أو السير في خطوات التحلل والتمزق خصوصاً بعد تململ الدول الغنية جداً.

سيتوقف الأمر على دراسة المكاسب والخسائر من تجربة ٢٧ عاماً مضت، والتي استفاد منها أعضاء الاتحاد.. فضلاً عن تمسك الدول الكبيرة اقتصادياً بالاتحاد، وفي المقدمة ألمانيا.

وستكون الخطوات التي يتخذها الاتحاد لمساعدة الدول والاقتصادات المتضررة فاصلة في شكل الاتحاد بعد هذه الأزمة، كما قال رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي في حديث لصحيفة "دي تسايت" : "إن كنا فعلا اتحادًا فقد آن الآوان لإثبات ذلك".

أخيراً يبقى دور القوى المنافسة لأوروبا، والتي تضررت من سوقها الموحدة، وفي المقدمة أمريكا التي اتخذت خطوات كثيرة تجاه المنتجات الأوربية، وكذلك اليابان، ثم الصين وروسيا.

مقالات اخري للكاتب

الإغلاق التام والموت الزؤام

يقولون إن الإغلاق التام هو الحل أمام اجتياح فيروس كورونا للعالم، ومع ذلك جاءت معلومات صادمة من جامعة هارفارد، حيث خلصت دراسة علمية لأربعة باحثين إلى أن "إغلاق المجتمع أسوأ ما يمكن فعله".

الشبكة التي تحكم العالم..

ليس أخطر على الإنسان من جهازه العصبي، ولا يمكن أن ينتصر المرء في معاركه الحياتية إلاّ إذا انتصر على جهازه العصبي أولًا، وها هو الخوف يحكم الكون كله، العالم

انتهاء عصر "العولمة"

دشن الرئيس الأمريكي - من حيث يدري أو لا يدري - لعصر جديد بتسمية الوباء العالمي باسم "وباء الصين"، تسمية مرت وكأنها مجرد مكايدة سياسية، لكنها تسمية كاشفة

وقت الشائعات.. (٣ - ٣)

وقت الشائعات.. (٣ - ٣)

وقت الشائعات (١ – ٣)

حين تشتد الأزمات في مجتمع ما يبحث الناس عن المعلومات، مثلما يبحثون عن السلع، وفي سبيل سعيهم للوصول إلى الحقيقة قد يقعون ضحايا للمعلومات المغلوطة والمضللة، والسلع الفاسدة والمضرة.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]