«المسئولية المجتمعية».. فريضة واجبة!

6-4-2020 | 13:58

خطوط إنتاج الكمامات الطبية المعقمة

 

تحقيق - نيرمين قطب

مشاركة في تجميل الحي أو طلاء مدرسة.. تقديم دورات تدريبية للشباب .. وربما عمل تطوعى أو تبرعات عينية أو مادية تقدم بشكل مباشر.. كان هذا باختصار تصور البعض حول مفهوم المسئولية المجتمعية بينما تنظر بعض الشركات لهذا الدور من منظور آخر بل وأفردت له جزءا من ميزانيتها وخصصت له إدارات في هيكلها الإداري ومساحات من خططها المستقبلية..ومع ظهور أزمة انتشار فيروس كورونا بدأت الشركات الخاصة على مستوى العالم في إطلاق مبادراتها لخدمة المجتمعات المحيطة بها ومساندة الدول التي تقع فيها …فبعض الشركات العالمية حولت نشاطها تماما بما يخدم محاولات تخطي الأزمة حيث أعلنت إحدى شركات الأثاث السويدية الشهيرة البدء في تصنيع أدوات وقاية من كورونا ، مثل القمصان الواقية من الفيروس والكمامات لمصلحة المستشفيات التي تواجه انتشاره.


فيما قامت واحدة من شركات الأزياء الفرنسية الشهيرة بتحويل نشاطها بشكل مؤقت إلى صناعة أدوات الوقاية الطبية لمساعدة بلادها فى التصدى لتفشى الفيروس ولم تتوقف التبرعات على الاحتياجات الطبية ولكن أيضا لدعم البحث العلمى الذى يسعى لاكتشاف علاج للفيروس حيث تبرع مؤسس أحد المواقع الصينية الشهيرة بنحو 5 ملايين دولار لمصلحة منظمتين حكوميتين بحثيتين فى الصين.

وفى مصر لما يختلف الوضع كثيرا عن العالم حيث سعت العديد من الشركات لتنفيذ مسئوليتها نحو المجتمع حيث أعلنت إحدى الشركات عن التبرع بخمسة ملايين جنيه لدعم الأسر المتضررة مادياً من أزمة فيروس كورونا وأطلقت مجموعة اخرى مبادرات عدة على وسائل التواصل الاجتماعى لتقديم الدعم الغذائى لنحو 500 ألف من العمالة اليومية ، كما تبرعت احدى الشركات العالمية العاملة فى مصر بعدد كبير من مستلزمات الوقاية من أقنعة ومطهرات فى محافظة السويس حيث يوجد مقر الشركة.

كما أعلن اتحاد بنوك مصر إطلاق مبادرة للإسهام فى دعم المتضررين من الوباء قد تصل فى مجملها لنحو 140 مليون جنيه على مدى ثلاثة أشهر هذه النماذج وغيرها الكثير دفعتنا للتساؤل عن أهمية المسئولية المجتمعية للشركات خاصة فى الوقت الراهن وكانت البداية مع الدكتور محمود محيى الدين الخبير الاقتصادى نائب رئيس البنك الدولى سابقا ، والمبعوث الخاص بالأمم المتحدة لأجندة التمويل 2030، وفى اتصال هاتفى من واشنطن بادرنا قائلا يجب ان نعرف أن دور الشركات وواجبها نحو المجتمع فى الأحوال الطبيعية يعنى أن تتخصص فى مجال معين بهدف تحقيق ربح ويكون للشركة حقوق وعليها التزامات ناحية من يقرضها إذا كانت تقترض من بنوك، وناحية العاملين الذين لهم أجور مستحقة لديها، وتدفع الضرائب والجمارك، إذ إن وجود الشركة كنشاط اقتصادى هو فى حد ذاته نوع من القيام بالمسئولية المجتمعية.

ثم تطور هذا المفهوم وشمل أربع مراحل أولاها: هو أن تتطوع الشركة بتقديم خدمات أو تبرعات إضافية ناحية المجتمع، والنوع الثانى هو أن تكون الشركة مطالبة بالوفاء ببعض الالتزامات الاضافية خاصة إذا كانت الشركة مملوكة للدولة، ثم جاء المفهوم الثالث للمسئولية المجتمعية الذى صاحب تحقيق الأهداف الألفية للتنمية فلم تعد الشركات هادفة فقط للربح ولكن عليها مسئولية مجتمعية متبلورة فى أربعة مجالات، واحدة منهم أن تراعى حقوق البيئة، وتراعى حقوق العاملين، وتراعى حقوق المجتمع المحلى المحيط بها وتقدم له بعض الخدمات فعلى سبيل المثال إذا كانت موجودة فى حي، فعليها المساهمة فى أعمال تطوعية به أو تجميل هذا المكان أو أى خدمات إضافية للمجتمع، واخيرا ان تمتنع الشركة عن الدخول فى أى نوع من أنواع الأنشطة المشبوهة أو أى نوع من أنواع الفساد وهكذا أصبحت تلك هى المفاهيم المستقرة نحو مصطلح المسئولية المجتمعية اعتبارا من عام 2000 .

ثم جاء بعد ذلك مفهوم آخر وهو أن الشركة بالاضافة لكل ماسبق هى مسئولة عما يعرف بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بمعنى أن نشاط الشركة يكون محققا لأبعاد اضافية منها الاهتمام بتغيرات المناخ والتصدى لها، ومنها الأمور الخاصة بالحوكمة سواء حوكمة الشركة أو علاقتها بمؤسسات المجتمع وأيضا تحقيق الأبعاد الاجتماعية.

واضاف: » كل ما سبق فى الأحوال العادية أما فى وقت الأزمات فربما يمكننا وصفها بالفرصة التاريخية للشركات خاصة أن هناك انطباعات سلبية عن ممارسة شركات كثيرة جدا فى الاسواق وانا لا أتحدث فقط عن مصر فأنا الآن فى واشنطن وهناك انطباعات سلبية حتى فى هذه الدولة المشهورة بأنها رأسمالية بسبب سوء الممارسات وبعض الأفعال من شركات.وهذه فرصة ذهبية لكل تستعيد تلك الشركات تقديرها.

ايضا تستطيع الشركات أن تفعل كل قنوات المسئولية الاجتماعية بمساندة البيئة المحيطة أو المجتمع المحلى وهذا بالتبرع لمساندة الجهود القائمة سواء من أجل الرعاية الصحية -وهناك صناديق حول العالم تنشأ من اجل هذا الموضوع لمكافحة الكورونا- أو تتبرع فى مجالات نشاطها أو فى غيرها بأن تنتج مثلا كمامات أو اقنعة او الملابس الطبية اللازمة للأطقم أو التبرع لاجهزة كشف أو أسرة للمستشفيات واضاف:« اكرر انه وقبل القيام بالمسئولية المجتمعية وعلى طريقة الفرض والنافلة لا تقبل النافلة قبل أداء الفرض، والفرض هنا هو التزام الشركة بتقديم منتج متميز والالتزام بحقوق الدولة إذا كانت ضرائب أو جمارك أو رسوما وغيره لأنك بهذا الالتزام ترفع عن نفسك وعن البلد ما لا يمكن تعويضه ببعض التبرعات النثرية هنا أو هناك، فمهما دفعت من تبرعات لن تغنى عن المستحقات التى فُرضت من أجلها الضرائب والجمارك .

وأضاف محيى الدين :« أرى أن أفضل أنواع الدعم والمساندة هو ما كان نقدا فى هذه الظروف أى أن توفر الشركات تبرعاتها فى شكل النقد والتمويل للحكومة، وهى تنفق فيما تراه مناسبا، واخيرا من المهم أن ندرك أن النشاط الاقتصادى مهم فى أى مجتمع وأهميته تكمن فى مساندة المجتمع وتطويره وتحسين مستويات معيشة أفراده و مكافحة الفقر فيه والارتقاء بمستوى التعليم ورعايتهم الصحية وهذا النشاط ليس موجودا ليعرض حياة الناس للخطر إذا لا يوجد مجال على الاطلاق فى ان اضع الناس فى مخاطر لإرجاع النشاط الاقتصادى فالأولوية الأولى هى حياة الناس وصحتهم وأتذكر موقف رئيس غانا عندما قال:«نعلم تماما كبشر كيف نستعيد الاقتصاد والمال بعد فترة توقف أو ركود ولكن لا نعرف حقيقة كيف نرجع بالناس إلى الحياة مرة اخرى»

تغير المسار
كثيرا من الشركات تضع بالفعل استراتيجيتها الخاصة بالمسئولية المجتمعية فى مجالات مثل التدريب والتعليم الفنى وتمكين المرأة وغيرها« هكذا بدأت الدكتورة »نهى بكر«، عضو الهيئة الاستشارية بالمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية وأوضحت أن العديد من هذه الشركات اسرعت فى تغيير مسار تلك الاستراتيجية بمجرد ظهور بوادر أزمة كورونا لتساعد وتسهم مع الدولة فى مواجهة الفيروس.

فقرر عدد من تلك الشركات تخصيص جزء من مواردها لدعم الدولة بشكل مباشر أو المجتمع المحيط بها أو المنطقة التى تتواجد فيها تلك الشركات وذلك بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدنى الذى يستطيع أن يصل لأماكن وأشخاص أكثر احتياجا لانه »يعمل على الأرض« فيسهل له الوصول لهم أكثر من هذه الشركات. وتشير عضو الهيئة الاستشارية بالمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية إلى أن التفاعل الكبير من الشركات المحلية والعالمية العاملة فى مصر والمشاركات والمساهمات والمبادرات المجتمعية التى تنطلق كل يوم منذ بداية الأزمة تأتى كنتيجة لثقة تلك الشركات فى طريقة التعامل التى تبنتها الدولة مع الأزمة وكيفية إدارتها لها مما شجعها على ان تقوم بدورها ايضا فى مساندة المجتمع وتضيف:« لعل أهم دور يجب أن تقوم به الشركات هو مراعاة الصحة والسلامة للعاملين بها ومن الطبيعى أن تتكاتف الشركات للقيام بدورها فى الوقت الراهن ليس فقط لكونه واجبا من ناحية المبادئ الإنسانية ولكن لأن هذه »المسئولية المجتمعية« هى ما سوف يساعدها على البقاء والاستمرار والتغلب على الوضع الراهن».

وأشارت الدكتور نهى بكر إلى أن كثيرا من الشركات فى مرحلة خسارة لأن الاقتصاد متأثر جدا وهناك قطاعات فى حالة انهيار مثل السياحة وقطاع الإنشاءات لعدم وجود طلب عليها وإغلاق العديد من المواقع وأكدت ضرورة وجود دور تنسيقى للدولة فى هذه المرحلة فيما يتعلق بالمسؤولية المجتمعية فبعض الشركات ترغب فى تنفيذ دورها داخل محيط تواجدها والبعض يرغب فى تقديم تبرعات مادية وخلافه لذا لابد من وجود دور توجيهى من الدولة ومساحة لتلك الشركات أن تختار النشاط المناسب لها.

وأخيرا تشير الدكتورة نهى بكر إلى ضرورة تبنى الشركات لدور توعوى وتوجيهى للعاملين داخل الشركات بكيفية الحفاظ على الصحة العامة وحماية أنفسهم وبدورهم يقومون بتوعية محيطهم خارج الشركة وتضيف:« لابد أن يعى الجميع أننا نمر بأزمة غير مسبوقة وليس لدينا »كتالوج« للحل أو المواجهة ولكن من غير المنطقى أن تعمل الدولة بكل قوتها لاحتواء الأزمة ونجد عدم التزام من الأفراد لذا من واجب الشركات توعية موظفيها بهذا الدور».

من ناحية أخرى أطلقت العديد من الشركات المحلية والعالمية مبادرات عديدة فى الأسابيع الماضية انطلاقا من دورها ومسؤوليتها نحو المجتمع.

وتوضح نيرمين سيف اليزل مدير عام إحدى شركات التواصل الإعلامى والعلاقات الحكومية أن مفهوم المسئولية المجتمعية والذى بدأت ملامحه تظهر بوضوح فى المجتمع المصرى بعد عام 2011 لم يقتصر على فكرة تقديم الإعانات المادية أو توفير السلع الغذائية للفئات الأكثر احتياجا ولكنه توسع ليشمل مبادئ التدريب المستمر والنهوض بمستوى التعليم وإصقال المهارات واعداد كوادر ذات كفاءة عالية داخل المجتمع مما يسهم فى خفض معدلات البطالة واعانة الأفراد على اعالة انفسهم واسرهم وتقول:«هنا ظهر دور شركات العلاقات العامة والحكومية التى أصبحت همزة الوصل بين الكيانات الاقتصادية والحكومة والمجتمع المدنى وفقا لأهداف كل شركة يتم تحديد نوع المسئولية المجتمعية الأنسب لها وذلك من خلال دراسة المجتمع المحيط بها واحتياجاته»، فعلى سبيل المثال تهتم بعض الشركات بمفهوم تمكين المرأة والبعض الآخر الذى يعمل مثلا فى مجال التغذية طبق بالفعل العديد من برامج التوعية الخاصة بالتغذية السليمة لأطفال المدارس وذلك بالتعاون مع وزارة التربية و التعليم وبرامج أخرى خاصة بصحة المرأة الحامل وتغذيتها فى صعيد مصر. بينما فضلت احدى شركات المنتجات الزراعية أن تؤدى مسئوليتها المجتمعية فى إطار تدريب وتعليم الفلاحين عدم إهدار المحصول وتدريبهم على أساليب جديدة تزيد من انتاجهم وتضيف:« دورنا أن نشجع الشركات سواء محلية أو عالمية على المشاركة فى تنمية المجتمع وتلك الشركات بالفعل لديها الوعى الكامل بأهمية دورها فى تنمية المجتمع والذى سوف يعود عليها بعد ذلك بالعديد من الإيجابيات المعنوية ونثمن دور الحكومة التى تقدم الدعم الكامل فى هذا المجال وتذلل الكثير من العقبات وبشكل عام فإن المسئولية المجتمعية هى تكامل بين القطاع الخاص والحكومة والمجتمع المدنى ولا يمكن لأى منهم أن يقوم بكافة الأدوار بمفرده».

رؤية مصر 2030
أما الدكتور عمرو سكر استشارى ومحاضر إدارة الأعمال فيرى أن مصر لديها فى الفترة الحالية ميزة كبيرة عن العديد من الدول وبخاصة فى مجال المسئولية المجتمعية للشركات وهى تطبيق رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة والتى تضمن فى طياتها مسئولية الكيانات الاقتصادية نحو المجتمع والبيئة والأفراد.

ويوضح قائلا:« معظم الناس تعتقد أن التنمية المستدامة تعنى استمرار التنمية ولكنها فى الحقيقة تعنى استمرار الموارد للأجيال القادمة، والحقيقة أن اتجاه الدولة المصرية قبل بدء الأزمة بسنوات لوضع اجندة مصر 2030 حقق لها خطوة مبكرة فى مجال دعم المجتمع من خلال شركات القطاع الخاص التى كانت تنفق بالفعل فى مجالات خاصة بدعم الأسر الأكثر احتياجا وخفض معدلات البطالة والأشخاص بلا مأوى وايضا تطوير العشوائيات ».

ويرى سكر أن استمرار تلك الأنشطة الآن يسهم فى القضاء على فيروس كورونا ، مشيراً إلى أنه من المتوقع أن نشهد ازمة اقتصادية بعد انتهاء الفترة الحالية ولذا على الشركات أن تسعى من الآن للحفاظ على العمالة لديها من خلال التدريب عن بعد والتدريب على العمل من المنزل حتى تستمر انتاجيتهم وهذا بالطبع لا ينطبق على كافة الوظائف.

البديل مر
«فرض وواجب» بهذه الكلمات وصف محرم هلال نائب رئيس اتحاد المستثمرين المسئولية المجتمعية للشركات واصفا الموقف الحالى بأنه صعب جدا ومشكلة عالمية لم تشهدها كافة الدول منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية وقال : مسئولية الشركات ورجال الأعمال وحتى اى شخص مقتدر نحو مجتمعه فى وقت الأزمات هى واجب وليست مجاملة لأن البديل سيكون »مر« وعندما نجد الدولة تدير هذه الحالة الاستثنائية بشكل محترف يبعث لنا جميعا برسالة اطمئنان فلابد أن نتكاتف جميعا بأى صورة من صور التضامن مع المجتمع وهو ما سوف يترجمه اتحاد المستثمرين خلال أيام.

* نقلًا عن جريدة الأهرام

[x]