تتعاظم فيها المغفرة والعتق من النار.. النصف من شعبان "ليلة الدعاء"

3-4-2020 | 20:54

الكعبة المشرفة

 

تحقيق ــ خالد أحمد المطعنى

يعد شهر شعبان من الأزمان التى كان يكثر فيها النبى -صلّى الله عليه وسلّم- من العبادات والقربات، حيث روى البخارى فى صحيحه عن أم المؤمنين عائشة -رضى الله عنها- أنّها قالت: «لم يكنِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يصومُ شهراً أكثرَ من شَعبانَ، فإنه كان يصومُ شعبانَ كلَّه»، فكان النبى -عليه الصلاة والسلام- حريصا على الطاعة والعبادة رغم مغفرة الله له ما تقدّم وما تأخّر من ذنبه، فقد سأل أسامة بن زيد -رضى الله عنه- الرسول عن كثرة صيامه فى شهر شعبان، فأجاب الرسول -عليه الصلاة والسلام- قائلاً: «ذاكَ شهرٌ يغفلُ الناسُ عنهُ بينَ رجبَ ورمضانَ وهو شهرٌ ُترفعُ فيهِ الأعمالُ إلى ربِّ العالمينَ فأُحِبُّ أن يُرفعَ عملى وأنا صائمٌ»، وفى شهر شعبان ليلة مباركة وهى ليلة النصف، حدث فيها تحول القبلة - على أرجح الأقوال- من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، كما أنها ليلة فيها الدعاء مستجاب.


وطالب علماء الدين، المسلمين بالإكثار من العبادات والدعاء والتقرب والتضرع إلى الله، خاصة فى هذه الأيام واللجوء إليه بأن يرفع الغمة عن الأمة، ويرفع البلاء والوباء وجميع الفيروسات والأمراض فى هذا الشهر المبارك، وأن يجبر بخاطر الأمة، كما جبر بخاطر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذا الشهر بتحويل القبلة.

وحول ما ورد فى هذه الليلة من أحاديث، يوضح الدكتور أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء، أن من الأحاديث الصحيحة الثابتة فى فضل هذه الليلة، ما جاء عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يطلع الله على عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن»، وهذا الحديث رواه الطبرانى فى المعجم الكبير وفى الأوسط، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد:(ورجاله ثقات)، وعن عائشة رضى الله عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب»، رواه أحمد والترمذى وابن ماجة، ومعنى النزول هو نزول أمره ورحمته، فالله منزه عن الجسمية والحلول، فالمعنى على ما ذكره أهل الحق، نور رحمته، ومزيد لطفه على العباد وإجابة دعوتهم وقبول معذرتهم، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم قبيلة بنى كلب، وخص شعر غنم كلب لأنه لم يكن فى العرب أكثر غنما منهم، وقال ابن تيمية: ليلة النصف من شعبان روى فى فضلها من الأخبار والآثار ما يقتضى أنها مفضلة، وعن على كرم الله وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر»، رواه عبد الرزاق فى المصنف وابن ماجة والبيهقى فى شعب الإيمان، و جاء عن السيدة عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه ليلة النصف من شعبان : إن الله عز وجل يطلع على عباده فى ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين، ويرحم المسترحمين ويؤخر أهل الحقد كما هم»، رواه الدارقطنى والبيهقي.

الدعاء فيها

وحول فضل الدعاء فى هذه الليلة، يؤكد د. أحمد عمر هاشم أنه ورد عن السيدة عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتانى جبريل ـ عليه السلام ـ فقال: هذه الليلة ليلة النصف من شعبان ، ولله فيها عتقاء من النار بعدد شعور غنم بنى كلب، لا ينظر الله فيها إلى مشرك ولا إلى مشاحن، ولا إلى قاطع رحم ولا إلى مسبل، ولا إلى عاق لوالديه، ولا إلى مدمن خمر. قالت: فسجد ليلا طويلا وسمعته يقول فى سجوده: أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، جل وجهك، لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك قالت: فلما أصبح ذكرتهن له، فقال: يا عائشة تعلمتهن؟ فقلت: نعم فقال: تعلميهن وعلميهن، فإن جبريل عليه السلام علمنيهن وأمرنى أن أرددهن فى السجود»، رواه البيهقى فى شعب الإيمان.

وعن أهم الأحداث التى رويت فى هذه الليلة، أوضح د. أحمد عمر هاشم أن الإمام النووى فى «الروضة»، رجح أن تحويل القبلة كان فى ليلة النصف من شعبان ، وجاء تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام استجابة لرغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه فى السماء، فأنزل الله عليه قوله تعالى «قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره».

دروس وعبر

من جانبه، يوضح الدكتور عبدالرحمن عباس الأستاذ المساعد بقسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بأسيوط، أن من أهم الدروس المستفادة والعبر من تحويل القبلة، ضرورة التمسك ببيت المقدس، لأنه قبلة المسلمين الأولى ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وأيضا تأكيد وسطية الأمة وشهادتها على جميع الأمم، قال تعالي: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا»، وكفى بها رسالة للأمة لتكون وسطاً فى كل شيء، والوسطية هنا تعنى الأفضلية والخيرية والرفعة؛ فالأمة وسط فى كل شيء، وسطية شاملة .. فهى وسط فى الاعتقاد والتصور، وسط فى العلاقات والارتباطات، وسط فى أنظمتها ونظمها وتشريعاتها، وحرى بالمسلمين أن يعودوا إلى وسطيتهم التى شرفهم الله بها من أول يوم، وكذلك من الدروس المهمة فى تحويل القبلة التسليم والانقياد المطلق لأحكام الله وأوامر رسوله، فالمسلم عبد لله تعالي، يسلم بأحكامه وينقاد لأوامره بكل حب ورضا، والصحابة الكرام ـ رضى الله عنهم ـ فى أمر تحويل القبلة، أمرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتوجه فى صلاتهم ناحية المسجد الأقصى فتوجهوا وانقادوا، ولما أُمِروا بالتوجه ناحية المسجد الحرام سارعوا وامتثلوا، بل إن بعضهم لما علم بتحويل القبلة وهم فى صلاتهم، تحولوا وتوجهوا وهم ركوع إلى القبلة الجديدة، ولم ينتظروا حتى يكملوا صلاتهم.

وأشار إلى أن المسلمين يتعلمون من وحدة القبلة، وحدة الأمة فى الهدف والغاية، وأن الوحدة والاتحاد ضرورة فى كل شئون حياتهم الدينية والدنيوية، مطالبا بضرورة تحويل حالنا مع الله، من خلال تحويل حالنا من العقائد المنحرفة والخرافات الضالة والشعارات الخادعة إلى العقيدة السليمة المستقيمة، وتحويل حالنا من ارتكاب المعاصى والزنا والمسكرات والمخدرات والجرائم والفجور إلى العبادة والطاعة والعمل ليوم النشور.

رفع الأعمال

وفى سياق متصل، يؤكد الشيخ أسامة قابيل من شباب علماء الأزهر، أن تخصيص الرسول شهر شعبان فى الصيام مقرونٌ برفع الأعمال إلى الله، كما جاء فى الحديث، أى أنّ الأعمال ترفع إلى الله فى شهر شعبان، بينما تُعرض كلّ اثنين وخميس من أيام الأسبوع، وتجدر الإشارة إلى أنّ رفع الأعمال إلى الله يكون على ثلاثة أنواعٍ؛ فيرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، كما ترفع إليه الأعمال يومى الاثنين والخميس، وترفع أيضا فى شهر شعبان بالخصوص، وممّا يدلّ على ذلك ما رواه أبو هريرة -رضى الله عنه- أنّ النبى -عليه الصلاة والسلام- قال: (يتعاقبون فيكم: ملائكةٌ بالليلِ وملائكةٌ بالنَّهارِ، ويجتمِعون فى صلاةِ العصرِ وصلاةِ الفجرِ)، ولأجل رفع الأعمال إلى الله فى شهر شعبان أحبّ النبى أن يكون ذلك وهو صائم، فذلك أدعى لقبول الأعمال من الله تعالي، كما أنّه أحبّ إلى الله عزّ وجلّ. وأشار إلى أنّ لليلة النصف من شعبان مكانة خاصة، حيث يطلع الله على عباده فى هذه الليلة المباركة، كما جاء فى الحديث، فالله تعالى لا يطلّع على المشرك، وعلى من كانت بينه وبين غيره شحناء وبغضاء، فالشرك من أعظم وأقبح الذنوب والمعاصي، كما أنّ الشحناء والبغضاء التى قد يستهين بها البعض من أسباب عدم اطلاع الله على العباد، إضافةً إلى أنّها من أسباب عدم قبول الصلاة والأعمال، فلا بدّ من الإخلاص والسلامة من الحقد والحسد والغش لقبول الأعمال، مطالبا بأن نجتهد ونكثر من العبادة والتقرب إلى الله تعالي، حتى يرفع الله الغمة عن الأمة عاجلا، ويبلغنا جميعا رمضان على خير.

مباح شرعا

من جانبه، يؤكد الدكتور خالد عمران أمين الفتوى بدار الإفتاء، أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان ، وإحياء ليلها وقيامه وصيام نهارها، مباح شرعًا؛ لما فيه من خير كثير، وليس بدعة كما يدعى بعض المتشددين، مشيرا إلى أن مشروعية إحياء تلك اليلة ثابتة عن كثير من السلف، وهو قول جمهور الفقهاء، وعليه عمل المسلمين سلفًا وخلفًا؛ قال الإمام الشافعى رضى الله عنه فى «الأم» وبلغنا أنه كان يقال: إن الدعاء يستجاب فى خمس ليالٍ:... [وذكر منها] ليلة النصف من شعبان ، موضحا أن الأمر بإحياء تلك الليلة المباركة ورد مطلقًا، والأمر المطلق يقتضى عموم الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال؛ فإذا كان الأمر الشرعى محتملًا لأوجهٍ متعددةٍ فإنه يكون مشروعًا فيها جميعًا، ولا يصح تقييده بوجهٍ دون وجهٍ إلا بدليل، وإلا كان ذلك تضييقًا لما وسَّعه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]