آراء

القوة الناعمة والقوة الخشنة بعد كورونا

2-4-2020 | 17:38
حاولت البحث عن فكرة مناسبة لهذا الأسبوع بعيدا عن كورونا فلم أجد. كلما لاحت في الأفق فكرة وجدتها تصب في هذه الجائحة من قريب أو بعيد. أصبحت حياتنا تبدأ بالاطلاع على أخبار الوباء وعدد المصابين والوفيات والدول التي زاد العدد فيها أو انخفض، وهل وجدوا علاجا أم ما زالت المختبرات عاجزة؟ ويعيد معظمنا هذه اللعبة قبل النوم، فهناك نحو 17 ساعة فاصلة قد تتغير فيها الأمور إلى الأفضل أو الأسوأ، ومن الصعوبة تجاهل التطورات المتلاحقة في نشرات الأخبار.

شغلنا كورونا لأنه لامس عصب الحياة وتفاصيلها. فلا تستطيع الخروج من المنزل إلا وفي ذهنك نصائح الأطباء والأسرة، حول كيف تتجنب العدوى وما هي المسافة اللازمة للتحية أو الاقتراب من شخص آخر؟ لن يتمكن أحدنا من البيع والشراء والأكل والشرب والعمل والتنفس إلا ويصاحبه التفكير في الفيروس وتداعياته المخيفة. حتى المستقبل الذي خطط كثيرون له منذ فترة لن يكون ذاته الذي توقعوه من قبل.

أحدثت المفاجأة تحولات مذهلة في معيشتنا حاليا ولاحقا. لذلك لا مفر من كورونا في الكتابة والقراءة والاستماع والمشاهدة، ولو حاولنا إمعان النظر في شيء غيره ستعيدنا السيناريوهات العلمية والتحليلات المتوقعة إلى هذا الكابوس، والكل مشغول بمرحلة ما بعد كورونا.

اتسع نطاق التفكير وتداولت مراكز الأبحاث العديد من الاحتمالات التي تحدد مصير العالم، مع أنه من المبكر القطع بأي منها سيكون طاغيا، فالأزمة لم تلق بعد بكل روافدها وحممها. وهناك أجزاء سياسية واقتصادية وعلمية غاطسة. لكن عددا كبيرا من الرؤى والاجتهادات توقفت عند الجوانب الإنسانية بكل ما تنطوي عليه من قيم نبيلة، كانت غائبة تقريبا في التفاعلات بين الدول لحساب مثيلتها المادية، ويحملها كثيرون نتائج الأنانية التي أفضى إليها كورونا، من فقر وعجز وخسائر كبيرة في الأرواح، ما وضع هذه الزاوية في مكانة متقدمة تحتل جانبا مهما في النقاش خلال المرحلة المقبلة، ومدى القدرة على تحويلها من الافتراضات إلى واقع ملموس.

تزايد الحديث عن أهمية القوة الناعمة منذ عقود طويلة، وانصب على دورها المكمل للقوة المادية أو بمعنى أدق التابع لها. وظفت دول كثيرة الوسيلتين معا وظلت الخشونة رمزا للقوة الحقيقية. لم يتمكن من يملك إحدى الأداتين من التأثير أو الوصول إلى أهدافه من أقصر أو أبعد نقطة ممكنة، وبات التعامل معهما متلازما لدى القوى الكبرى، مع اختلاف في حجم الرهانات. لم تستطع الولايات المتحدة أن تصبح قوة عظمى دون امتلاك الأداتين. ولم تصل الصين إلى هذه المرتبة إلا بعد تعزيز قوتها الخشنة بالتوازي مع نظيرتها الناعمة.
هنا مربط الفرس، كما يقولون، بدأت هذه النظرية تلحق بها تغيرات، ربما لم تتبلور صورتها النهائية، لكن بعد كورونا يمكن أن تتكشف الكثير من الخيوط التي تفرض تقدم القوة الناعمة على الخشنة. فما يسمى دبلوماسية الصحة والعلم والإعلام والثقافة وما إلى ذلك من مفردات معنوية سوف تحتل حيزا في التفاعلات الدولية.

خذ محنة إيطاليا دليلا على تغير ملحوظ في موقفها من دول الاتحاد الأوروبي لصالح الصين وروسيا وكوبا، لأن الأولى لم تقدم الدعم اللازم لها، بينما هرع الفريق الثاني لنجدتها، ولم يبخل أعضاؤه عليها بدعم أو نصيحة طبية. الأمر الذي وجد تجاوبا من جهات متعددة، حتى دفعت المآسي التي ارتسمت على وجوه المواطنين في دول غربية مختلفة الكثير من العلماء والمفكرين ورجال الأعمال إلى الدفع باتجاه تصعيد دور أنسنة العلاقات السياسية.

بدأت هذه العبارة تتردد في عديد من النقاشات على مستوى النخب في دول كثيرة. البعض اعتبر تغليب المعايير الإنسانية المدخل الصحيح لتحديد صواب أو خطأ منظومة القيم التي تنتهجها الدول، وظهرت مطالبات بتعظيم الاهتمام بملف اللاجئين والنازحين والمشردين، ومحاربة الفقر والجوع والمرض، باعتبارها قنابل موقوتة تتعدى تأثيراتها الحدود الجغرافية المحلية. وأثبت فيروس كورونا أن البقاء للأقوى صحيا وعلميا وإنسانيا، ثم عسكريا، وكل من يملكون المكونات الدالة على القوة المعنوية.

لم تتمكن أدوات الحرب من هزيمة كورونا ومنع وصوله إلى الأراضي الأمريكية، وفشلت المعدات العسكرية المتطورة في إنقاذ الدول الحليفة من انتشار المرض بين مواطنيها. فقد منحت واشنطن في العقود الأخيرة الأولوية المطلقة لآلتها التكنولوجية الجبارة والتدخلات والغزوات والحروب وعمليات مكافحة الإرهاب التي جابت العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.

وكلها أخفقت في الحفاظ على هيبة الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العالم. بينما طورت بكين آلتها الحربية وكل وسائل الخشونة العسكرية، كصناعة واستثمار وعنصر ردع، ولم تستخدمها في مجابهة أنظمة أو العدوان على دول وإذلالها، بل حولتها إلى قوة رمزية تعمل جنبا إلى جنب مع قوتها المعنوية، وترسم الخطط وتحدد المعالم وتنتقي الدول المستهدفة.

كشفت أزمة كورونا عن صعود لافت في هذه المعادلة، ومتوقع أن تتزايد الاستعانة بأدوات القوة الناعمة وتتحول إلى القاطرة التي تجر معها المجالات الأخرى، وليس العكس. فما حققته بكين من وراء الجائحة مكن كثيرين من تفسير وفهم أسرار العطاء السخي الذي قدمته في الثقافة والفنون والفكر والإعلام في الآونة الأخيرة، ولم تهمل صناعاتها الثقيلة المتطورة في حالتي الحرب والسلام. الفرق بين واشنطن وبكين أن الأولى أقامت توازناتها بطريقة عكسية وقدمت الخشونة على الليونة، ما جعل الثانية تتمدد وتتوسع وتتغلغل في عقل ووجدان الكثير من دول العالم، بما فيها الدول التي تدور في الفلك السياسي الأمريكي.

يمثل النموذج الصيني الصاعد أحد ملامح التغير في النظام الدولي، والتعرف على معالم القوة الناجحة والحقيقية، ويؤكد أن الاعتماد على البطش وكفى سيكون محفوفا بالمخاطر، والدول التي شرعت في تطبيق هذا المفهوم وأغدقت على تعميمه ضمن أدوات تنفيذ سياستها الخارجية لن تجني المكاسب التي توقعتها، وعليها مراجعة حساباتها التي اعتمدت على انتشار الجيوش النظامية والاعتماد على المرتزفة وتوظيف القوى الإرهابية. وقد يأتي اليوم الذي تصبح فيه القوة المعنوية الشاملة هي البوصلة التي تحدد الأوزان النسبية للقوى الإقليمية والدولية.

مصر لم تغب عن ليبيا

اعتبر البعض زيارة وفد مصري هذا الأسبوع لطرابلس لترتيب إعادة فتح السفارة في العاصمة الليبية، والقنصلية في مدينة بنغازي، خطوة لاستعادة دور مصر فى ليبيا،

مغالطات الشرق والغرب فى ليبيا

مغالطات الشرق والغرب فى ليبيا

القوة الناعمة والقوة الخشنة بعد كورونا

حاولت البحث عن فكرة مناسبة لهذا الأسبوع بعيدا عن كورونا فلم أجد. كلما لاحت في الأفق فكرة وجدتها تصب في هذه الجائحة من قريب أو بعيد. أصبحت حياتنا تبدأ بالاطلاع

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة