زينب عبد الرزاق تكتب: محنة الأوبئة.. والسينما المصرية

1-4-2020 | 16:19

ديوان الاهرام

 

زينب عبد الرزّاق

لسنوات طويلة كانت السينما ومازالت هي الأكثر تعبيرًا عن ثقافات الشعوب، تنقل حاضرهم وماضيهم وتحاكيه، ومصر أهم الدول العربية التي تتصدر المشهد السينمائي في الشرق الأوسط، فرصيدها يزخر بكم هائل من الأفلام السينمائية التي لم تتردد في طرق الأبواب المغلقة وطرح مواضيع تحدث جدلًا دائما..


ومن بين الأفلام النادرة في تاريخ السينما المصرية الفيلم الذي تعرض لوباء الكوليرا من خلال طبيب يواجه الجهل والمرض في إحدى القرى النائية. الفيلم مأخوذ عن قصة من تأليف بديع خيري وتحولت إلي مسرحية عرضها يوسف وهبي عام 1934، وهي المسرحية التي وصفها يوسف وهبي في مذكراته بأنها تنبأت بالوباء وانتشاره في مصر وهو ما حدث بالفعل سنة 1947 أي بعد عرض الفيلم لجمهور السينما بثلاثة عشر عاما. الفيلم بطولة يوسف وهبي وأمينة رزق ومحمود المليجي وحسين رياض، يدور حول إصرار الدكتور أشرف علي محاربة وباء الطاعون، وصراعه مع كل رموز الدجل والشعوذة في القرية «حلاق الصحة والعمدة والعطار»، وهكذا واجه الدكتور أشرف الكثير من المشكلات معهم، نظرا لأنهم يتكسبون من بيع الوهم «المتمثل في الشعوذة والدجل والخرافة»، من خلال بعض الوصفات، سواء من محل العطارة أو بواسطة أنواع من التركيبات، التي يدعي الدجالون أنها «مقاومة لمرض الكوليرا» وبالرغم من كل محاولات الدجل والنصب علي الفلاحين واستنزاف مواردهم القليلة، فإنه لم يتم القضاء علي الوباء، واستمر الفشل في مقاومته، وكان لفقدان الوعي لدي الفلاحين من جهة وتقصير أجهزة الدولة من جهة ثانية أن يكون الانتصار لفريق الدجالين والمشعوذين، وتكون الهزيمة من نصيب دكتور القرية «رمز العلم»، وبالرغم من تآمر قوي التخلف «بهدف تحقيق مصلحتهم الشخصية علي حساب الفلاحين» فإن بطل الفيلم «رمز العلم» لم يتراجع عن مواجهتهم إلي أن تحقق له النصر في النهاية بعد القضاء علي وباء الطاعون.

زينب عبدالرازق


وفي عام 1962 أخرج توفيق صالح أحد أهم الأفلام التي تناولت الوباء، وذلك من خلال فيلمه القوي والبديع «صراع الأبطال» الذي أنتجه عز الدين ذو الفقار وشارك في كتابة قصته مع السيناريست عبد الحي أديب عن قصة محمد أبو يوسف، وقام ببطولته شكري سرحان وسميرة أحمد وصلاح نظمي، هذا الفيلم الذي صنف علي أنه من أفضل مائة فيلم في السينما المصرية واحتل المركز رقم49. وتدور أحداثه حول الطبيب الشاب المتخرج حديثا «شكري سرحان»، الذي قرر أن يعيش في تلك القرية النائية في الريف، وهدفه ليس فقط أن يخفف عن الأهالي أمراضهم، وإنما أكثر من ذلك مساعدتهم علي درء الفقر والجوع، الذي يري أن الأقدار والتخلف مسئولان عنهما. بيد أن ما سيكتشفه بطل الفيلم بالتدريج، هو أن المسئولية عن هذين الأمرين، الفقر والجوع، ليست «قدرية»، بل مرتبطة بالإقطاعي «عادل بيه»، الذي يمتلك البلاد والعباد هناك، ويسيطر علي الناس دافعا إياهم في كل لحظة إلي العيش والتصرف بحسب مشيئته، أما من يحاول الخروج عن طاعته فإنه يختفي أو يرسل إلي مستشفي الأمراض العقلية..

فيلم صراع الأبطال


استوعب الطبيب الشاب هذه الحقيقة وبدأ يتصدي للإقطاعي، وفي الوقت نفسه مساعدة الأهالي في المطالبة بحقوقهم، مع بذل الجهد لعلاجهم من الوباء الذي انتشر في القرية، ونتيجة ذلك تطورت العلاقة بين الطبيب والأهالي، في شكل علاقة إنسانية فيها قدر كبير من الود المتبادل، مع استمرار الصراع بين الطبيب والإقطاعي، وكذلك بين الطبيب والداية «أم هلال»، التي اعتبرت الطبيب منافسا لها، وسوف يمنع عنها الأموال التي تحصل عليها من الفلاحين، الذين صدقوا تخاريفها وشعوذاتها بالهجوم علي الطبيب، خاصة بعد أن تأكدت من أنه اكتسب قلوب الفلاحين ويكاد يقطع رزقها.

وتعرض الفيلم لمحور آخر شديد الأهمية هو أن الجنود الإنجليز كانوا يلقون بقايا طعامهم للفلاحين، مما تتسبب في انتشار المرض بين أهل القرية، ليكتشف الطبيب ببعض الفحوصات التي أجراها أن المرض هو وباء الكوليرا، وحين طلب الطبيب من الأهالي أن يكفوا عن تناول الطعام الذي يرمي إليهم، رفض الفلاحون تنفيذ تعليماته، وقبل أن يتبين له بشكل قاطع أن المرض هو وباء الكوليرا، ولكي يقنعهم بوجهة نظره لجأ إلي استخراج جثة ميت لتشريحها ليتيقن أن الداء هو الكوليرا.

وهنا بدلا من أن يكون هذا الدليل القاطع لمصداقية الطبيب عاملا لتشجيع الأهالي علي تنفيذ إرشاداته للنجاة من هذا الوباء، كانت النتيجة العكس، حيث أصبح الطبيب عدو الفلاحين، لأنه استخرج جثة ميت، وأجرم في حق التقاليد وحق الدين.

ومن براعة القصة والإخراج أن هذه الحبكة تسير في الفيلم بالتوازي مع حبكة أخري محورها هذه المرة «المرأة» وحكاية حب وزواج بين شكري والمدرسة عفاف التي سبق للطبيب إنقاذها، وأعاد إليها الاعتبار بسبب شائعات مغرضة تناولتها، وبتدبير من الإقطاعي عادل بيه، وهنا يتمكن شكري من إنقاذ عفاف وسمعتها ويتزوجها، لتصبح شريكته في كفاحه، وفي خضم الصراع هذه المرة، بين شكري ومعتقدات أهالي القرية من جهة ودور عادل بيه اللا إنساني من جهة ثانية ودور «أم هلال» من جهة ثالثة فشلت جميع محاولات الطبيب لأنها من وجهة نظر خصومه تتعارض مع مصالحهم، وبالتالي تحريضهم ضد شكري وفي الوقت نفسه، يكاد شكري يستسلم لولا أن وزارة الداخلية أرسلت إليه قوة لحمايته، وكذلك لمحاصرة بيوت الأهالي لمنعهم من الخروج بمرضهم إلي خارج القرية... وبفضل هذا كله تمكن شكري من شفاء الأهالي، وبالتالي أثبت أنه كان علي حق، أما الوزارة فعينته مسئولا عن مكافحة الكوليرا، الأمر الذي جعله ينتقل إلي قرية أخري مع زوجته هذه المرة، للقيام بالمهمة ذاتها.

وبعد أربعة وعشرين عاما من إنتاج الفيلم الذي أخرجه توفيق صالح عام 1964 وتحديدا في عام 1986 قدم يوسف شاهين فيلم «اليوم السادس» من إنتاجه، بطولة داليدا ومحسن محيي الدين وشويكار وصلاح السعدني وحمدي أحمد، عن قصة للكاتبة “أندرية شديد”، ويحكي قصة حول انتشار مرض الكوليرا في أربعينيات القرن العشرين من خلال استعراض معاناة امرأة مصرية تدعي «صديقة» مع إصابة ابنها بالكوليرا، وقيامها بإخفائه لمدة 6 أيام، حتى لا يتم القبض عليه واحتجازه مع بقية المرضي الذين كان يتم عزلهم.. وفي ضوء ما تقدم فإن السينما المصرية أنتجت ثلاثة أفلام ناقشت وباء الكوليرا..وهناك أفلام أخري تناولت الأوبئة والأمراض منها: فيلم «الحب في طابا» الذي تناول وباء الإيدز وفيلم «طالع النخلة» الذي تناول مأساة البلهارسيا..

لا شك أن الأفلام التي تتناول الأمراض و الأوبئة ، تحتاج إلي منتجين جادين لديهم الوعي والثقافة والإيمان بالمسئولية الاجتماعية، ومخرجين متميزين أصحاب رؤية فنية ناضجة، وحتى الآن مازالت السينما التي تناقش قضايا الأوبئة غائبة في عالمنا العربي .. اليوم بعد وباء الكورونا الذي اجتاح العديد من الدول وأصاب الكثيرين بخلاف أعداد الوفيات ..فإن منظمة الصحة العالمية تعمل علي إنقاذ العالم من مخالبه بالتعاون مع الحكومات المختلفة..، وذلك في ظل وجود ثلاثة سيناريوهات منها: الأكثر تشاؤما ويتوقع أن يصيب الوباء 80% علي الأقل من سكان العالم ويستمر لمدة عامين، والسيناريو الثاني وهو أن قدوم الصيف سيقضي علي هذا الفيروس اللعين .. ولكن وفقا لخريطة العدوى العالمية، فالوباء موجود الآن في نصف الكرة الجنوبي!! حيث يوجد فصل الصيف!! أما السيناريو الثالث الأكثر تفاؤلا فهو أنه خلال شهرين سيصبح الوباء "قد تم القضاء عليه" وذلك من خلال الإغلاق المحكم للحدود، والعزل واتباع إرشادات التعقيم والنظافة، وتوقف حركة الطيران.. إن المشهد العالمي الراهن متفرد القسوة..الوباء يغزو العالم..كورونا يهدد البشرية جمعاء..عذاب اللهث وراء نشرات الأخبار بشكل لحظي لمتابعة تزايد أعداد المصابين وأعداد الموتى غير محتمل، التعرف علي طب الحروب والعزل والحجر الصحي وحظر التجول والتحذيرات وموت المصاب وحيدا، وحرقه دون صلاة ولا دفن غير محتمل، غلق الحياة وانتشار رائحة الموت غير محتمل، انهيار الاقتصاد العالمي والتحذيرات عن نفاد وشيك للإمدادات الطبية هنا وهناك غير محتمل، والمشهد الأكثر قسوة علي القلب هو غلق الحرمين المكي والنبوي أمام الجميع..وغلق أيضا كل دور العبادة في العالم تقريبا.. أتمني انقضاء هذا المشهد اللعين الذي يحصد الحياة وأرواح البشر..آمل أن ينتهي هذا الكابوس المرعب..الذي لا يعلم أحد كيف ومتى ستكون نهايته؟..
«اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا.. اللهم اصرف عنا شر ما قضيت».

zeinabrazzak@ahram.org.eg

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]