الحب فى زمن الكورونا!

2-4-2020 | 15:18

 

"الحب في زمن الكوليرا"..عنوان رواية شهيرة صدرت عام 1985 للكاتب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل للآداب جارسيا ماركيز عام 1982، والتي تُشكل وروايته "مئة عام من العزلة" أفضل ما كتب..

هذه الرواية التي تحولت إلى فيلم في 2007، تروي قصة حب مؤجل لأكثر من نصف قرن بين امرأة ورجل جمعهما الحب في سن المراهقة، لكن الحياة أخذت كلًا منهما إلى مسارين مختلفين، تزوجت المرأة من طبيب مشهور، فيما عزف الرجل عن الزواج، إلى أن حانت فرصة لقائهما ثانية في رحلة نهرية على متن إحدى السفن التابعة للشركة التي يملكها الرجل، بعد أن أصبحت المرأة أرملة.

ولكي يُطيل الرجل أمد الرحلة، زعم أن وباء الكوليرا بدأ يتفشى، ليحمل جميع الركاب على مغادرة سفينته خوفًا، فيما بقي هو والمرأة على ظهر الباخرة التي ظلت تتحرك في النهر رافعة علمًا يشير إلى الوباء!.. وحين سأله القبطان "إلى متى تظن أننا نستطيع هذا الذهاب والإياب الملعون"؛ فكان جوابه: "مدى الحياة"..

رواية ماركيز، الصحفي الذي عشقته الرواية، تداعت إلى ذاكرة الكثيرين في زمن الكورونا، حيث وجدت طريقها في أرض الواقع حقيقة لا رواية..

زوجان صينيان يودعان بعضهما في المستشفي وسط التفشي الدرامي ل فيروس كورونا ، في فيديو اجتاح شبكات التواصل الاجتماعي، وفيه يظهر المُسنان، تمامًا كما هما بطلا ماركيز، إذ يبلغان الثمانينيات من عمرهما، مستلقين على السرير، يمسكان يدي بعضهما انتظارًا للموت، ولسان حالهما يعلن انبعاث حب لم يمت، خلافًا لقصة بطلي ماركيز، بعد أن كشف كلا اختباريهما عن إصابتهما بالفيروس الذي يصيب كبار السن خاصة، على خلاف ما حدث من وباء إنفلونزا 1918، الذي شكل الشباب أغلب ضحاياه!!

القصة تكررت أيضًا في أمريكا، حيث ينظر الأمريكيون لصورة جين كامبل "89 عامًا" وزوجته دوروثي "88 عامًا" بحزن وإعجاب، وهما يحاولان التحدث لبعضهما عبر الحاجز الزجاجي، حيث يرقد الزوج في الحجر الصحي بمركز طبي بولاية واشنطن لإصابته ب فيروس كورونا ..

دوروثي مُنعت من الزيارة، لكنها ذهبت إلى نافذته برفقة ابنهما وتحدثت إليه عبر الهاتف لرفع معنوياته، وهي تنظر إليه بحزن عميق، فلم يفترقا لستين عامًا متواصلة..
تعطي هذه الروايات اهتمامًا واجبًا ب كبار السن ، وأنهم لا ينبغي أن يكونوا الحلقة الأضعف، ويتركوا للموت، تحت زعم الاقتصاد أولا وأن "العلاج أسوأ من المرض"، كما ادعى ترامب، وإن تراجع قليلا بعد ذلك، أو اتباع سياسة "مناعة القطيع" التي تبناها بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا، حين صدم الناس بدعوتهم للاستعداد لفقدان أحبائهم، ثم اكتوى هو بنار الفيروس..

كبار السن ينبغي أن يكونوا هم الفئات الأولى بالرعاية، لا أن يتم إسقاطهم من حسابات الرعاية الصحية، وتبني إجراءات مجحفة بحقهم وغيرهم من فئات المجتمع، مثلما تردد أن ولايات أمريكية تضع خططًا تنص على عدم إعطاء الأولوية في العلاج من كورونا لمن يعانون "التخلف العقلي الشديد والخرف" وأنهم من غير المرجح أن يحصلوا على أجهزة التنفس الصناعي!!..

وما حدث من فرار العاملين في دور رعاية المسنين في إسبانيا وتركهم فريسة للفيروس ووفاة الكثيرين منهم، يكشف المزيد من إنسانية الغرب المزعومة، التي لا نراها إلا مع حيواناتهم!!

لا جدال أن سلبيات كورونا لن يستثني منها شعب، فكلنا في مواجهة هذا الهمّ، لكن لا يخلو الأمر من إيجابيات، وما دمنا نتحدث عن معاناتنا من الحجر المنزلي، لعلها فرصة للانتباه إلى العزلة الاجتماعية، التي اعتادها حوالي 25% من كبار السن ، وإن كانت النسبة في بلداننا أقل كثيرًا، امتثالًا لما حثنا عليه القرآن الكريم في قوله تعالي "وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا".

فعواقب العزلة الاجتماعية والوحدة على كبار السن حذر منها تقرير للأكاديميات الوطنية للعلوم بالقول "إنها مرتبطة بزيادة كبيرة في خطر الإصابة بالخرف بنسبة 50%، وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة 29%، وخطر الموت بالسرطان بنسبة 25%، و32% من خطر الإصابة بسكتة دماغية.

فالعزلة ينبغي أن يُنظر إليها حاليًا كحالة طوارئ جسدية، لا تلبث أن تنتهي، لكل الناس، وفي المقدمة منهم كبار السن ، التي ينبغي أن تكون هذه الظروف فرصة لاحتوائهم والتواصل معهم والالتفاف حولهم قدر الإمكان؛ خاصة أنهم غالبًا أقل استخدامًا للتكنولوجيا والأجهزة الذكية.

وقبل أن نغادر علينا تأكيد أن الحجر المنزلي لن يمنع انتشار الفيروس؛ لكنه يساعد على توزيع عدد الحالات على فترة زمنية أطول لتسهيل مهمة الأجهزة الطبية في التعامل معها، ما يعني أن غالبية الدول التي أعلنت الحجر المنزلي، إن لم تكن جميعها؛ ستكون مضطرة لتمديد فترته واتخاذ مزيد من الإجراءات اللازمة حتى تُحاصر الفيروس بدل أن يُحاصرنا..

غاية القول إن كان "الحب في زمن الكوليرا" تطلب من شخصيات ماركيز عشقًا عميقًا ووفاءً نادرًا.. فإن "الحب في زمن الكورونا" يتطلب منا جميعًا إحساسًا بالمسئولية، تجاه أنفسنا والمجتمع، حتى نرفع معًا الكارت الأحمر في وجه الوباء.. "وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا "..

مقالات اخري للكاتب

تكنولوجيا زمن الكورونا

يبدو أن التكنولوجيا التى طالما واجهت اتهامات بالمسئولية عن التباعد الاجتماعي، وجدت في كورونا فرصة لتبييض وجهها، بعدما دخلت على الخط بقوة لمحاربة عدو لم يكن في الحسبان، وباتت وسيلة الناس الأكثر أمنًا وآمانًا في استعادة التواصل الاجتماعي المفقود في ظل أطول حجر صحي عرفه العالم..

إنسان 8 جيجا؟!

ربما يكون "اللمبى 8 جيجا" الفيلم المصرى الوحيد الذى يمكن اعتباره ـ إلى حد ما ـ من أفلام الخيال العلمى، حقيقة فى خلال 5 سنوات من الآن!!

عودة مشروطة للحياة!

ما أشبه الليلة بالبارحة فى التصدى لوباء كورونا مقارنة بما فعله العالم قبل مائة عام فى تصديه لجائحة إنفلونزا 1918..

في الثقافة الغذائية

رمضان شهر الطاعات والعبادات، بدل أن يكون فرصة للاقتصاد في النفقات، بات مصريا وعربيا شهرا لالتهام الطعام ومتابعة الفوازير والمسلسلات.. هكذا حولنا رمضان،

ماذا بعد كورونا؟!

يبدو أن حديث المؤامرة الذى سيطر فى بداية ظهور فيروس كورونا وتنحى قليلا مع تفشى الفيروس، عاد إلى الواجهة من جديد، فكلما ازدادت وطأة تفشى الفيروس فى أمريكا،

صوم رمضان في زمن الكورونا

رمضان هذا العام، ليس ككل عام، فالعالم كله يستقبله وفي فمه غصة شديدة مشوبة بالألم بطعم وباء كورونا.. وإذا كان كثيرًا من الناس في السنوات الماضية، ممن تقهرهم

مادة إعلانية

[x]