تصالحوا وتصارحوا مع أنفسكم ومع الله

31-3-2020 | 12:19

 

أزمة "كورونا" التى نمر بها حاليًا، وبعيدًا عن استعدادات الحكومات، وجهود المكافحة والحماية والرعاية، يجب ألا تمر هكذا دون أن نُحاسب أنفسنا جميعًا؛ لأننا كلنا جزء من هذه الأزمة وسبب أساسي من أسبابها، فنحن في حالة خصام مع أنفسنا، وخصام مع غيرنا، وفي خصام مع الله سبحانه وتعالى، تخاصمنا مع العلم والعلماء وغيبنا البحث العلمي بفعل فاعل وتدهورت أحوال جامعاتنا ومدارسنا، وأعلينا قيمة الرقص والراقصين والراقصات، تخاصمنا مع القيم والعادات والتقاليد الأصيلة، وجرينا وراء البدع والخرافات وكل ما هو غربي مستورد وتحكمت فينا عقدة الخواجة، تجاهلنا أصحاب الخبرات من المهنيين وتسيد كل منافق مشتاق و"فهلوي".

غرقنا في التفاهات والملذات، وانتشرت وسائل التسلية والترفيه وقتل الوقت فيما لا يفيد، واهتممنا بالملاهي ومصانع الشيبسي، وتنافسنا في إقامة الحفلات والمراقص والمهرجانات، وأهملنا مصانع الحديد والصلب وغيرها من الصناعات الجادة، واستمرينا في غينا، وبعدنا عن الله سبحانه وتعالى، وهذه هي أشد أنواع الخصام، فأصبحنا مثل قوم عاد وثمود وأهل الرس وغيرهم من الأقوام التى حل عليها عذاب الله بما كسبت أيدي الناس.

وهذا الكلام ليس "دروشة" أو مغالاة في التدين، وإنما هو الحقيقة، فهل هناك رجل رشيد في أي مكان من العالم العربي والإسلامي لم يزعجه ما حدث من إغلاق دور العبادة من مساجد وكنائس ومعابد؟

والله.. إنها لمؤشرات تدق ناقوس الخطر وتصرخ فينا بصوت عال أن: تصالحوا، وكونوا عباد الله إخوانًا متعاونين ومتعاضين، متصالحين مع أنفسكم ومع غيركم ومع الله سبحانه وتعالى الذى ما خلق الإنس والجن إلا ليعبدوه، وهاهي أماكن العبادة تُغلق في وجوهنا، فهل نحن متناهون عن حالة التخاصم والتباعد والتباغض؟!

لنأخذ من أزمة "كورونا" منطلقًا للعودة إلى طريق الصواب، نعود إلى العلم و إعلاء قيمة العلماء ، فهم العدة الحقيقية لكل تقدم وسلامة للمجتمعات من أي أوبئة وأمراض، هم العقلول المفكرة المخترعة، الذين يدرسون ويحللون ويفسرون، ويصلون إلى الحلول الجذرية والحاسمة، وهاهو "فيروس" لا يكاد يُرى بالعين المجردة يضع العالم كله في أزمة، مؤكدًا قيمة العلم والعلماء والقرب من الله سبحانه وتعالى، وضرورة الاتحاد والتعاون وعدم الفرقة، وضرورة تصالح أطياف المجتمع الواحد وانصهارهم في بوتقة الأزمة.

أتمنى من الله سبحانه وتعالى أن تنتهي هذه "الغمة" قبل أن يأتي شهر رمضان، أتمنى أن يعود المصلون إلى المساجد وألا يحرمنا الله سبحانه وتعالى أجر صلاة الجماعة وصلاة التراويح، وألا يؤاخذنا سبحانه وتعالى بما فعل السفهاء منا، وهم بالفعل كُثر في بلادنا العربية والإسلامية، أولئك الذين زينوا الباطل وشغلوا الناس بتوافه الأمور عن عبادة الله سبحانه وتعالى، فكان العقاب تعليق الصلاة بالمسجد الحرام، الذى لم يتوقف فيه الطواف منذ أقام إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، وأن يُصد المسجد النبوي في وجه المصلين، وأن نُحرم صلاة الجمعة في ديار المسلمين لأول مرة منذ فجر الإسلام.

هل هناك بلاء أكبر من هذا؟ نعم الأزمة جائحة، ولكننا نموت كل يوم، والموت مكتوب علينا جميعًا، ولكن العبادة والصلاة وكل الفرائض قائمة حتى يوم الدين، وما يحدث حاليًا يدمي القلب، ولن يرفعه إلا أن نتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبة خالصة، وأن نتصالح معه ومع أنفسنا ومع الآخرين، علنا نرجع إلى جادة الصواب.

وما يحزن المرء حقًا أننا ونحن في محنتنا هذه نجد من يتاجر بها وبالناس، فبرغم كل ما تقوم به الحكومة من جهود للتيسير على الناس وحصار الأزمة، نجد أن هناك "تجار الأزمات" الذين لا ضمير ولا دين ولا قيم ولا وطنية لديهم، وكل ما يحركهم هو المكسب المادي، حتى ولو كان الثمن أقوات وحياة الناس، يتساوى في تلك المتاجرة بعض الأثرياء والمسئولين وكبار التجار وصغارهم وغيرهم من أصحاب المهن والحرف المختلفة، الذين كان من الواجب عليهم أن يشاركوا الناس أزمتهم ومصابهم، وبدلاً من ذلك راحوا يغالون في زيادة الأسعار للضعف والضعفين، واحتكروا السلع، خاصة مستلزمات التطهير والكمامات والقفازات، وغيرها من السلع، ولهم جميعًا أقول تصالحوا وارجعوا إلى الصواب، فالأزمة امتحان يا ويل من يرسب فيه، وفكروا في هول المأساة التى نعيشها جميعًا.

ولعل ما يعبر عن حُزن وأسى كل المسلمين والعابدين لله سبحانه وتعالى، تلك الأبيات التى توضح حجم المأساة التى عشناها جميعًا ونحن نصلي الظهر في بيوتنا بدلًا من "الجمعة":
وعلى البلاد تمر أقسى جمعةٍ
فيها المساجد أوصدت بحنانِ
لاشيءَ يُشبهَ عامنا في حزنهِ
لمّا مساجدنا خلَت بثواني
وبكى المؤذنِ في النداء بحسرةٍ
(ببيوتكم صلوا) فهزّ كياني
وبكت قلوب المسلمين وأطرقت
ألمًا وحزنًا والدموع مثاني
اليومَ لا خُطَبٌ تُطمئنُ أنفسًا
رجعُ الصدى صمتٌ بدون أذانِ
اليومَ لاحرمٌ بمكة عامرٌ
بالطائفين وذاكري الرحمنِ
اليوم أيقظنا شعورٌ دامعٌ
يرجو النجاةَ ورحمةَ المنان
قد عزّ ياربي المصابُ وإننا
تُبنا من الهفوات والعصيان
يارب عُدنا لا تخيبْ عائدًا
يرجو رضاك وطالب الغفرانِ
ندعوك يارباه فارحم ضعفنا
ندعوك يا جبارُ يا ذا الشانِ
فرّج علينا كُربةٍ ضقنا بها
واجلُ البلاء و جُد على الأوطانِ

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

"الاختيار" .. وقيم الولاء والانتماء

يقول الله سبحانه وتعالى في الآية 3 من سورة "يوسف": ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ

"كمامة" لكل مواطن!!

نعم" كمامة" لكل مواطن،أعتقد أن ذلك أصبح أمراً واقعاً وضرورياً بعد أن أكد رئيس الوزاء أن ارتداء الكمامة سيكون إجباريا في كافة المنشآت بالدولة والمواصلات العامة، ولن يسمح بدخول أي مكان بالدولة دون ارتداء كمامة، وسيتم فرض عقوبات على المخالفين ممن لم يرتدون الكمامات.

"فاروق هاشم" .. الجنرال الزاهد

يقول الدكتور طه حسين: "ديوان الحياة المصرية المعاصرة" هذا أصدق وصف يمكن أن توصف به "الأهرام"، كما أن أصدق وصف وصِف به الشعر العربي القديم هو أنه ديوان العرب.

بين "الزعيم".. و"حروب الهوانم"

وسط حصار " كرونا" الإجبارى لأصحاب مهنة البحث عن المتاعب أمثالي، وجدت نفسي مقسماً بين قراءة القرآن الكريم ، الذي أتعلم منه يوميا ودائما كل جديد، فالقراءة

كل عام وأنتم رمضانيون قلبا وقالبا

الحمد لله لقد بلّغنا رمصان.. هلت لياليه الجميلة الحافلة بالرحمة والتراحم العامرة بالمغفرة والود والتسامح، وإن كنا نذوب شوقًا إلى الركوع فى المساجد وأن

رسائل على جناح "كورونا"!!

ما زالت معاناة الناس مع "كورونا" مستمرة، لا توجد أسرة مصرية أو عربية إلا وذاقت ألم هذا الفيروس؛ إما فقدًا أو فرقة أو تشتتًا أو تعطيل حال وزيادة نسبة البطالة،

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]