لا تخافوا ولا تحزنوا

27-3-2020 | 13:55

 

الفيروس الأخطر من كورونا هو فيروس الخوف. ف كورونا هو موسم كخماسين الربيع سيمضي, كموجة باردة ممطرة. ويقول الحكيم الشعبيّ: انتظار البلا ولا وقوعه, ونقول أيضا: اللي يخاف من العفريت يطلع له. فالخوف أخطر أنواع الفيروسات؛ لأن موسمه, إذا استسلمنا له, قد يطول فيستغرق العمر كله. وهو لا يقتل لكنه يمتص بصفرته الكالحة دماء البهجة والعافية, ويُفسد الحاضر الدافئ بارتعاش مبكر إزاء البرد القادم.

صقيع الخوف يقتل برعم السعادة في كِمِّه, فيحل الحزن أينما خَطا الخوف بقدمه الباردة الثلجية. فالفرحة لا تُزهر إلا في حضن الطمأنينة. والطمأنينة لا تسكن إلا في قلب آمَنَ فأمِن. ومتي القلب في الخفقان اطمأنّ؟, يقول شيخي في الشعر أمل دنقل. حقا, الطمأنينة مطلب صعب, والإيمان الحق مقام عصيّ وعلويّ, لكنّ السعي نحوه ممكن, والسعي نصف الوصول حتي إذا تعذّر بلوغ الغاية.

يقول صلاح جاهين في إحدي رباعياته: أنا اللي بالأمر المحال اغتوي/ شفت القمر نطيت لفوق في الهوا/ طُلته ما طلتوش إيه انا يهمني/ وليه؟ ما دام بالنشوة قلبي ارتوي.. فما بالكم والأمر ليس بمستحيل, وإن كان عسير التحقق في أرضنا, حيث يعشش الخوف, ويستطيع كائن أضأل من أن تراه عينٌ إتيانَ كل هذا العبث والتدمير! الطمأنينة بالتأكيد حلم بعيد المنال؛ الطمأنينة الراسخة والسكينة العميقة, لكن بذكر الله تطمئن القلوب.
فالسبيل إذن مُتاح, وإن طال السفر. يكفي في البداية تشخيص المرض: فيروس الخوف الأخطر من كل الفيروسات, والحزن الذي يحل حين يقتل الخوف السعادة وينفي السكينة والطمأنينة. وباء كورونا , وغير كورونا , يستغرق أسابيع أو شهورا ويمضي؛ أما الداء المهلك حقا فهو تبديد العمر في انتظار هجوم قد لا يحدث أصلا, وإن حدث فهو وجع ساعة وتمر. فكيف نُتلف في انتظارها الوقت كله؟ موسم الدفء آتٍ إن شاء الله قريبا. وسنتذكر هذه الأيام شاكرين الله أنها مضت.

ولنخرجْ من التجربة وقد تعلمنا التواضع إزاء هذا الكون العجيب, حيث توجد وحوش لا تُري بالعين المجردة, ومع هذا تستطيع إحداث حالة رعب ترتع إلي حينٍ كما يحلو لها في عالم الإنسان سيد مخلوقات الأرض والكون المعروف. فهل يا تُري سنخرج من حالة البيات والكمون والمكوث في المنزل لنواصل بنفس النشاط والحيوية عمليات القتل المتبادل والعنف والتحريق, حين ينهزم الفيروس, وسينهزم بإذن الله, أمام عبقريتنا العلمية وتعاوننا؟ أم سنتذكر أن التعاون والتكافل كان وسيظل سبيلنا للخروج من هذه الأزمة, ومن كل الأزمات؟ إن كرة الأرض, ككرة القدم, لعبة جماعية. ولا يستطيع اللاعب الفرد مهما بلغت مهارته استثمار موهبته الفردية إلا بالتعاون مع كل لاعبي الفريق. ربما لو تذكرنا ذلك لقلّ العنف والتنافس الأحمق بيننا, ولتبادلنا المصالح من أجل إحراز الهدف: السلام في الأرض والأمان والطمأنينة.

ربما كان حلما عبيطا. فلم يحدث أبدا علي وجه هذه الأرض أن عاش البشر في سلام. لكنّ البشرية عموما تسير إلي الأفضل. ينقصنا فقط أن يدرك بعضنا قيمة العلم, وألا يستغل الأكثر علما جهل الآخرين لمصلحته الشخصية فيستمتع بالسلام والرخاء علي حساب حروب الآخرين وفاقتهم. لقد علّمنا هذا الوباء أن سلامة الجميع تحتاج إلي تعاون الجميع.. فأرجو ألا ننسي هذا الدرس ليحل السلام, ونتخلص من أشرس الفيروسات علي وجه الأرض: فيروس الخوف الأبديّ المزمن.

مقالات اخري للكاتب

شاعر يمشى كأنه يتذكر (2)

«أصطاد أعضاءها بصوتى»: عنوان القصيدة الذى توقفنا بذكره عن الكلام المباح لاعتبارات المساحة فى آخر مقالتنا السابقة عن أحدث عمل شعرى صدر للكاتب والصحفى الزميل البهاء حسين بعنوان «يمشى كأنه يتذكر».

شاعرٌ يمشي كأنه يتذكر

إيقاع المشى يستجلب إيقاعات الشعر، وكثير من الكُتّاب يحبون التمشى لأنه يستحضر الإلهام، ويبدو أن الشاعر والكاتب الصحفى الزميل البهاء حسين واحد من هؤلاء، لأنه فى ديوانه الجديد: «يمشى كأنه يتذكر»، يشير إلى هذا بشكل غير مباشر.

ألمٌ خفيف (2)

نستكمل هذا الأسبوع الحديث عن رواية ألم خفيف كريشة طائر تتنقّل بهدوء من مكان لآخر, للشاعر والكاتب علاء خالد الصادرة 2009 وبعدها صدرت له روايتان, فترسخت

تأملات أدبية فى زمن الوباء

كنت أقرأ أخيراً باستمتاع رواية صوت الغراب للكاتب المصرى المبدع عادل عصمت، التى صدرت عام 2017. ورغم أن الرواية مكتوبة ومنشورة منذ سنوات، فقد قرأت فيها معنيً

[x]