أيام مع نجيب محفوظ (7)

24-3-2020 | 17:54

 

حكيت للأستاذ نجيب محفوظ عن أنني ارتبطت به مبكرًا منذ شاهدت مسرحية "تحت المظلة" علي مسرح محمد فريد نهاية الستينيات، كنت في المرحلة الإعدادية، ثم قرأت رواية "الطريق" التي أراها واحدة من أجمل رواياته، كما قرأت مبكرًا أيضًا "بداية ونهاية" و"السراب".. لكنني شاهدت "القاهرة الجديدة" في السينما، قبل أن أقرأها، وصدمتني قوة المأساة فيها، ولكي أتغلب على مرارة الواقع وعذابات أبطاله ومآسيهم والتي جسدها في فيلم "القاهرة 30": سعاد حسني وحمدي أحمد وتوفيق الدقن وعبد المنعم إبراهيم وعبد العزيز مكيوي، قررت قراءتها، ووضعت بيني وبين شخوصها مسافة كافية.


حكيت ل نجيب محفوظ أن إحدى الجارات العزيزات وأم أصدقائي كانت تناديني باسمك حين تراني، هي لا تقرأ ولكنها منذ بداية السبعينيات تناديني باسمك. استغرب.. لأنني كنت أبدي اهتمامًا ملحوظًا بالكتب وأتفوق في موضوعات التعبير في المدرسة، فأصبحت نجيب محفوظ .. وأكدت له أنه بذلك يكون كاتبًا شعبيًا حقيقيًا.

فقال لي إنها السينما يا عزيزي، ولذلك أدين لها بالكثير فالكتاب في مصر قد يقرأه بضع مئات أو آلاف على أقصى تقدير أما السينما فيراها الملايين.

هي السينما إذن التي جذبه للعمل بها المخرج الكبير صلاح أبوسيف، الذي قال للدكتور عمرو عبدالسميع في حوار بديع بـ"المصور" (فبراير 1986) إن علاقته بالأستاذ نجيب محفوظ ترجع إلى سنة 1945، حيث سمع عنه من صديقيه الشقيقين عبد الحليم وفؤاد نويرة. كان أبو سيف يخرج فيلمه الأول "عنتر وعبلة" وسمع الشقيقيين يتحدثان بحماس غير معقول عن نجيب محفوظ ونوادره. يقول أبو سيف: "ومن أول لحظة اكتشفت أشياء غريبة في نجيب.. أولاً عقله متركب سينما.. تفكيره بالصورة والمنطق والإحساس الكامل بتفاصيل الشخصيات".

وأشار إلى أن " نجيب محفوظ قال في حديث منشور إنني علمته السيناريو، والواقع أنه إنسان متواضع ليقول ذلك، لأنني فقط أحضرت له كتبًا في السيناريو، بينما كان تكوينه من الأصل دراميًا، يعرف كيف يحبك الحدث، ويخلق الشخصية، وكان أفضل ثلاثي فني في السينما المصرية هو نجيب محفوظ والسيد بدير وأنا"، وألمح أبوسيف عن سلسلة خصال للأستاذ نجيب دفعة واحدة: إنسان جدًا وتفكيره تقدمي ولم يتنازل في حياته أبدًا وكان مبدئيا جدًا.

وقال إنه ظل يعمل في السينما مدة طويلة جدًا ولا يطالب بزيادة أجره وهو 100 جنيه، و"في فيلم الفتوة سألني فريد شوقي عن أجر نجيب فقلت له 300 جنيه، ولكنه حينما أراد أن يدفعها لنجيب وجده يرفض ويطلب 100 جنيه فقط".

وأحصى الكاتب الصحفي بالأهرام فتحي العشري عشرين سيناريو للسينما كتبها نجيب محفوظ ابتداء من "عنتر وعبلة" 1947 لصلاح أبو سيف، إلى "وكالة البلح" 1983 لحسام الدين مصطفى، إلا أن نجيب محفوظ لم يكتب أيًا من سيناريوهات الأفلام العشرين المأخوذة عن أعماله، أو تلك التي تحولت إلى مسلسلات إذاعية وتليفزيونية ومسرحيات.

أما ترديده قصة حظه مع نوبل وهي من قبيل التواضع، وكذلك إقراره بدور السينما في انتشار اسمه بين الجماهير العريضة وفيها الكثير من الصحة، فقد يلحق بهما قصة تقديره للتمثال الذي صممه الدكتور السيد عبده سليم، والذي لا يخلو من دعابة، ولم يشارك بسبب ظروفه الصحية في قص شريط الافتتاح للتمثال في ميدان سفنكس، وكنت أسعى إلى معرفة رأيه مسجلاً في تقرير ل قناة LBC اللبنانية ، وكنت مراسلًا لها، فذهبت إلى منزله القريب في العجوزة، ووجدته خارجًا بصحبة الدكتور زكي سالم، ورحب بي، وحتى لا أعطلهما، قررت أن أتجه إلى مقصدهما كل ثلاثاء للقاء الأصدقاء الأسبوعي في مركب فرعون النيل.. وكما ذكرت سابقًا فإنه ابن النكتة الذي لم يفوت لحظة أو قفشة، فقال إن الفنان الذي صنعه يبدو أنه تأثر برواية "الشحاذ"، لكنه كان يمزح فقط لأنه شكر الفنان على جهده، هو الذي كان قال لي ذات مرة: "عليّ أن أشكر كل من قدم لي شيئًا حتى لو كوب ماء".

حوارات كثيرة أجريتها مع نجيب محفوظ ، لكن أغرب تلك الحوارات كان تسجيلي ضحكة فقط عندما ذهبت إليه عام 1989 في مكتبه بالطابق السادس في الأهرام، وفتحت جهاز التسجيل وطلبت منه أن يضحك، وبعد أن ضحك أغلقت الكاسيت وشكرته ونهضت للانصراف. فاندهش... وشرحت له أنني أعد برنامج "لوحة وفنان" للتليفزيون المصري، لإذاعته في شهر رمضان عقب الافطار مباشرة، ولمزيد من التجويد في حلقة الفنان التشكيلي صلاح عناني، ولأنه سيتناول لوحة لرواد التنوير وأنت في القلب منها، رأيت أن تظهر اللوحة وأن تضحك فيها.. وذلك هو ما جرى تنفيذه فعلاً على يد المخرجة شادية مختار، وكانت حلقة مميزة.

سألت نجيب محفوظ ذات مرة عن مصير شلة "الحرافيش"، التي كان اسمها السابق "اجتماع الدائرة المشئومة" وكان رده أنها تنتهي بموت أعضائها. وهو ما حدث فعلاً.. لكنني في محاولة للتعمق في معرفة أصول الشلة، قال لي الفنان أحمد مظهر في تحقيق منشور في مجلة "المصور": إنه من سماهم "الحرافيش"، فقد كانوا يقرأون في كتاب رفاعة الطهطاوي "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" أن بعض المقاهي في باريس يؤمها علية القوم، وبعضها الآخر يؤمه الحرافيش، وسكت الجميع ثم انطلقت ضحكاتهم مجلجلة ونطق مظهر: أنتم الحرافيش. أما محفوظ فقد قال لرجاء النقاش في مذكراته: إن التسمية هي لمظهر بالفعل، ولكنه استخلص الاسم من كتاب الجبرتي كتعبير مناسب عن الشلة، لأنه يعني "الصعاليك".

مقالات اخري للكاتب

أيام مع نجيب محفوظ (8)

لم يكن نجيب محفوظ بعيدًا عن الفن التشكيلي وكما جرت "مسرحة" بعض من قصصه ورواياته, فإنه جرت أيضًا محاولات أخرى للتعبير عنها بالرسم. ليس فقط رسومات الأغلفة

أيام مع نجيب محفوظ (6)

أيام مع نجيب محفوظ (6)

أيام مع نجيب محفوظ (5)

أيام مع نجيب محفوظ (5)

أيام مع نجيب محفوظ (4)

أيام مع نجيب محفوظ (4)

أيام مع نجيب محفوظ (3)

لقد فرضت نوبل التزامات على الأستاذ نجيب محفوظ؛ شعر معها بأنه بات بالفعل موظفًا لدى جائزة نوبل، فقد اضطر إلى الارتباط بمواعيد مع عرب وأجانب وبإجراء حوارات

أيام مع نجيب محفوظ (2)

كنت أمتلك من القدرة أو الثقة في علاقتي بالأستاذ نجيب محفوظ ما يكفي لأنقل له هواجس - أو ما فهمت أنها هواجس - لدى مبدعين كبار شعروا بانجذاب النقاد على مختلف توجهاتهم من اليمين واليسار له، تاركين - إلا قليلًا - كبار الأدباء الآخرين، فضحك ضحكته المجلجلة، وقال لي: "أصل أنا نجيب محظوظ".

مادة إعلانية

[x]